انفجار مرفأ بيروت عمّق الأزمة اللبنانيّة وسط عقم "أمراء الحرب"

انفجار مرفأ بيروت عمّق الأزمة اللبنانيّة وسط عقم "أمراء الحرب"
انفجار مرفأ بيروت (أ. ب.)

دفع الانفجار المروع بالعاصمة اللبنانية المثقلة بالجراح إلى الوراء 30 عاما بعنف لم يكن يخطر على البال حتى في البلد، الذي كابد ويلات الكثير من الحروب والاجتياحات والاحتلال والضربات الجوية وتفجيرات السيارات الملغومة والاغتيالات.

وترك الانفجار المدينة، التي استغرقت عملية إعادة البناء فيها 15 عاما بعد حرب أهلية مدمرة من 1975 إلى 1990، بمرفأ محطم وأحياء بأكملها صارت أنقاضا، تماما مثلما كان الحال قبل ثلاثة عقود من الزمان.

والآن، تبدد الأمل تقريبا.

فهذه المدينة العتيقة المطلة على البحر المتوسط لملمت شتاتها ونهضت من بين الركام بعد الحرب الأهلية. وأعيد بناء بيروت لتصبح حاضرة متألقة تحتفظ بالكثير من بهائها القديم.

وعاد قطاع كبير من أبنائها المغتربين المتعلمين من أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين والاقتصاديين والمحامين والفنانين للمشاركة في إعادة بناء بلادهم.

وتدفقت مليارات الدولارات من الدول الغربية والعربية ومن اللبنانيين المغتربين في أقاصي الأرض الذين يعتقد أن عددهم لا يقل عن ثلاثة أمثال سكان البلاد.

وتظهر بيروت بانتظام في دوريات متخصصة، مثل مجلة كوندي ناست ترافلر، كوجهة سفر رائعة ومدينة للسهر والحفلات ينصهر فيها الجميع، مدينة ودودة وممتعة تتفجر بالحيوية وتجيش بالسحر والتنوع.

ومن المباهج التي تغوي بها الزائرين حياة الليل الجامحة والمهرجانات الدولية في أماكن أثرية ذات أجواء إغريقية رومانية وعثمانية مثل بعلبك التي تشتهر بمعابدها ومنها معبد جوبيتر ومعبد باخوس. ومن مغرياتها كذلك ما تقدمه من أطعمة شهية وأنبذة.

يتجول السياح على كورنيش بيروت أو يغامرون بصعود الجبل غير البعيد للتزلج على سفوحه أو يتنزهون في الجبال الغنية بغطائها الأخضر التي تشرف على المدينة.

غير أن الانفجار الكارثي الذي أطلق سحابة على شكل ثمرة الفطر في سماء بيروت ربما يكون قد قضى على قدرة اللبنانيين الأسطورية على التكيف مع نوازل الدهر.

وقدر خبراء أن هذا الانفجار يعادل عُشر قوة القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما قبل 75 عاما في نهاية الحرب العالمية الثانية.

وقال منسق الأمم المتحدة الخاص في لبنان، جان كوبيس، لـ"رويترز": "الوضع كارثة كبيرة حلت بالبلد وهو راكع. البلد منكسر والشعب مفلس ومنكسر".

واستقالت الحكومة بعد موجات من الغضب الشعبي من إهمال أدى إلى الانفجار الذي قالت إن السبب فيه كان 2750 طنا من مادة نترات الأمونيوم ذات القابلية الشديدة للاشتعال مخزنة بشكل غير آمن في مرفأ بيروت الذي يرى كثيرون إنه عنوان للفساد وسطوة أمراء الحرب.

وقد تلقى الرئيس ميشال عون، ورئيس الوزراء حسان دياب، ومسؤولون آخرون، وثائق تحذر من أن انفجار هذه المادة يمكن أن يدمر بيروت. وأصر عون ودياب على أنهما أحالا التحذير إلى السلطات المعنية.

وأعلن الرئيس فتح تحقيق في الانفجار. لكن دبلوماسيين يتابعون النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية يشتبهون أن التحقيق ربما ينتهي إلى إخفاء أدلة أكثر مما يكشف.

وبالنسبة للنخب التقليدية من أمراء الحرب وقيادات العائلات الكبرى في الطوائف المسيحية والإسلامية وحلفائهم من كبار رجال الأعمال سارت الأمور في طريقها المعتاد بعد الانفجار دون أن تحيد عن مسارها خلال العام الأخير الذي شهدت فيه البلاد أزمة اقتصادية متفاقمة.

وقال كوبيس "من المؤسف أن ما أراه هو أن الشخصيات السياسية والقيادات لا تزال تعمل بالطريقة المعتادة نفسها. بالطبع هم يدركون أن البلاد ربما تكون قد بلغت أقصى مدى، لكنني لا أرى أي تغيير في السلوك".

ويقول دبلوماسيون ومسؤولون ومحللون إن هذه القيادات منشغلة الآن باختيار رئيس وزراء جديد سيتعين عليه أن يوافق على اتباع سياساتها والحفاظ على شبكات المحسوبية وتفادي الإصلاحات التي يطالب بها صندوق النقد الدولي لمد يد العون.

وعندما زار الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بيروت عقب الانفجار قام بجولة في المنطقة المنكوبة وتجول في أحياء أصابها الدمار لمواساة المكلومين والاستماع لصوت الغاضبين.

ولم يزر أي من حكام لبنان المناطق المنكوبة. وقال سكان إنه عندما التقى ماكرون بعون ودياب ورئيس مجلس النواب، نبيه بري، كان المعنى جليا إذ كان ماكرون وحده دون الثلاثة يضع رابطة عنق سوداء احتراما لضحايا الانفجار.

حكام بلا محاسبة

يقول دبلوماسيون ومحللون إن أزمات لبنان العديدة تنبع في الأساس من مشكلة واحدة هي حكامها وقدرتهم على الإفلات من المحاسبة.

ففي نهاية الحرب ارتدى قادة الفصائل المتحاربة الملابس المدنية وتصافحوا وألقوا السلاح، باستثناء جماعة "حزب الله"، المدعومة من إيران. لكن هؤلاء القادة ظلوا في موقع القيادة وفي أغلب الأحيان تحت رعاية أجنبية، فاتجه السنة وشركاؤهم المسيحيون إلى الغرب والخليج بينما اتجه الشيعة وحلفاؤهم المسيحيون إلى سورية وإيران.

وتعمدت سورية، التي رابطت قواتها في لبنان لمدة 29 عاما ابتداء من 1976، الحفاظ على النظام الطائفي لكي تكون لها الكلمة العليا من خلال العمل بمبدأ فرق تسد. وقد اضطر الجيش السوري للخروج من لبنان في 2005 عقب اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري.

أما إسرائيل التي احتلت أجزاء من جنوب لبنان على مدى 22 عاما فقد كانت الذريعة التي أسس عليها حزب الله احتفاظه بسلاحه. وأخرج حزب الله الجيش الإسرائيلي في العام 2000.

ومنذ ذلك الحين أصبح حزب الله رأس الحربة الإيرانية في لبنان والمنطقة وقوة أقوى من الدولة نفسها في الداخل. وتلائم تركيبة القوى القائمة على قيادات الطوائف حزب الله ما دام أي منها لا يثير التساؤلات حول هيمنة الجماعة الشيعية.

وقال مراقب أجنبي إن "هذا بلد ترسخت فيه ثقافة عدم المحاسبة. وهذا هو أبرز عنصر في لبنان. انفجار المرفأ راح ضحيته 170 شخصا ومع ذلك لا توجد مطالب قوية للمحاسبة على أعلى المستويات".

وقال المعلق اللبناني، سركيس نعوم، إن أمراء الحرب السابقين خلعوا الزي العسكري وارتدوا البذلات لكنهم ما زالوا يديرون البلاد بعقلية الميليشيا من فساد وطغيان وطائفية.

وأضاف أن لبنان أصبح دولة فاشلة وأن أمراء الحرب أصبحوا مسؤولين مسؤولية مباشرة عن تحويل البلاد إلى دولة معطلة بسبب انقساماتهم وكراهية كل منهم للآخر. وتابع أن كلا منهم ربط نفسه بدولة أجنبية وتحالف مع قوى خارجية.

واتفق الباحث الزميل بمركز كارنيجي الشرق الأوسط في بيروت، مهند حاج علي، مع الرأي القائل بأن تطبيق إصلاحات عميقة في ظل الطبقة السياسية الحالية أمر مستبعد.

وأشار إلى احتياطيات البلاد الناضبة من الدولارات فقال إن القيادات غير مستعدة للتخلي بهذه السرعة عن النظام القديم، الذي يمكنها من تمويل أحزابها ومن مواصلة بذخها في الإنفاق. لكنه أضاف أن الوقت بدأ ينفد وأن لبنان لم يعد أمامه سوى العمل مع صندوق النقد الدولي أو الفوضى.

وقد شهد اللبنانيون العاديون قيمة مدخراتهم تتبخر في المصارف المحلية التي حالت بينهم وبين حساباتهم. أما حكام لبنان ورجال المصارف فيواصلون على النقيض العيش في دعة.

ويقول لبنانيون إن الاشتغال بالسياسة في لبنان عمل مربح حتى أن الساحة السياسية مرصعة بالمليارديرات. كما يقولون إن القيادات السياسية تستغل موقعها في تعيين أتباعها في الوزارات وتنهب المال العام وتقتنص لنفسها عقودا عامة مُبالغ فيها.

وثمة إجماع بين الدبلوماسيين على أن الحكومة المستقيلة طرحت خطة إصلاح معقولة في المحادثات مع صندوق النقد الدولي لكن لم يحدث شيء وذلك في الأساس لأنها لم تكن تحظى بالدعم السياسي من القوى التي رشحتها.

وقال نعوم إن الأطراف التي يحتمل أن تخسر من صفقة صندوق النقد الدولي هي نفسها أركان الدولة اللبنانية. مشيرا إلى أن هذه الأطراف اعتقدت أن بوسعها الحصول على عشرة مليارات أو 20 مليار دولار من صندوق النقد ثم العودة إلى أساليبها القديمة.

ووسط هذه الفوضى بدأ نزوح جديد لأصحاب المهن مثلما كان الحال خلال الحرب الأهلية.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