لبنان ودع جوزيف سماحة - "كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه"

لبنان ودع جوزيف سماحة - "كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه"

ودعت الصحافة اللبنانية العربية يوم أمس في بيروت جثمان الكاتب والصحافي رئيس تحرير جريدة الأخبار جوزيف سماحة بحضور حشد كبير من وجوه السياسة والإعلام. وبعد جنّاز أقيم في مطرانية بيروت للروم الكاثوليك حضره ممثلون عن الرؤساء الثلاثة وممثل عن البطريرك الماروني، حُمل الجثمان إلى مقبرة الروم الكاثوليك في رأس النبع وسط أجواء حزينة.

فعلى عادته لم يشأ جوزيف سماحة إلا أن يبقى قرب أحبته من دون أن يثقل عليهم. وبدلاً من تحميل الرفاق مشقة الطريق إلى مسقط رأسه في بلدة خنشارة العكارية، حضر الكاتب والصحافي الكبير إلى مطرانية الروم الكاثوليك في بيروت لإلقاء نظرة الوداع عليه قبل أن ينقل إلى مثواه الأخير في المقبرة الكاثوليكية في قلب العاصمة التي لطالما رأى فيها شمساً للمقاومة والعروبة. شخصيات سياسية وإعلامية ونقابية وحشد كبير من العاملين في صحيفتي السفير والأخبار جمعهم جوزيف سماحة أمام نعشه الذي لم يخشى منه يوماً. عائلة الراحل ورفاقه وممثلون عن الرؤساء الثلاثة وممثلون عن الأحزاب والتيارات السياسية وشخصيات سياسية وفكرية عربية، جلسوا للصلاة في كنيسة المطرانية على وقع الجناز الذي رعاه المطران يوسف كلاس بحضور ممثل عن البطريرك الماروني نصر الله صفير.

وإذ قلد الوزير المستقيل يعقوب الصراف ممثلاً رئيس الجمهورية جثمان سماحة وسام الاستحقاق اللبناني الفضي الذي يُمنح لكبار الصحفيين، ذرف الجمع الدموع الأخيرة بحضرة فقيد الصحافة قبل أن يحمل النعش وسط التصفيق ونثر الورود على أكف الصحافيين الشباب الذين تعلموا من جوزيف سماحة معنى الصحافة الحرة.
صحافة وزع رفاق سماحة نسخة منها على المعزين، فكانت المقالة بخط اليد التي افتتح بها جوزيف سماحة العدد الأول من صحيفة الأخبار معلناً إنتماء الصحيفة إلى معسكر رفض الهيمنة والحرص على الديموقراطية والتعددية، وذلك تحت عنوان: توقيت صائب.


"عن المنار- ضياء ابو طعام "


“من الأفضل ألاّ يعرف الإنسان متى سيموت، أحسن يموت ع رواق”. لطالما ردّد جوزف سماحة هذه الجملة أمام أصدقائه. استخفّ بالموت مرة حين طلب من أصدقائه كتابة مقالات في رثائه، ومرةً حين رحل بالفعل من دون تحضير مسبق.

لم يكن يتقن في حياته المسائل اللوجستية. لم يحسب حساب الجسد الذي سيشرّح، وينقل من عاصمة الضباب إلى بيروت. كالعادة، أوكل هذه المهمة لصديقته هلا. هذه المرة، لم يكن عليها ملء بيانه الضريبي للحكومة الفرنسية، أو غيرها من المسائل. كان عليها أن تبحث له عن مرقد. استجمعت قواها لتسهر على مختلف الترتيبات لرحلة جوزف الأخيرة.
ما زالت هلا بجّاني، المديرة العامة لجريدة “الأخبار”، تذكر الحديث الذي دار بينهما قبل أيام من سفره. تطرقا إلى الموت وتحدثا عن ترتيباته، وكيف أنّ هناك من يوصي بترميد جثته. “فكرة جميلة” قال، لكنه أضاف: لا يهم أين يرقد الجسد. كان هذا قبل الوفاة، أما بعدها، فهو مهم. أين يرقد جسد جوزف الذي لم يفكّر يوماً في امتلاك الأراضي؟

بدأت رحلة البحث عن مكان يحتضنه. مكان يرتاح فيه. وأي مكان غير حضن والدته التي تحسّر لموتها وهو بعيد عنها. حدث ذلك في أواسط الثمانينيات، عندما أدّت كتاباته عن حرب المخيّمات إلى منعه من دخول بيروت. توسّط له حينها قريبه ميشال سماحة ليمضي بضعة أيام إلى جانب أمه المريضة، لكنها لم تغمض جفنها للمرة الأخيرة إلا بعدما غادر.

سيسيليا التي عاش جوزف كل حياته يبحث عن وجهها في وجوه النساء اللواتي قابلهّن، ماتت خلال الحرب ودفنها الأصدقاء في مقبرة “مار الياس بطينا”. هناك، بمحاذاة المخيم الذي أرّقه في حياته، وحيث ترقد الأم التي لم يتسنّ له وداعها، يكثر الأموات. يكثرون إلى درجة تعذّر معها إيجاد مساحة تحتضن جسد جوزف.
أين إذاً؟
الخنشارة مسقط رأسه؟ لم تعد قريته منذ زمن بعيد، يوم جرّت سيسيليا طفليها اليتيمين بعد موت زوجها ورحلت. المينا في طرابلس حيث دفن أخوه وليد؟ طرابلس بعيدة وجوزف يحب العاصمة بصخبها ومركزيتها. لكنّ العاصمة بيروت ازدحمت بالأموات. المساحة الوحيدة التي وجدتها هلا، كانت في مدافن مطرانية بيروت للرّوم الكاثوليك. مساحة ستسع رفاته ورفاة والدته، إذ يؤتى به من مقبرة مار الياس. المسافة ليست طويلة... من مدفن بمحاذاة المخيم إلى منطقة الناصرة في طريق الشام حيث “مدفن رأس النبع”. لعبة ماكرة من ألعاب المصادفات...

يبقى شاهد القبر وما سيكتب عليه. مهمة لا تبدو أقل سهولة. أن تجد جملة تعبّر عن جوزف وخطّه الأحمر وحياته التي عاشها بشغف وقامت على الترحال. جوزف الذي قضى عمره في ترحال دائم وانسحابات سلسة وهادئة، يرحل دوماً من دون مقدمات ومن دون تحضير مسبق كما يقول صديقه ابراهيم الأمين. هذا هو أسلوبه في الانسحاب أكان من مؤسسة يعمل فيها أم من حياة امرأة أحبّها أم من وطن يعشقه.

حار الأصدقاء في اختيار الجملة. اقترح بعضهم جملة “أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان” للإمام علي بن أبي طالب لأن محبّي جوزف كثيرون، لكنّ “العجز” الذي تبدأ به الجملة يوحي بانهزامية لا تشبه جوزف. تشاوروا في جملة “نَفَس المرء خُطاه إلى أجله”، إلا أن الموت الذي يخيّم عليها لا يشبه روح جوزف التي لن تموت. الروح التي لم يشبع منها أحد، فظلّت وستظلّ محل شوق عبّر عنه ابن عربي حين قال: “كلّ شوق يسكُن باللقاء لا يعوّل عليه”. لقد وجدها الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018