كورونا قد تغير أنماط السفر والسياحة جذريا

كورونا قد تغير أنماط السفر والسياحة جذريا

تأثرت قطاعات حيوية كثيرة في العالم من جرّاء تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد في الأشهر القليلة الماضية، لكن السفر والسياحة قد يكونان أكثرها تضررا، إلى حدّ قد يغيّر شكلهما إلى الأبد.

ومع اقتراب أوّل صيف بعد انتشار فيروس كورونا وسط تخفيف بسيط جدّا لقيود السّفر حول العالم، أعدت مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، تقريرا استندت فيه إلى آراء خبراء عدّة حول مستقبل السفر على المستويين القريب والبعيد.

(أ ب)

وقد بدأت عدّة دول بالفعل بإتاحة السفر بدرجات متفاوتة، فهناك من يتيحه في حال إثبات عدم الإصابة بالفيروس، مثل الصين وسنغافورة، وهناك من يعتزم إجراء فحصوات للمسافرين في المطارات مثل أيسلندا، وهناك من أتاح السفر الضروري فقط.

ولفتت المجلة إلى أن قطاع الطيران الذي تعطّل بشكل شبه كامل على مدار الأشهر القليلة الماضية، يعمل على إعادة تنشيط نفسه في الصيف المرتقب رغم الانخفاض الحاد الّذي سيشهده بأعداد الرحلات.

(أ ب)

وحتى الآن، لا تزال المطارات أشبه بمدن الأشباح، وقد أدى الانهيار الاقتصادي السياحي إلى إفلاس عالمي للفنادق والمطاعم ومشغلي الحافلات ووكالات تأجير السيارات، وطرد نحو 100 مليون شخص من العمل.

وأوضحت المجلة أن الضبابية المحيطة بمستقبل الفيروس، تعني أن ما من أحد قادر على معرفة السرعة التي سيتعافى بها قطاعي السياحة والسفر، وما إذا كان البشر سيسافرون بالكم الذي اعتادوه قبل انتشار الوباء، وكيف ستبدو تجربة السفر الجديدة مع فرض تدابير الأمان الصحي.

انهيار السفر سيفضي إلى تغييرات طويلة الأمد

اعتبر الأستاذ المشارك في كلية لي كوان يو للسياسة العامة بجامعة سنغافورة الوطنية ومؤلف كتاب "الملياردير راج"، جيمس كرابتري، أنّه كما تترك البطالة الجماعية التي فرضتها التدابير الوقائية، جرحا هائلا في سوق العمال، فإن انهيار قطاع السفر العالمي سيؤدي إلى تغييرات طويلة الأمد في أنماط الحركة الدولية سواء كانت بهدف المتعة أو العمل.

وأشار إلى أن شركات الطيران وأصحاب الفنادق يأملون أن تحدث "فقاعات سفر"، والّتي تتلخص بأن تعيد مجموعة صغيرة من الدول فتح الحدود في ما بينها فقط، وأن تطبق سياسة "الممرات الخضراء" لفحص المسافرين والسماح لمن لديه مناعة مسبقة بالسفر، من أجل أن يُعاد افتتاح السوق تدريجيا.

(Pixabay)

ويتوقع كرابتري أن يُطبق نظام جديد في المستقبل المنظور، ينطوي على تشابك المناطق الآمنة التي نجحت في السيطرة على الفيروس، والتي ستتيح السفر في ما بينها إلى أن يتم ابتكار لقاح ونشره على نطاق واسع. وأشار إلى أن هذا لن يكون ممكنا في الدول الفقيرة أو الأقل تطورا، إذ أن سيرورة تعافيها ستكون بطيئة جدا دون لقاح.

وخلص إلى أن هذه العوامل مجتمعة، ستتسبب بإعادة هيكلة قطاع السفر العالمي مستقبلا، وسيختار الكثيرون ألا يسافروا على الإطلاق، وخاصة شريحة كبار السن الأكثر عرضة لخطر مضاعفات المرض. وسوف يكتسب السياح الذين سيزورون مواقع جديدة في مناطقهم الآمنة أو بلدانهم، عادات جديدة. وستستخدم الدول الناجحة في محاربة الوباء، هذا النجاح كاستراتيجية تسويق سياحية. وسينطبق الأمر ذاته على الأعمال التجارية أيضا، حيث ستؤدي سهولة السفر والشعور الجديد بالمصير المشترك لمن يعيش داخل المناطق الآمنة، إلى إعادة هيكلة الاستثمار بما يتماشى مع درجة انتشار الوباء وأماكنه.

