الجائحة تدفع الناس لشراء السيارات

الجائحة تدفع الناس لشراء السيارات
أميركيون يشاهدون حفلا موسيقيا في تكساس بظلّ كورونا (توضيحية - أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال الكاتب، توم فانديربيلت، الذي ألّف كتاب "لماذا نقود بالطريقة التي نقود بها؟"


يرى الكثير من مُخطّطي المدن، أن الإيقاف الحضري العالمي الهائل الذي نجم عن جائحة فيروس كورونا المستجد، يمثل فرصة جيّدة لتعيد المدن تشكيل نفسها على أسس تجعلها أكثر قابلية للحياة. وبدأت المدن في أنحاء العالم، من برلين وحتى بوغوتا، بإعادة تقسيم مساحات الطرق لاستيعاب المزيد من راكبي الدراجات والمشاة الذين باتوا يتمتعون فجأة بحركة حرة في هواء أنظف. وأمرت فانكوفر مؤخرا، بإعادة تخصيص ما لا يقل عن 11 بالمئة من المساحة المخصصة للطرق لـ"مساحة عامة ترتكز على الناس". ومن الزاوية التي أجلس فيها في بروكلين، يمكنني أن أرى كيف حُددت شوارع معينة على أنها مساحات "مشتركة" فجأة، مما يعني أنها كانت مغلقة نظريا أمام جميع حركات المرور باستثناء حركة مرور مُعيّنة. وبينما كان الناس يتجولون بين مفارق الطرق مع الحفاظ على التباعد الاجتماعي، يلوحون إلى جيرانهم، وحاملين كؤوس النبيذ في أيديهم، متراصين على أدراج العمارات والمنازل، مع خلفية من أنغام زقزقة العصافير التي لم تُسمع من قبل، لم أكن الوحيد الذي تساءل في نفسه؛ "لماذا لا نفعل هذا دائمًا؟".

ولكن المشاة وراكبي الدراجات، لم يكونوا وحدهم المسيطرين على الشارع، إذ بدأ ركاب المواصلات العامة "المخلصون"، وعلى نحو متزايد، يسألون أنفسهم: "هل حان الوقت لشراء سيارة؟".

وما من شيء غريب بأن يرغب شخص ما باقتناء سيارة وسط الجائحة، فالسيارة باتت السبيل الوحيد للحركة في المساحة العامة مع الحفاظ على بيئة خاصة توفر حاجزا وقائيا في عالم يغرق في قطرات من مسببات الأمراض المتطايرة في الهواء، وكأنها بدلة وقاية طبية لكن على عجلات! أما مترو الأنفاق، بل وحتى الأرصفة، فتعج بالمخاطر الحقيقية والمتخيلة.

واتضح في خضم الأزمة أنه ليس هناك الكثير في حياتنا ما اعتدناه أكثر من وسائل النقل؛ وكما قال أحد الباحثين القدامى فإن "أقوى مؤشر على رحلتك اليوم هو الرحلة التي خضتها بالأمس"، ولكن كيف تتغير العادات المتأصلة فينا؟ يتحدث علماء النفس عن شيء يسمى "فرضية انقطاع العادة"، والتي تعني في جوهرها، أنه من المُرجّح أن يتغير السلوك المعتاد للفرد، عندما تتغير البيئة التي يحدث فيها هذا السلوك، إذ يوفر الانتقال إلى حيٍّ جديد أو الالتحاق بوظيفة جديدة مثلا، فرصة مؤقتة لتغيير سلوك التنقل، على الرغم من أنه حتى عندما يحدث ذلك، فما من ضمان على أن أنماط التنقل ستتغير بالضرورة.

غالبا ما يُدرس دور العادة في وسائل التنقل كجزء من مسعى لحض الناس على استبدال السيارات الخاصة بالمواصلات العامة، ولكن ما الذي يحدث عندما تكون الصدمة الداخلية التي ستغير عادات الشخص عبارة عن وباء في غاية النُّدرة، والذي تسير عدواه باتساق كبير مع وسائل النقل العام؟ وماذا لو تحوّل الناس فجأة، حتى في مدن مثل نيويورك التي تمتلك فيها أقلية من الأُسَر سيارات خاصة، باتجاه اقتناء سيارة، حتى مع التغييرات التي تحققت بفضل المخططين الذين شجعوا على استخدام وسائل النقل غير الآلية في أنحاء العالم؟

باتت السيارات "آلات تباعد اجتماعي" (أ ب)

