مناعة القطيع: بريطانيا تحارب كورونا على طريقتها الخاصة.. ما مدى فعاليتها؟

مناعة القطيع: بريطانيا تحارب كورونا على طريقتها الخاصة.. ما مدى فعاليتها؟
(أ ب)

فاجأت الحكومة البريطانية العالم، مؤخرا، باتخاذ قرارات لا تتماشى مع الخطوات المشددة التي تطبقها معظم الدول حول العالم لمكافحة تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، ما أثار جدلا واسعا، محليا وعالميا.

وكان رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، عقد مؤتمرا صحافيا الخميس الماضي أوضح فيه أن الحكومة لن تتخذ إجراءات صارمة لمنع انتشار الفيروس، بل إجراءات لمحاولة تأجيل "ذروته" فحسب، إذ طالب كل من يشعر بحُمى أو بسعال، أو أعراض البرد عامة، أن يلتزموا منازلهم لمدّة لا تقل عن سبعة أيام.

(أ ب)

وأعلن جونسون الإبقاء على المدارس ومؤسسات أخرى مفتوحة، مبررا ذلك بانتهاء فكرة احتواء الوباء، والتي تُعتبر عادة، الإجراء الأول لمنع الفيروس من الانتشار، لأن كورونا المستجد أصبح منتشرا في بريطانيا، و"لا فائدة" من عزل المواطنين.

مناعة القطيع

استند جونسون بمنطقه، إلى نصيحة المستشارين العلميين للحكومة، باتباع نوعا من أنواع ما يُسمى بـ"مناعة القطيع"، وهي نظرية تفترض أنه يُمكن إعاقة انتشار الأمراض المعدية التي تنتقل من فرد لآخر بشكل متسارع، عندما تتمتع أعداد كبيرة من السكان بالمناعة ضدها، وكلما كبرت نسبة السكان الذين يمتلكون المناعة؛ كلما قلت احتمالية انتقال الفيروس من شخص سريع التأثر بالمرض مع شخص ناقل للعدوى.

(أ ب)

وتنطلق هذه النظرية في حالة كورونا المستجد، من أن أعراضه الشديدة تظهر غالبا على كبار السن، أي أن غالبية السكان من فئة الشباب قد لا تسوء حالتهم الصحية إلى حد كبير، وقد يطوروا مناعة للفيروس ما قد يحمي سكان البلاد، ما يعني أن تحدث ذروة في نسبة الإصابات بالعدوى في بريطانيا، لتتمكن السلطات من احتواء الفيروس، وبالتالي معالجته في حال اكتُشف علاجه.

وتأمل الحكومة البريطانية أن تستمر الحياة كالمعتاد تقريبا، بحيث تلقي مسؤولية الحجر على المواطنين لألا ينهار الاقتصاد، أو تتوقف الحياة العادية لـ"غاية غير مجدية"، وهي حصر الفيروس، إذ أن السلطات تؤكد أنه في هذه المرحلة لم يعد حصره ممكنا تقريبا.

وتبني الحكومة حساباتها بناء على معدل انتشار الفيروس، إذ أنها تتوقع أنه في حال استمراره بالتفشي بالمعدل المرتفع الموجود حاليا، فإن الذروة ستأتي بعد عدّة أشهر من اليوم، هذا في حال لم يبطأ انتشاره في الصيف. (لا يعلم أحد حتى الآن ما إذا كان الصيف سيؤثر على انتشار الفيروس أم لا)

وتأتي إجراءات الحكومة البريطانية في ظل علمها بأن النظام الصحي لن يتحمل الإجراءات الصارمة، والتدفق الهائل للمواطنين، لذا، فإنه سيهيئ نفسه للتعامل مع الأزمة في الصيف، الوقت المفترض لحدوث ذروة الإصابات بكورونا، ومن ثم العمل على هدف حماية كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، أي أولئك الأكثر عرضة لمخاطر الفيروس.

وتستند الحكومة في كل هذا، إلى الافتراض بأن الفيروس سيصبح عدوى موسمية مثل الإنفلونزا، وبذلك فإنها تهدف إلى تحقيق "مناعة القطيع" من أجل إدارة تفشي المرض في الأشهر القريبة، ومنع "موجة أخرى" كارثية في الشتاء المقبل.

لكن هذه الخطة لم تلقى استحسان قطاعات واسعة من المواطنين، ولا العلماء المختصين، خصوصا أن الحكومة أوضحت أنها تعلم كل العلم، أن أشخاصا كُثر سيلقون حتفهم جرّاء الفيروس.