الجائحة دفعتنا إلى اقتحام المستقبل مبكرا

رأى المؤلف المشارك لكتاب " تزايدي إلى أسّي: كيف يمكن للشركات الكبيرة رؤية المستقبل وإعادة التفكير في الابتكار"، الذي سيتم نشره في أيلول/ سبتمبر المقبل، فيفيك وادوا، بناء على مقابلته لعدّة رؤساء شركات مؤخرا، أن الأوضاع الجديدة الّتي فرضت على الناس العمل من منازلهم، بما يشمل عقد الاجتماعات الرقمية، جعلت مدراء الشركات أكثر إنتاجية، معتبرا أنّ ذلك "دفعنا إلى التقدم عشرة أعوام للمستقبل، وما من عودة للوراء"، مشيرا إلى أن معظم الاتصالات في العمل ستبقى عن بعد.

(أ ب)

واعتبر أن الواقع الافتراضي يتقدم بسرعة فائقة ستفاجئنا، إذ "ستنتقل اجتماعات العمل والإجازات العائلية والأنشطة الترفيهية بشكل متزايد إلى عوالم افتراضية".

قد لا تسافر سوى قلة محظوظة في المستقبل

قالت مؤلفة كتابة "حجوزات مفرطة: قطاع السفر والسياحة المزدحم"، إليزابيث بيكر، إن بعض المجتمعات التي ضاقت ذرعا بالسياحة المفرطة، أصبح سكانها أكثر سعادة تجاه حياتهم بعد انحسار أنهار البشر الّتي ملأت بلدانهم وشوارعها، وغياب ما كانوا يجلبونه معهم من اكتظاظ ودمار بيئي.

ولكن هذا أدى أيضا إلى إفلاس عدد هائل من الأعمال التجارية التي توقفت في ظلّ غياب السياح، مما يظهر، بحسب بيكر، اعتماد الاقتصاد العالمي الهائل على السفر المتواصل.

(أ ب)

وتتوقع المؤلفة أن يؤدي الدمار الاقتصادي إلى تقليل عدد الناس القادرين على السفر بشكل هائل، إذ أن السفر سيأخذ شريحة أكبر من الدخل القابل للتصرف.

واعتبرت أننا سنشهد اتجاهين مختلفين جدا في المستقبل، بحيث يتمثل الأول، لأن حكومات كثيرة ستعيد تصميم استراتيجياتها السياحية للحد من الازدحام، إن سواء على المستوى المحلي أو الدولي. وستحاول الحفاظ على حركة أموال إضافية في الاقتصاد المحلي، وفرض اللوائح المحلية بما في ذلك تلك التي تحمي البيئة، وستتحول العديد من البروتوكولات الصحية، إلى قوانين دائمة.

(أ ب)

أما الثاني، فيتلخص بأن حكومات أخرى ستتنافس على الأموال السياحية المتقلصة، من خلال منافسة تنازلية في الأسعار، متيحة لصناعة السفر بتنظيم نفسها باستخدام خصومات كبيرة لملء الفنادق والطائرات وإعادة إحياء السياحة المفرطة.

وقالت إن المسافرين الأذكياء سيقصدون الأماكن ذات الحوكمة والأنظمة الصحية الجيدة، وسيقللون من عدد رحلاتهم لكنهم سيمضون فترات أطول، وسيتعاملون مع هذا الوباء كنموذج مصّغر لما قد تجلبه أزمة المناخ مستقبلا.

حرية السفر ضرورية لإنعاش القطاع بعد الجائحة

أشار المدير العام لاتحاد النقل الجوي الدولي والرئيس التنفيذي السابق لشركة الطيران الفرنسية "كي إل إم"، ألكسندر دي جونياك، إلى أنه من السابق لأوانه التنبؤ لما سيحدث لقطاع السفر على الأمد الطويل طويل المدى، مؤكدا أن الناس سيعتادون أنماط سفر جديدة في المستقبل المنظور، إذ سيشهد قطاع الطيران تقليل الاتصال الشخصي المباشر، وزيادة التعقيم، وفحوصات درجة الحرارة، والتباعد الاجتماعي، كما وستنتشر الأقنعة في الأماكن المتكظة سواء في المطارات أو على متن الطائرات.