تحوُّل غير مؤكد نحو السيارات

لا يزال التنبؤ الشامل بأن يتحول الناس للتنقل عبر السيارات، مبكرا جدا، كما أن البيانات لا تزال هائلة وغير منظمة. فعلى الرغم من ارتفاع حجم حركة المرور مرة أخرى مؤخرا، إلا أنها لم تبلغ المستويات المعتادة، كما أن حجم قيادة الناس للسيارات اليوم، ليس سلوكا طبيعيا بالضرورة، فربما زادت قيادة بعض الأشخاص لسياراتهم بسبب خلو الشوارع من سائقي السيارات الآخرين، مما يجعل حركة المرور المؤقتة أقل مدعاة للقلق. وفي ظل البطالة التي يُعاني منها عدد هائل من الأميركيين أو معاناتهم من صعوبات مالية شديدة في ظل كورونا، ومع إغلاق العديد من وكالات بيع السيارات أو تحديد المعاملات عبر الإنترنت فقط؛ انحدرت مبيعات المركبات الخاصة بشكل هائل، وعلى سبيل المثال، أفاد وكيل هوندا في حي كوينز في نيويورك، أن مبيعاته انخفضت بنسبة 60%.

ولكن ليس من الصعب استشفاف المؤشرات المتواترة حول ميلٍ حضريٍّ وشيك نحو السيارات. وبدأ أبناء الألفية الذين كان نزوعهم نحو القيادة في انخفاض مستمر، يعبرون عن اهتمام أكبر بامتلاك سيارة، وحتى المروجون الأكبر للحياة الحضرية، باتوا يتحدثون عن زيادة حجم الحيز الذي باتت تشغله السيارات اليوم. واتُهمت مراسلة صحيفة "نيويورك تايمز" السابقة لشؤون وسائل النقل، بنوع من أنواع الرّدة عندما قالت عبر صفحتها في "تويتر" أنها تعتزم شراء سيارة. وأصبحت شركات تأجير السيارات لفترات قصيرة مثل "زيبكار" تعرض سياراتها للاستخدام لفترات أطول، متوقعة أن الناس قد يرغبون "في وصول خاص للسيارة للاستخدام على المدى القصير".

وفي مثال آخر، أخبرتني صديقتي كيلي، وهي منتجة برامج تلفزيون من نيويورك، أنها تعلمت، شأنها شأن الكثيرين، من أبناء المدينة، قيادة السيارة بمرحلة متأخرة من عمرها، ولم تمتلك سيارة قط إلا عندما سكنت في مدينة لوس أنجلوس، فقد اعتادت على إيصال نفسها للعمل، وابنتها للمدرسة التي تبعد عن مكان سكنها بضعة أحياء، عبر مترو الأنفاق. ولكن الوباء عطّل عادتاها، وتقول إنها لم تفكر مثل أناس كثر بأن "تهجر المدينة"، ولكنها قالت: "بدأت أفكر بمتى سيحين الوقت الذي سأشعر فيه بالارتياح عندما يدخل أي منا إلى مترو الأنفاق مرة أخرى". وفي شوارع بروكلين الفوضوية، لا ترى كيلي أنها تستطيع استخدام الدراجة الهوائية. وأثناء مكوثها في شقتها لعدة أشهر، بدأت تحلم برحلات أطول إلى أماكن لا يشملها عملُ وسائل النقل الجماعي. وخوفا من احتمال الغلاء الشديد بأسعار خدمات التوصيل في شركات النقل مثل "أوبر" وغيرها، كما أن الركوب مع سائق غريب ربما يكون ناقلا للمرض، لذا قررت "كيلي" أن تشتري سيارة "سوبارو فورستر".

وفي إعادة صياغة لقول مأثور، فإن السائق هو عبارة عن راكب مترو أنفاق سرقه فيروس كورونا، فحتى قبل أن تتحول السيارة إلى جزء من "معدات الوقاية الشخصية"، لطالما اعتُبرت مساحةً آمنة، رغم أن "حوادث المرور هي أهم مساهم في خطر مغادرة المنزل"، بحسب ما يشير إليه أحد التحليلات. ووفقا لما قاله عالم الاجتماع، جون أوري، فإن السيارة عبارة عن "ملاذ، ومنطقة حماية، مهما كانت هشة، بين سائقها وهذا العالم الخطير من السيارات الأخرى، وبين أماكن المغادرة والوصول". وفي الحقيقة، فإن التواجد في سيارة يمكن أن يجعل العالم الخارجي يبدو أكثر خطورة مما هو عليه حقا.

تعقيم سيارة في أحد المعارض الأميركية (أ ب)

ويبدو أن فيروس كورونا أدى إلى تحوُّل جديد في هذه الفكرة، معززا إياها بصور لعيادات فحص الفيروس المتنقلة التي يرتدي فيها الأشخاص خارج السيارة بدلات الوقاية. ولم يقتصر الأمر على ناصيات مطعام الوجبات الجاهزة، فقد تكدس الناس في سياراتهم خارج مخازن الطعام أيضا. بل وبات بعض من لا يملكون شققا أو منازل ينامون في سياراتهم على حواف مواقف السيارات. وحتى الاحتجاجات السياسية كانت تجري عبر "آلات التباعد الاجتماعي" المعروفة باسم السيارات، وهي طريقة رائعة لتخريب النموذج السائد. إذ قال أحد الكتّاب: "كيف بالضبط، يمكن لأجهزة تطبيقِ القانون أن تفُضّ قافلةَ سيارات؟".

وأنا لا أحسد صديقتي على اختيارها اقتناء سيارة. أولا لأنني أعمل من منزلي وتبعد مدرسة ابنتي ما لا يتعدى الدقيقتين سيرا على الأقدام. وثانيا، لأنني أمتلك سيارة خاصة منذ نحو عقد. وبصفتي من سكان الحضر الفخورين، فإن هذه الحقيقة لا تتحقق بدون تفكير منطقي وكمية معينة من لَوْم الذات، إذ أنني أعتقد أنه إذا لم تشعر أبدا ولو بقدر قليل من الذنب لقيادتك سيارة بعد أن أصبحنا في عام 2020، فإنك لم تفكر بقدر كافٍ بما يعنيه امتلاك سيارة، وشأني شأن العديد من سكان نيويورك الذين يملكون سيارات، أو الذي تمتلكهم سياراتهم، فإن السيارة بالنسبة لي، أداة أقل أهمية للتنقل اليومي، بل إنني أراها مخصصة لأغراض عطلة نهاية الأسبوع.

لكن فكرة المزيد من السائقين في نيويورك تخفيني جدا على مستويين؛ الأول سطحي جدا وعنوانه المصلحة الذاتية، إذ أن أي سائق سيارة في المدن أو في غيرها، يرى بإضافة سائق جديد عبئًا، فحركة المرور هي مأساة روتينية للعامة، وتتلخص بأن كل سائق جديد يحصل على تحسن هامشي في وضعه، بينما تنخفض جودة حياة الآخرين بشكل طفيف. وكما اكتشف المحلل، بروس شالر، منذ عام 2012، ارتفعت ملكية السيارات الخاصة في المدن الأميركية، وهو ما يعزوه إلى كل شيء من تغيير التركيبة السكانية، والمزيد من العائلات، والدخل الأعلى، وحتى تشويشات أنظمة النقل.

كل سيارة جديدة تمثّل عبئا على عابري الطريق (أ ب)

ثانيا، وهوى مستوى أعمق، فإن "شبح" الأعداد الغفيرة من السائقين الجُدد القادمين يجب أن تخيف أي شخص يؤمن بالفكرة الأوسع للحضر، فرغم أن كل سيارة جديدة تصل إلى الشارع، لا تمثل سوى إزعاج بسيط للسائقين الآخرين، إلا أنها تقلل من جودة حياة كل شخص خارج السيارة، عبر تقليل جودة الهواء، وزيادة الضوضاء وخطر عبور الشارع، وكلما طالت المدة التي يستغرقها السائق في المرور عبر تقاطع ما مثلا، زاد احتمالُ خطورته. وأما الأمان الظاهري الذي يبدو أن السيارة تقدّمه، يأتي مع حاشية سُفلية، إذ كما يشير الاقتصادي والكاتب، تيم هارفورد، فإنه في الفترة ما بين 28 آذار/ مارس إلى 29 أيار/ مايو، توفي طفلان تتراوح أعمارهما بين 5 و 14 عامًا في إنجلترا وويلز جرّاء فيروس كورونا، ولكنه كتب مُعلقا: "من أجل أن نضع هاتين المأساتين في السياق، نتوقع خلال تلك الفترة نفسها مقتل ثمانية أطفال في حوادث الطرق".

وفي الحقيقة، حتى لو أردنا أن تتيح نيويورك أو أي مدينة مماثلة، قيادة السيارات للجميع، فإننا لن نرغب أن نعيش فيها. وكما وجد أحد التحاليل البسيطة، فإنه إذا ما أردت أن تستبدل مترو الأنفاق بسيارات لكل شخص يركبها في منطقة كوينز، فإنك ستحتاج إلى مضاعفة المنطقة بـ84 ضعفا. أما الجادة الخامسة في نيويورك، فإنك ستحتاج إلى مضاعفتها 200 مرة، وذلك غير ممكن بالطبع.

بالطبع، لن يركب العديد من سكان نيويورك مترو الأنفاق لبعض الوقت، على الرغم من كونه أكثر نظافة وأقل ازدحامًا من أي وقت مضى. وقال العمدة، بيل دي بلاسيو إنه "سيتعين على الناس الارتجال. وأعتقد أنهم سيفعلون ذلك".

إن عقليةَ "دعوهم يقودون السيارات"، قصيرةُ النظر في أحسن الأحوال، ومُضرة للغاية في أسوأ الأحوال. إن الميل الكبير نحو استخدام السيارات في المدن يفرض تكاليف صحية على الجميع، والتي سنشعر بها لفترة طويلة بعد انتهاء كوفيد-19.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"