النظام الصحي قد يفشل بالحالتين... المهم حماية الناس

أعد الأستاذ في تطور وبائيات الأمراض المعدية في جامعة هارفارد، د. ويليام هاناج، مقالا في صحيفة "ذي غارديان" البريطانية، شبّه فيه إجراءات الحكومة البريطانية، بشخص يريد إخماد حريق نشب بمنزل، عبر تركه حاليا على أمل السيطرة عليه مستقبلا.

وحدد هاناج المشكلة باستراتيجية "مناعة القطيع" التي تتبعها السلطات جزئيا، بكون النظرية تنطبق بشكل أساسي على اللقاحات التي تجعلها ممكنة، وليس الفيروسات، مشددا على أن كورونا المستجد هو عبارة عن وباء سيصيب أعدادا هائلة من الناس، وسيقتل أعدادا كبيرة منهم.

(أ ب)

وقال إن معدل الوفيات سيواصل الارتفاع حتى الذروة المفترضة التي تنتظرها الحكومة، مضيفا: "من المتوقع أن يحدث هذا، حتى لو افترضنا أن الحكومة ستنجح تمامًا في تقييد الفيروس على السكان المعرضين للخطر، ففي ذروة تفشي المرض، ستكون أعداد الحالات التي تتطلب رعاية حرجة أكبر من عدد الأسرّة المتاح. ويزداد هذا سوءا مع حقيقة أن الأشخاص المصابين بأعراض شديدة، يميلون إلى البقاء على هذا النحو لفترات طويلة، مما يزيد من العبء" على النظام الصحي.

وأشار إلى أنه لا يُمكن للحكومة أن تتوقع من الشرائح الأكثر عرضة للخطر من الفيروس، أي كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، أن يعزلوا أنفسهم عن المجتمع طوال فترة الأشهر المقبلة، حتى مجيء "موجة ثانية خيالية" من الوباء، خصوصا أن معالم موجة تفش أخرى لا تزال غير واضحة، ناهيك عن أن العاملين في قطاع الرعاية الصحية، ودور العجزة، معظمهم من فئة الشباب، أي أن إمكانية انعزال الشرائح الأكثر عرضة للخطر، ليست واردة، وبالتالي فإن المصابين بحالاته "الطفيفة" سينقلون العدوى بسهولة في حال لم يتم حجرهم.

وانتقد هاناج الشق الثاني من الإجراءات الحكومية أيضا، قائلا إن مطالبة المواطنين بحجر أنفسهم عند الشعور بأعراض المرض، وعزل أنفسهم في منازلهم، ليست طريقة ناجعة للحد من انتشار الفيروس، أو منعه، وذلك لأن الفيروس أثبت حتى الآن، أن معظم المصابين به قد لا يشعرون بأعراض حادة، ما يعني أن الفيروس مرجح أن يعدي آخرين حتى قبل أن يعزلوا أنفسهم، نتيجة سرعة انتشاره.

وأردف هاناج أن الفيروس أظهر أيضا، قدرته على شل دول بأكملها، مثل إيران وإيطاليا وإسبانيا، ودفع أنظمتها الصحية إلى الانهيار إلى حد صدور تقارير صحافية تشير إلى أن الأطباء في المناطق الأكثر انتشارا للفيروس في إيطاليا، باتوا مضطرين إلى اختيار "من يموت ومن يعيش"، بسبب نقص العتاد.

وقارن بين هذه الدول، وبين كوريا الجنوبية وسنغافورة وهونغ كونغ وتايوان، التي اتخذت جميع حكوماتها قرارات صارمة جدا منذ اكتشاف الحالات الأولى، ما أدى إلى تقليل معدلات تفشي الفيروس بشكل جاد.

واختتم بقوله إن الوظيفة الأساسية لأي حكومة، هي الحفاظ على سلامة شعبها، لأنها تستمد سلطتها وشرعيتها وثقة الشعب من ذلك، مضيفا: "لا ينبغي لأحد أن يتوهم أنه يمكن تفادي هذا الأمر (تفشي الفيروس)، من خلال التلاعب بطريقة ما بفيروس لا نازل في بداية فهمه.... لا داعي للذعر، ولكن الاستعداد. وإذا لم تساعدك حكومتك، فافعل ذلك بنفسك".

تكمن مشكلة أخرى في طرح الحكومة البريطانية من وجهة نظر خبراء آخرين، إذ أشاروا إلى النقطة ذاتها التي طرحها هاناج في نهاية مقاله، وهي أن طريقة عمل الفيروس لا تزال غير معلومة، لذا فإنه من غير الواضح بعد، عدد المرّات التي قد يُصاب به الإنسان ويشفى منه مجددا، ولا شدّة هذه الإصابة في حال تكررت.