(أ ب)

ولفت إلى أن توقف حركة الطيران على مدار الأشهر الماضية، منح صناعة الطيران وقتا للتخطيط والاستعداد للمستقبل.

وأشار إلى أن منظمة الطيران المدني الدولي، طوّرت خطة إعادة تشغيل عالمية للحفاظ على سلامة الناس عند السفر، بحيث أن هذه التدابير ستكون محمولة لأولئك الذين يحتاجون إلى السفر.

وهذا سيمنح الحكومات والمسافرين الثقة بأن منظوم الطيران الجديدة تتمتع بإجراءات وقائية قوية، ما سيمنح المنظمين الثقة لإزالة أو تعديل التدابير في بحسب تغير مستويات المخاطر وتقدم التكنولوجيا.

ولكنه شدد على أن حرية السفر ستكون ضرورية لإنعاش القطاع.

الوباء يذكرنا بأهمية السفر في الحياة الحديثة

قال الكاتب في مجلة "ذي أتلانتيك"، جيمس فالوز، إن اعتياد الناس على فكرة السفر جعلهم لا يدركون مدى أهميته لحركة البشر والحداثة قبل الوباء. فقد كان مفهوما ضمنا لدى طالبي العلم أن يتطلعوا إلى المشاركة في برنامج أكاديمي في بلاد غير بلادهم، مهما بلغ بعدها. وأما المهاجرين الذين انتقلوا إلى بلاد جديدة في الماضي القريب، والبعيد، كانوا يعلمون أن بلادهم الأصلية قريبة متى أرادوا العودة إليها أو زيارتها.

ولفت الكاتب إلى أن ذلك يُضاف إلى أنماط كثيرة من التجمعات الكبيرة التي اعتاد عليها البشر قبل الوباء، والسفر المتواصل لرجال الأعمال وغيرهم. واختتم قوله بـ"لقد أصبح واضحا ما قد يضيع مع الانقطاع المطول للاتصال السهل".

السياحة الداخلية ستزدهر

اعتبر المؤلف رولف بوتس، الذي ألف أربعة كتب أهمها في فلسفة السفر تحت عنوان "التنقل: دليل غير شائع لفن السفر العالمي طويل الأمد"، أن أحد الأمر المذهلة في انتشار فيروس كورونا، هو أنه بات يُستخدم مصطلح "المنطقة الساخنة" لوصف الأمان الأكثر تضررا بالفيروس، وهو المصطلح ذاته الذي استخدمته صناعة السفر لوصف المناطق الأكثر شيوعا.

(أ ب)

وقال إن هذا التشابه "غير المريح، يذكرنا بأن السفر في عصرنا المعولم، مكّن انتشار الفيروس بطريقة غير مسبوقة تاريخيًا... وأشك في أن الرغبة في الذهاب إلى ما يسمى بالنقاط الساخنة أو الوجهات العشرة الأولى ستقود الموجة التالية من السفر".

وأضاف: "بالنسبة لأشخاص كثر، يعد السفر مرادفًا للعطلات، وهذا أمر جيد، ولكنني لا أرى العطلات نموذجا للسفر بعد الوباء". مشيرا إلى أن عناوين الصحف اشتكت في الأعوام الأخيرة من الاكتظاظ السياحي والسفر المفرط، متوقعا أن تختلف أنماط السفر بحيث تصبح أكثر تمحورا حول استكشاف المناطق الجديدة، وليس الذهاب للمناطق السياحية الرائجة.

وخلص إلى القول إنه "مما لا شك فيه، أن عالم السفر الجديد سيشهد طفرة في السياحة الداخلية" مع عزوف الناس عن المخاطرة.

السفر سيستمر لأن الفضول لن يفنى

قال المؤرلف بيكو إيير الذي ألف 15 كتابا، منها ما تناول السفر، أن السفر سيستمر، وبقوة كبيرة حتى بعد الوباء، لأن الفضول محرّك البشر، مضيفا أنه "سكيون من الجيد للبيئة إذا سافرنا أقبل. وسيكون القلق أكبر بشأن السفر في المسقبل، وسترتفع الأسعار. لكن العولمة، التي انتشرت من شخص لآخر على مدار فترة طويلة، لا يمكن عكسها. لا يمكن محو الفضول الثقافي".

(Pixabay)