25 يناير: أسباب الثورة ما زالت قائمة... وازدادت

25 يناير: أسباب الثورة ما زالت قائمة... وازدادت
ميدان التحرير (Yuri Kozyrev—NOOR for Time)

تمر الذكرى التاسعة لثورة 25 يناير ومصر ليست بخير؛ ما زالت أسباب اندلاع الثورة حينها قائمة حتى اليوم، بل إنها ازدادت تدهورًا، وتحديدًا المعيشية والقبضة الأمنية. لكن نظام السيسي يبيع نفسه للمصريين على أنه صمام استقرار البلد. "أنظروا إلى سورية وما حدث بها"، تكرر أبواقه الإعلامية لتحذير المصريين من التفكير مجددًا بالثورة على النظام.

العام المنصرم شهد رحيل الرئيس المنتخب محمد مرسي خلال محاكمته، فيما أكدت منظمات حقوقية أن مرسي توفي نتيجة الإهمال الطبي في السجن. وبعد فترة قصيرة توفي أيضًا ابنه عبد الله بشكل مفاجئ.

لكن ما يخشاه النظام حدث بالفعل خلال العام المنصرم. خرج الآلاف من المصريين للتظاهر ضد النظام في مدن رئيسية مثل العاصمة القاهرة. ويوم 21 أيلول/ سبتمبر، ولأول مرة منذ سنوات، انطلقت مظاهرات في مناطق مختلفة في القاهرة ومدن أخرى، هتفت لإسقاط النظام، كما شهدت مباراة الزمالك والأهلي حينها، هتافات مشابهة، بينما مزّق المتظاهرون في دمياط صورة للرئيس عبد الفتاح السيسي. وهتف المتظاهرون: "ارحل" و"ارحل يا سيسي" و"قول ما تخافشي... الخاين لازم يمشي".

لم تكن هذه المظاهرات عفوية أو من دون سبب، فقد سبقتها فضائح كشفها رجل الأعمال والفنان الذي غادر مصر إلى إسبانيا، محمد علي، عن تورط الجيش بقضايا فساد ضخمة جدًا، كما دعا للتظاهر من أجل دفع وزير الدفاع المصري لإسقاط السيسي أو اعتقاله، لا إسقاط النظام كله. وأعلن علي في شريط فيديو عقب بدء التظاهرات "عودته إلى مصر يوم الجمعة المقبل" وأن "الشعب المصري سيحميه"، وأضاف "إحنا مش عازين إلا إن السيسي يتنحّى، ارحل بقى يا سيسي". لكن محمد علي لم يعد لمصر حتى اليوم، وخمدت شعلة المظاهرات بعد فترة قصيرة.

وبدأت قصة محمد علي وفيديوهاته التي لاقت رواجًا واهتمامًا تجاوز مصر بعد خلافات مالية مع الجيش. وكشف الممثل المصري ومالك مجموعة "أملاك للمقاولات"، ما وصفه بتعرضه لـ"النصب والاحتيال" من قبل الجيش المصري والأجهزة الأمنية المصرية المختلفة، في عدّة مشاريع.

ونشر علي فيديو على صفحته الخاصة في موقع "فيسبوك"، فصّل فيه كيف خسرت شركته أموالا طائلة بسبب الفساد الإداري الشديد في الجيش، مشيرا لأول مرّة كما يبدو إلى الخوف الذي يتعرض له أصحاب الشركات أيضًا عند التعامل مع النظام، وليس الناشطين السياسيين أو الأوساط الشعبية الأخرى فحسب.

وتحدث علي في الفيديو الأول لمدة 35 دقيقة، عن عمله مع الهيئات الأمنية والجيش في بناء مشاريع غير مجدية، لإرضاء أهواء شخصية للواءات في مراتب أمنية مرموقة، وللسيسي شخصيًا، مركزًا على تعرضه للسرقة أو النصب في معظم المشاريع التي تعاقد الجيش معه على إتمامها.

قصور السيسي

وسخر علي من تصريحات السيسي المكررة بأن "مصر فقيرة"، قائلا: "أنت تقول أننا فقراء للغاية، ومن ثم تقوم ببناء فندق لأحد أصدقاء بملياري جنيه، وفيلا..". وذكر أن شركته شيدت للسيسي عدّة قصور على مدار الأعوام الماضية، حتى عندما كان لا يزال في منصب وزير الدفاع، أي قبل أن يُصبح رئيسا لمصر.

ووصف علي، السيسي بـ"الكاذب"، قائلا إن رئيس البلاد كذب في تصريح سابق له، عندما أعلن عن إتمام مشروع "مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا"، رغم أنه توقف في المرحلة الأولى من البناء، وهو ما يؤكده رجل الأعمال لكونه كان يعمل بالمشروع أيضا.

