طالعة من بيت أبوها...

طالعة من بيت أبوها...

سهيل كيوان

ذكّرني حراك "طالعات" النسائي، بأغنية ناظم الغزالي وصباح فخري، طالعة من بيت أبوها رايحة لبيت الجيران، وتتمّتها ذات الغزل الجريء، "قلت لها يا حلوة ارويني وعلى صدرك فرجيني"، لم يعترض أحد على ناظم الغزالي أو على صباح فخري، باعتبار الأمر غزلا عاديًا يغنى بدون حرج في الإذاعات وفي الأفراح، وهذا يقول الكثير عن العرف الاجتماعي، وقدرة الناس على التحكّم والتلاعب فيه، يتقبلونه أو يشيطنونه وينبذونه.             

قبل أيام، خرجت نساء وفتيات ومعهن بعض الشبان، متظاهرين في ما أسمينه حراك "طالعات"، وهو إشارة مهمة تفيد بقدرة فئة ما من المجتمع، على التفاعل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي واستغلالها لنشاطات جماعية مهمة، فكان الحراك مفاجأة، وبمثابة انتفاضة ضد العنف بكل أشكاله، وخصوصًا ذلك الموجّه ضد المرأة.

إلى جانب هذا، ظهرت مجموعة على "فيسبوك" دعت إلى حراك ضد جرائم القتل وإطلاق النار، وقد بدأت الصفحة بالتفاعل واشترك فيها الآلاف، وبدأ الحديث يدور عن الإعداد لمليونية عربية في تل أبيب ضد العنف، ولكن يبدو أن هناك من قدم شكوى ضد الصفحة إلى إدارة فيسبوك فحُجبت، ربما بحجة التحريض ضد الشرطة، نأمل أن تعود هذه الصفحة أو أن يقام بديل عنها.

كلنا نتحدث عن العنف الجسدي، وخصوصًا القاتل منه، إلا أن هناك عنفًا لفظيًا يسبق العنف الجسدي بدرجة بسيطة يمارسه كثيرون، ثم تراهم هم أنفسهم يتساءلون عن أسباب العنف في مجتمعنا؟

التحريض على العنف، يبدأ من كتابة كلمات نابية وعنيفة ضد فرد أو مجموعة أو أسرة أو عائلة أو حزب أو جمعية، ووصفها ببذيء الكلام، كلمات صادفتها بغزارة في الأسبوع الأخير، مثل النذالة والتفاهة والجبن والخيانة، وحتى شتائم من الزنار وتحت، نتيجة لموقف سياسي لا يتفق مع هذه الجهة أو تلك، هذا ما لمسناه في الهجمة الأخيرة على حزب التجمع الوطني من قبل مئات من كوادر الأحزاب الأخرى ونشطاء "فيسبوك"، وذلك بسبب عدم توصية التجمّع على الجنرال بيني غانتس لرئاسة الحكومة.

عندما ينظر الآلاف من البشر المحرَّضِين إلى مجموعة أخرى على أنهم خونة ومتآمرون ومرتزقة على حساب مصالح الناس، وخصوصًا أولئك المهددة بيوتهم بالهدم، فهذا تحريض على العنف، والسبب، مصالح انتخابية محلية أو قطرية لم تتفق ورؤية هذا أو ذاك من القيادات أو الأحزاب.

من جانب آخر، أقيم في الأيام الأخيرة في مجد الكروم مهرجان "ليالي مجد الكروم" السادس، وذلك برعاية المجلس المحلي والمركز الجماهيري في القرية وبتمويل وزارة الثقافة والشباب، وبعض المؤسسات والشركات.

حضر المهرجان آلاف من الناس من البلدة نفسها ومن قرى المنطقة، وخصوصًا من الأطفال وأبناء الجيل الشاب. 

المهرجان انتهى بعد ثلاث ليالٍ بدون أي مشكلة، أظهر تعطّش الناس من مختلف الأجيال إلى مشاركة بعضهم البعض في الفرح.

عندما يقام مهرجان في كرمئيل أو عكا أو تل أبيب، فإن شبابنا يتحسّرون ويتساءلون متى سيكون عندنا مثل هذا النظام وهذه المهرجانات؟ نجلد ذاتنا، ونتّهم أنفسنا بالتخّلف، ولكن في الحقيقة عندما يتوفر الظرف، فإن الإنسان العربي قادر على الفرح وعلى التنظيم، وممكن حضور عشرات الآلاف بدون أي مشكلة تذكر، هذا ما لمسته في مهرجان مجد الكروم، رغم ظهور بعض الأصوات القليلة التي هاجمت المهرجان، وانتقاد البعض للمضامين، إلا أنه مهرجان ناجح، عكس حقيقة ما يريده الشعب.

المهرجان قال إننا قادرون على العيش بسلام مع بعضنا البعض، ما دمنا نحترم خصوصية كل واحد منا، فمن يريد الحضور مع ابنته أو زوجته أو شقيقته أو بناته فهذا شأنه، ويجب احترامه، علينا أن ننظر إلى كل فرد منا ككيان قائم بذاته ومختلف، حتى عن أقرب الناس إليه، ومن حقه أن يعيش حياته كما يريدها هو.

لا أحد يمنع أحدًا من الدعوة إلى أسلوب حياة آخر، ولكن دون عنف كلامي، أو أوصاف بذيئة أو الهزء ممن اختاروا طريقًا مختلفا، بالضبط مثلما هو حق أي إنسان أن يمارس قناعاته الدينية من دون تدخل أحد بشأنه الخاص ودون شيطنته، أو اتهامه بأنه داعشي لمجرد أنه يواظب على الصلاة في المسجد مثلا، أو لأنه يرتدي جلبابا ويطلق ذقنه.       

عندما يهاجم شيخ أمام الجمهور مهرجانا فنّيا، ويصف الأهالي الذين يسمحون لبناتهم وأبنائهم بالمشاركة بشتى الأوصاف الفظّة، فهو عمليا يحرّض الأب على ابنته والشقيق على شقيقته والزوج على زوجته والشاب على والدته، ليس بالضرورة أن يؤدي هذا التحريض إلى القتل، ولكنه يؤدي إلى كراهية لا نراها على السطح، لكنها ترسخ عميقًا في النفوس، وتتراكم إلى أن تنفجر في النهاية كعنف جسدي.   

على مجتمعنا أن ينبذ وأن يبتعد عن كل أشكال العنف وأولها اللفظي، سواء شفويًا أو كتابيا، وخصوصًا تلك التنظيمات والأحزاب التي لها جمهورها الواسع، كذلك رجال الدين وغيرهم من شخصيات اجتماعية مؤثرة ولها منابر تتحدث منها، كالشيوخ والكتاب والصحفيين والمثقفين.

تنتظرنا مهام ثقيلة وأولها حكومة وحدة قومية واسعة مركزها ليبرمان أو انتخابات جولة ثالثة، وتنتظرنا المهمة الكبرى وهي مواجهه العنف وتحجيمه، ووقف عمليات الهدم التي باتت سلاحا فتاكا بيد السلطة يدمّر مجتمعنا.  

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة