لبيد وحل الدولتين.. ليس أبعد من مجرد التصريح

لبيد وحل الدولتين.. ليس أبعد من مجرد التصريح
(Getty Images)

إثر بالون الاختبار الذي أطلقه مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، يائير لبيد، حول خطابه المقرر من على منصة الأمم المتحدة في وقت لاحق، اليوم الخميس، ضمن فعاليات الدورة الـ77 لجمعيتها العامة التي انطلقت في نيويورك، على شكل تسريب حول عزمه دعم فكرة "حل الدولتين"، تؤكد المؤشرات أن لبيد لن يذهب أبعد من مجرد التصريح الذي يأتي في سياق انتخابي وضمن الإطار الذي تحدده المصالح الأمنية والسياسية الإسرائيلية.

وسارع مقربون من لبيد إلى التشديد على أن سيطرح دعمه لـ"حل الدولتين" كنوع من الرؤية لحل مستقبلي وليس كمشروع يمكن الدفع به في الظروف الحالية، وحاولوا إبراز ما قد يعود بالنفع على السياسة الخارجية الإسرائيلية من مثل هذا التصريح الذي قد يرضي المجتمع الدولي وإدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن.

وتركز أوساط في محيط لبيد كذلك على ما قد يقدم هذا التصريح الذي لم تتضح صيغته بعد، من "أمل" للفلسطينيين، قد يؤدي إلى تهدئة في الضفة الغربية المحتلة ويعزز من موقف القوى الأمنية التابعة للسلطة فيها وسط تصاعد المخاوف الأمنية الإسرائيلية من انهيار الأخيرة وتصعيد محتمل قد يصل إلى حد اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة.

ومن المرجّح أن يجد موقف لبيد هذا ترحيبا من قبل المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، علما بأن التسريبات من مكتب لبيد شدد على أنه سيعلن دعمه "لإقامة دولة فلسطينية"، بما "يخضع للترتيبات الأمنية اللازمة لإسرائيل"، وأنه سيركز على أنه لن يتم التقدم بأي مسار "يعرّض أمن إسرائيل للخطر".

ووفقا لمقربيه، وبما يتسق مع التصريحات التي صدرت عنه مؤخرا، يرى لبيد أنه على المدى القريب من غير الممكن الدفع باتجاه تجديد المفاوضات ومن المستحيل التوصل إلى اتفاقيات مع السلطة الفلسطينية لما يراه من ضعفها وفي ظل غياب الاستعداد السياسي من الجانبين، في حين يرى أنه يجب الحفاظ على "حل الدولتين" في الصورة، لتجنيب إسرائيل "كارثة الدولة الواحدة".

وفي حين لا توجد مخططات معلنة للقاء لبيد مع الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، رغم تواجدهما منذ يومين في نيويورك، للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد يكون طرح "حل الدولتين" إسرائيليا، من قبل لبيد، يهدف إلى محاولة بث "رسائل طمئنة" في مواجهة التوترات الأمنية في الضفة الضفة المحتلة وتصاعد العمليات ضد قوات الاحتلال ومستوطنيه وسط تصاعد الإنذارات التي تروج لها أجهزة الأمن الإسرائيلية من عمليات محتملة خلال الفترة القريبة المقبلة.

كما يهدف لبيد إلى تجنب الأثر السلبي الذي قد يتركه خطاب الرئيس الفلسطيني على علاقات إسرائيل الخارجية وصورتها أمام الرأي العام الدولي في ظل التقارير التي صدرت مؤخرا عن جمعيات حقوقية ووصفت إسرائيل بأنها نظام فصل عنصري (أبارتهايد)، في ظل غياب المؤشرات لدى منظومة "الهسبراة" الإسرائيلية حول ما قد يحمله خطاب الرئيس الفلسطيني من مضامين وقلق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من تأثيره على الواقع الميداني المتأجج في الضفة المحتلة.

ولا يمكن تجاهل السياق السياسي الداخلي والانتخابات الإسرائيلية لخطاب لبيد الذي يعرض على شاشات التلفزة الإسرائيلية في ساعات الذروة. وعلى الرغم من أن الخطاب سيكون في نيويورك، هو في الواقع موجه إلى الناخب الإسرائيل، في ظل الصراع داخل معسكر لبيد نفسه الذي يحاول اجتذاب الأصوات من ناخبي حزبي العمل و"ميرتس" وخصوصا من قائمة "المعسكر الوطني" التي يقودها وزير الأمن، بيني غانتس، الذي بات ينظر إليه على أنه الطرف المسؤول عن تحديد شكل العلاقات الإسرائيلية مع الجانب الفلسطيني.

ومن غير الواضح كيف سيؤثر خطاب لبيد على فرصه في الانتخابات العامة للكنيست المقررة في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، علما بأنه وجد نفسه في مواجهة انتقادات حادة، من شركائه في الحكومة، ومنافسيه بالمعارضة على حد سواء، خصوصا من رئيس الحكومة البديل، نفتالي بينيت، ووزيرة الداخلية، أييليت شاكيد، ووزير القضاء، غدعون ساعر.

ردود فعل إسرائيلية

وفي هذا السياق، قال وزير المالية وزعيم حزب "يسرائيل بيتينو"، أفيغدور ليبرمان، في تغريدة على "تويتر" إن "كل الكلام عن إقامة دولة فلسطينية هو بمثابة رضوخ للإرهاب". وأضاف أن "تصريحات من هذا النوع من جانب القيادة الإسرائيلية تساعد أبو مازن (محمود عباس) والأجهزة الأمنية الفلسطينية على التملص من واجبهم في محاربة الإرهاب"، على حد تعبيره.

أما رئيس الحكومة السابق، بينيت، فقال في تغريدة على "تويتر" إنه "لا مكان أو منطق لإعادة طرح فكرة الدولة الفلسطينية". وتابع أنه "نحن العام 2022 وليس 1993، حتى الأصدقاء الحقيقيون لدولة إسرائيل لا يتوقعون منا أن نُعرّض أمننا ومستقبلنا للخطر، ولا يوجد سبب للتطوع من أجل ذلك".

وغرّد وزير القضاء، ساعر، قائلا إن "إقامة دولة إرهابية في يهودا والسامرة (التسمية التوراتية للضفة المحتلة) سيعرض أمن إسرائيل للخطر؛ غالبية الشعب في إسرائيل وممثليهم لن يسمحوا بحدوث ذلك".

واعتبرت وزيرة الداخلية، شاكيد، أنه "ليس لدى رئيس وزراء الحكومة الانتقالية، لبيد، شرعية عامة لتوريط إسرائيل بتصريحات من شأنها إلحاق الضرر بالبلاد، يمثل لابيد نفسه فقط في هذا البيان وليس الحكومة". واعتبرت "الدولة الفلسطينية تُشكّل خطرا على دولة إسرائيل"، مشيرة إلى أن البديل عن إقامة دولة فلسطينية هو ضم مناطق "سي" لما وصفته بـ"السيادة الإسرائيلية"، وفرض السيطرة الإسرائيلية الأمنية الكاملة على المناطق المحتلة في حزيران 1967.

وقال حزب الليكود، الذي يقوده رئيس الحكومة الأسبق، بنيامين نتنياهو، إنه "بعد أن شكّل لبيد أول حكومة إسرائيلية فلسطينية، يريد الآن إقامة دولة فلسطينية على حدود (مدينتَي) كفار سابا ونتانيا، وتسليم الأراضي لأعدائنا". وأضاف: "لسنوات، تمكّن نتنياهو من إخراج القضية الفلسطينية من الأجندة العالمية، وأعاد لبيد (الرئيس الفلسطيني) أبو مازن إلى الواجهة في أقل من عام".

بدوره، قال رئيس حزب "الصهيونية الدينية"، بتسلئيل سموتريتش إنه "بعد سنوات نجح فيها اليمين في إزالة حماقة الدولة الفلسطينية من جدول الأعمال، وجعل أبو مازن شخصية غير ذات صلة في العالم، يقود غانتس ولبيد عملية خطيرة تعيد هذه الفكرة المنحرفة إلى الطاولة".

وأضاف: "أعاد غانتس أبو مازن إلى وسط المسرح العام طوال العام الماضي، وكنّا نبهنا إلى العمليات التي يروّج لها غانتس ولبيد، والتي تُعيد إسرائيل إلى مسار أوسلو المدمر"، واعتبر أن "هذا ما سيحدث اذا لم يفز المعسكر القومي (حزب الليكود والقوى اليمينية المتحالفة معه) في الانتخابات، ولم يُشكل الحكومة المقبلة؛ سيؤسس لبيد وغانتس حكومة أقلية ويسعون لإقامة حالة من الرعب في قلب إسرائيل وطرد المستوطنين".

ولن يكون لبيد هو رئيس الحكومة الإسرائيلي الأول الذي يعلن دعم فكرة حل الدولتين، إذ سبق لنتنياهو أن أعلن عن الموقف ذاته في "خطاب بار إيلان" كما أنه ورد في "صفقة القرن" الذي روّج لها الرئيس الأميركي، السابق، دونالد ترامب، بمباركة ودعم نتنياهو. وتفاوض رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، ومن سبقه، إيهود باراك، مع السلطة الفلسطينية، على أساس "حل الدولتين".

ولكن ثمّة هوّة بين الموقف الرسمي الفلسطيني الذي يرى بحل الدولتين، تطبيقا لقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية على حدود الأراضي المحتلة عام 1967 (الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة) وبين الموقف الإسرائيلي الذي يرفض العودة إلى حدود 1967، ويرفض عاصمة فلسطينية في القدس، ويرى أن مصلحة إسرائيل الأمنية تتطلب ضم مناطق في الضفة أو سيطرة إسرائيل عليها أمنيا بما في ذلك منطقة الأغوار.

بودكاست عرب 48