سوء إدارة اقتصادية

كتب وزير الاستثمار المصري الأسبق قبل الانقلاب العسكري، يحيى حامد، مقالا في موقع "ميدل إيست آي"، العام الماضي، تناول فيه سوء إدارة اقتصاد مصر. وقال "يتجاوز سوء إدارة السيسي لأحد أكبر الاقتصادات الأفريقية، مجرد سوء توزيع الموارد، فمن الواضح جدًا أن فهمه للمبادئ الاقتصادية الأساسية، ضعيف بشكل مثير للقلق، وهو أمر يكاد ألا يكون مفاجئا عندما يكون أقرب حلفائه السياسيين عسكريين آخرين يتمتعون بخبرة اقتصادية ضئيلة. ولقد خفّض السيسي من قيمة الجنيه المصري إلى درجة باتت تحتاج فيها الدولة إلى مضاعفة صادراتها ثلاثة أضعاف ما كانت عليه، لمجرد الحصول على نفس القدر من العملة الصعبة، التي كانت تجنيها من التصدير. وليس هناك حاجة للقول إن هذا لم يحدث. والآن تطحن العجلة الاقتصادية نفسها، لتضع الاقتصاد في زحف مختل".

وأضاف الوزير السابق أنه "بدلا من أن يُحدث التغييرات اللازمة لدعم النمو الصناعي وإنتاجية القوى العاملة، قام بضخ الأموال في مشاريع عبثية تهدف إلى أمر واحد، وهو’قوة المشرعة’ و’خلق فرص العمل’. وفي غضون ذلك، جفت الموارد المخصصة لقطاعي الصحة والتعليم".

وأوضح أنه "تتلخص جهوده لـ’خلق فرص العمل’، في ضخ الأيدي العاملة في البنى التحتية للمشاريع مفرطة الضخامة. ففي عام 2014، استثمر السيسي ثمانية مليار دولار، في توسيع ممر قناة السويس. وهو مشروع قدم المسؤولون المصريون وعودا مذهلة بشأنه، زاعمين أن التوسع سوف يضاعف الإيرادات السنوية للقناة، ورفعها من 5.5 مليار دولار في عام 2014 إلى 13.5 مليار دولار بحلول عام 2023. لكن هذا لم يكن له أي أساس على أرض الواقع".

وقال "والآن، يتم إرهاق النفقات العامة بحمولة إنشاء عاصمة إدارية جديدة بتكلفة 45 مليار دولار، وبالطبع تم حذف التكلفة الدقيقة لهذا المشروع من ميزانية الحكومة".

الهوس بالجيش

وأكد الوزير السابق على أنه "إذا كانت هناك جذور لسوء إدارة السيسي المزمنة للأموال المصرية، فإنها تكمن في هوسه بالجيش، فللقوات المسلحة قبضة حديدية على الأعمال التجارية التي تقزم حتى الحمائية التي ازدهرت في عهد مبارك. وازدادت اليوم حصة الجيش من الاقتصاد المصري بشكل لا يُمكن إيقافه، وأشارت منظمة الشفافية الدولية إلى أن ذلك قد يبلغ نحو 60 في المئة من الاقتصاد برمته، فيما تنعدم ريادة المشاريع الربحية، فقد خُنقت المنافسة والسوق الحرة من خلال نظام عصابي زبائني. ومن الواضح أن الاقتصاد المضطرب نتج عن انهيار المساءلة السياسية. وبرؤية القادة الأجانب، السيسي، قائدًا يمكنه الإمساك بزمام الأمور، و’محاربة الإرهاب’ والحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط، فقد غضوا أبصارهم عن حقيقة نظام يعمل كمخرب للاقتصاد، نظام يبطش بالمبادرات (المشروعات الاقتصادية) باسم سياسة ’الرجل القوي’ السطحية".

وخلص إلى إن "تجاهل الوضع السياسي في مصر، هو بمثابة الحكم على اقتصاد واعد بالفشل المطلق، ولا يمكن تصور التكلفة البشرية لهذا الفشل، كما أن التغيير لن يأتي إلا من قيادة سياسية مصرية تكرس نفسها لاستيعاب المشاريع وتطوير الصناعة، وليس لحماية الأرباح الشخصية بأي ثمن كان".

وفي مؤشر واضح على فشل سياسات السيسي الاقتصادية، رفعت حكوماته الأسعار خمس مرات كان آخرها في تموز/ يوليو الماضي، بنسب تراوحت بين 16 و30 في المئة. وتسارع ارتفاع أسعار الوقود بعد حصول نظام السيسي على قرض صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار، ومن المفترض سداده بين عامي 2021 و2029.

وبدأ ارتفاع أسعار المشتقات النفطية بنسب اقتربت من الضعف في تموز/ يوليو 2014، بعد انقلاب السيسي على الرئيس المنتخب محمد مرسي بأيام قليلة. ولاحقا ارتفعت الأسعار بنسب تراوحت بين 30 و47 في المئة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 أي مع توقيع مصر اتفاق قرض صندوق النقد.

ولاحقا ارتفعت الأسعار بنسب تصل إلى 55 في المئة في حزيران/ يونيو 2017، وبعدها بنسب تقارب الـ67 في المئة في حزيران/ يونيو 2018.

أما الجنيه المصري، فقد تهاوت قيمته على مدار السنوات التسع الماضية، من نحو 5.7 جنيهات مقابل الدولار في كانون الثاني/ يناير 2011، إلى نحو 15.8 جنيها حاليا، أي أن العملة المحلية تراجعت بنحو 177%.

"مصر: مقاومة صامدة للقمع العنيف"

قالت "هيومن رايتس ووتش" في موقعها الإلكتروني إنه "تستمر حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قيادة البلاد في ظل أسوأ أزمة حقوقية منذ عقود، وصعدت من استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لمقاضاة المعارضين السلميين. أوقفت الحكومات العشرات من منتقدي السيسي، بما في ذلك مرشحين محتملين للرئاسة، قبيل الانتخابات الرئاسية في 2018 التي أقيمت في مناخ افتقر إلى العدالة والحرية. استخدمت الشرطة و"قطاع الأمن الوطني" بشكل منهجي التعذيب والاختفاء القسري. أرسلت الحكومة آلاف المدنيين إلى المحاكم العسكرية وقوضّت استقلالية القضاء وأعدمت عشرات الأشخاص بعد محاكمات معيبة. تواصل الحكومة حظر معظم أشكال التنظيم المستقل والتجمع السلمي".

وتحت "عنوان مصر: مقاومة صامدة للقمع العنيف"، قال بيان للمنظمة صدر يوم 14 كانون الثاني/ يناير الجاري، إن "النشطاء والأشخاص العاديين المصريين على حد سواء أظهروا خلال 2019 مقاومة للقمع الحكومي الوحشي. في أيلول/ سبتمبر، تحدّت الاحتجاجات في الشوارع الحظر شبه التام لحرية التجمع. واصلت جماعات حقوقية وصحفيون مستقلون العمل رغم احتجاز المنتقدين السلميين ومحاكمتهم، بينما اعتبرت السلطات جميع أشكال المعارضة والانتقاد إرهابا".

وأضافت المنظمة أنه "نسّقت الحكومة المصرية إقرار تعديلات دستورية تُرسّخ القمع في استفتاء مُجحف جرى في نيسان/ أبريل. التعديلات التي تسمح للرئيس عبد الفتاح السيسي بالبقاء في الحكم حتى 2030، تقوّض استقلال القضاء بشكل أكبر وتعزّز سلطة الجيش للتدخل في السياسة والمجال العام".

وأضافت أنه "بعد اندلاع احتجاجات أيلول/ سبتمبر، اعتقلت السلطات أكثر من 4,400 شخص في واحدة من أكبر حملات الاعتقال الجماعي منذ 2013. شملت الاعتقالات محتجين، وأساتذة جامعيين، وسياسيين، ومحامين ومارّة. اندلعت الاحتجاجات ردا على أشرطة فيديو انتشرت بشكل هائل تطرّقت إلى فساد الجيش والحكومة. اعتقلت السلطات في الصيف عشرات الأشخاص، منهم شخصيات علمانية ويسارية، واتهمتهم بالانضمام إلى جماعة "إرهابية" للتخطيط لتحالف سياسي جديد في قضية ’خطة الأمل’".

وأكدت المنظمة أنه "ارتكبت الشرطة و’جهاز الأمن الوطني’ بشكل روتيني الاختفاء القسري والتعذيب، بينما احتجزت الحكومة عشرات الآلاف من السجناء المعتقلين لأسباب سياسية على ما يبدو في ظروف بالغة السوء. خلُص خبراء حقوقيون أمميون في /تشرين الأول/ أكتوبر إلى أن ظروف السجن القاسية المتعمدة وعدم كفاية الرعاية الطبية ’قد أدّت مباشرة’ إلى وفاة الرئيس السابق محمد مرسي في حزيران/ يونيو".

سيناء

يوضح تقرير المنظمة أنه "بين كانون الثاني/ يناير 2014 وحزيران/ يونيو 2018، قُتِل 3,076 من المقاتلين المزعومين، و1,266 فردا من الجيش والشرطة، أثناء أعمال القتال في سيناء. لم تُصدر السلطات المصرية إحصاءات حول الخسائر في صفوف المدنيين، وكثيرا ما ضمّت المدنيين إلى تعداد وفيات المقاتلين، ما يصعّب عملية التيقن من نسبة المدنيين في إحصاءات الخسائر البشرية".

وبحسب تقديرات "معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط"، ومقره واشنطن، اعتقلت السلطات ما لا يقل عن 12 ألفا من سكان سيناء بين تموز/ يوليو 2013 كانون الأول/ وديسمبر 2018، رغم إقرار الحكومة باعتقال 7,300 فقط في تصريحاتها الرسمية.

وبحسب "رايتس ووتش"، أخلى الجيش المصري قسرا نحو 100 ألف من سكان شمالي سيناء، أي خُمس تعداد سكان المحافظة، ودمّر آلاف البيوت، منذ 2014. ووثقت "رايتس ووتش" هدم ما يزيد عن 3,600 منزلا ومبنى تجاري على يد الجيش بين كانون الثاني/ يناير وأيار/ مايو 2018. نُفذت أعمال الهدم هذه دون إشراف قضائي أو آلية إنصاف مستقلة".

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة