يهودية إسرائيلية: ثقافة جديدة تغيّر وجه إسرائيل (1)

يهودية إسرائيلية: ثقافة جديدة تغيّر وجه إسرائيل (1)
"اليهوديّة الإسرائيلية" قد تغيّر وجه إسرائيل (أ ب)

يسكن في إسرائيل نصف اليهود في العالم، وقرابة نصفهم الآخر في الولايات المتحدة، بينما يسكن باقي اليهود في دول أخرى ونسبتهم بين سكانها تكاد تراوح الصفر بالمئة. وتوجد اختلافات كبيرة وعميقة بين اليهود في إسرائيل وبين اليهود في العالم. وكان الاعتقاد السائد هو أن اليهود في إسرائيل يتكتلون حول يهوديتهم، من النواحي الدينية والاجتماعية، وكذلك السياسية إلى حدّ ما، وأنهم متقوقعون داخل هذه الحالة. في المقابل، فإن اليهود في العالم، وخاصة في الولايات المتحدة، هم جزء من الشعوب التي يعيشون بينها، من جميع النواحي، باستثناء الدينية طبعا.

لا شك في أن نشوء الحركة الصهيونية، وفي أعقابها الهجرات اليهودية إلى فلسطين، منذ نهاية القرن التاسع عشر وخلال النصف الأول من القرن العشرين، أحدثا تغييرا في حياة اليهود في البلاد. فقد كانت هذه الهجرة هجرةً علمانية بالأساس، ولكن كان بين المهاجرين متدينون وحريديون، أيضًا، كان لهم تأثير على صبغة إسرائيل بعد تأسيسها، بكل ما يتعلق بالطقوس الدينية وقدسية يوم السبت والطعام والشراب الكوشير (الحلال حسب الشريعة اليهودية) وما إلى ذلك. واستمر هذا الوضع بضعة عقود، جرت خلالها تحولات بين اليهود في إسرائيل، ولكن أعقبتها، في العقود الأخيرة، تحولات أكبر، سعى كتاب صدر في إسرائيل، مؤخرا، إلى رصدها.

رسم "دوش"
رسم "شروليك" للرسام كاريئيل فردوش (دوش)

وعنوان هذا الكتاب "#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية"، وهو من تأليف الصحافي والباحث في "المعهد لسياسة الشعب اليهودي"، شموئيل روزنير، وخبير استطلاعات الرأي والمحاضر المتقاعد من جامعة تل أبيب، البروفيسور كاميل فوكس. والجديد في هذا الكتاب هو اعتماده على استطلاعات واسعة جرت بين اليهود في إسرائيل، سمحت برصد آرائهم وأفكارهم بكل ما يتعلق بالدولة وبيهوديتهم. ويشمل غلاف الكتاب رسما كاريكاتوريا للرسام كاريئيل فردوش "دوش"، لشخصية "شروليك"، الذي يرمز إلى إسرائيل، ويبدو كفتى إسرائيلي نموذجي ويمثل ثقافة شابة وحديثة.

ويعتبر الكتاب أن الصهيونية، التي أقامت دولة على أنقاض الشعب الفلسطيني، سعت إلى التغلب على ثلاثة تحديات: "إقامة دولة مدنية لليهود"؛ "تجميع اليهود في بيئة لا تتعلق يهوديتها بالحرص على تأدية فرائض دينية"؛ "بنية اجتماعية لا توجد فيها فرصة حقيقية للانصهار" من خلال الزواج بغير اليهود.

والادعاء المركزي في الكتاب هو أنه "بالإمكان أن نرى في البلاد براعم ثقافة يهودية جديدة، نسميها ’يهودية إسرائيلية’... لقد تأسست إسرائيل من أجل إنشاء يهودية جديدة – أي إنشاء ثقافة تسمح بوجود حياة يهودية تتماشى مع العصر... واليهودية الإسرائيلية مختلفة في نواح كثيرة عن اليهودية غير الإسرائيلية. واليهودية الإسرائيلية مختلفة في نواح كثير عن اليهودية ما قبل الإسرائيلية".

ولفت الكتاب إلى أن "إسرائيل أقيمت، حسب وثيقة استقلالها، كدولة الشعب اليهودي، وليس كدولة الديانة اليهودية. إلا أن اليهود الذين أقاموا الدولة كانوا يعرفون، بالتقريب على الأقل، كيف تبدو ديانة يهودية ولم يعرفوا كيف تبدو دولة يهودية. وهم يتناقشون حول ذلك بالضبط حتى اليوم". ويدور هذا النقاش، أو السجال، بين فئات يهودية تطلق على نفسها التسميات التالية: متدينون، علمانيون، حريديون، تقليديون (أو محافظون). وهم منظمون في إسرائيل من خلال أحزاب سياسية و"قبائل"، ويتصارعون على التأثير والموارد والقيم.

الهجرات الأولى امتازت بطابعها العلماني (أ ب)
الهجرات الأولى امتازت بطابعها العلماني (أ ب)

الصهيونية الدينية والنزوح نحو العلمانية

توصل البحث الذي في صلب الكتاب إلى تقسيم اليهود في إسرائيل إلى أربع مجموعات: 55% هم "يهود إسرائيليون"، بسبب التركيبة الثقافية التي ينشئونها؛ 15% هم "إسرائيليون"، بسبب تشديدهم على الناحية القومية وتنازلهم النسبي عن التقاليد اليهودية؛ 17% هم "يهود"، بسبب ميلهم إلى التشديد على التقاليد اليهودية والتقليل نسبيا من أهمية المراسيم القومية؛ 13% هم "كونيون"، لأنهم لا يولون أهمية للتقاليد اليهودية والقومية الإسرائيلية. لكن البحث شدد على أن هذا التقسيم لا يُنقص من إسرائيلية أي فئة.

ويشمل الكتاب معطيات مثيرة، ومفاجئة أحيانا، لكنها تدل على تحولات بين اليهود في إسرائيل، بالاستناد إلى استطلاعات واسعة أجريت في إطار هذا البحث. وتوصل البحث إلى أن 8% من اليهود في إسرائيل ينتمون إلى التيار الإصلاحي، و5% إلى التيار المحافظ. ولا توجد مفاجأة في هذين المعطيين، لأنه معروف أن هذين تيارين صغيرين في إسرائيل، ويدور صراع كبير جدا بينهما وبين التيار الأرثوذكسي المهيمن في إسرائيل، علما أن أغلبية اليهود الأميركيين ينتمون إليهما. والمفاجأة في المعطيات كانت أن 37% من اليهود في إسرائيل ينتمون للتيار الأرثوذكسي، بينما 51% لا ينتمون لأي تيار. وجرى تفسير أن مجموع هذه النسب هو 101% بسبب إجابات متعددة. لكن اللافت في هذا السياق هو تنقل الأفراد بين المجموعات اليهودية المذكورة آنفا.         

ينقسم اليهود المتدينون إلى قسمين. القسم الأول هم الحريدي، الذي نظر إلى الصهيونية على أنها مشكلة، وإلى قيام إسرائيل على أنه "صعوبة". لكن الكتاب أشار إلى أن المجتمع الحريدي يمر بعملية تطور وأن "الصهيونية تهزهم. فالدولة تزدهر، والحريديون يندمجون فيها، وهم مطالبون باتخاذ قرارات تتعلق بتبلورها، ويعتمدون على ميزانياتها ويشاركون في حكوماتها. والكثيرون منهم لا يصفون أنفسهم كصهيونيين، لكن ثلثهم يصفون أنفسهم كصهيونيين، ونصفهم تقريبا (49%) يعتقدون أن يهودي جيد يعني تربية الأولاد على السكن في إسرائيل، و45% يؤيدون الاستيطان في أرض إسرائيل الكاملة".

ووجد البحث أن 79% من الحريديين يعتقدون أن على "اليهودي الجيد" أن يسهم في المجتمع، وخمسهم يشاهدون المراسم القومية، وغالبيتهم العظمى يقفون دقيقة صمت في ذكرى الجنود الإسرائيليين الذين قُتلوا في الحروب، رغم المعارضة للخدمة العسكرية. "الغصن الحريدي تطلع إلى التقوقع، لكن في أمور كثيرة هو مرتبط بإسرائيل الصهيونية، العصرية والعلمانية. وهذا الغصن يحافظ على حيويته، ويزداد عددا، لكنه ليس بديلا عن الأسرلة، وهم جزء منها".

القسم الثاني هو الصهيونية – الدينية، التي "تطلعت إلى إسرائيل صهيونية وفقا لروح التوراة، وهذا طموح لم يكن قريبا من أن يتحقق، وهو كذلك اليوم أيضا. ورغم أن بنات وأبناء الصهيونية الدينية ينظرون إلى أنفسهم كنخبة إسرائيلية، ولديهم تمثيل رائع في مراكز القوة وأجهزة الحكم، وتأثير سياسي وثقافي، لكن الغصن الذي يقفون عليه واهٍ. فالثقافة الإسرائيلية العصرية تتغلغل إلى وعي الجمهور الديني، وتؤثر عليه وتقسمه... وينجح هذا الجمهور في الحفاظ على نفسه بفضل نسبة ولادة عالية، تغطي على خروج جماعي منه باتجاه العلمانية".

ورغم أن الصهيونية الدينية تستعرض نجاحات أنجزتها، "لكنها لا تطرح مسار فكري يرغب معظم الجمهور في السير فيه. وفي حال اقترح مسار، فإنه يكون قوميا أكثر مما هو ديني. وبين أسباب ذلك أنه ليس واضحا لقسم كبير من الإسرائيليين الحاجة إلى شريعة يهودية أيضا، بينما توجد دولة تضمن المستقبل اليهودي".

الحريديون باتوا أكثر انفتاحًا على المجتمع الإسرائيلي (أ ب)
الحريديون باتوا أكثر انفتاحًا على المجتمع الإسرائيلي (أ ب)

تراجع اليهودية التقليدية والعلمانية

وجد البحث أن "غصن الإسرائيلية التقليدية متهلهل أيضا. (اليهودية) التقليدية التي عرفناها في العقود الأولى للدولة تتراجع عددا أولا. وقرابة ثلث (36%) الذين ينشأون كـ’تقليديين’ يصبحون ’علمانيين’. كما أن ثلث (31%) ’العلمانيين هم تقليديون تقريبا’ ونشأوا في بيت يصفونه بـ’تقليدي’. اليهودية التقليدية تتقلص، وتتآكل بين الأغلبية العلمانية وبين الأقلية المتدينة. وصورتها تتراجع أيضا... ويشعر الإسرائيليون بعدم راحة بتعريف أنفسهم كتقليدين، لأن هذه فئة تعتبر بنظرهم قديمة وطائفية".

والإسرائيلية التقليدية تعاني من تقهقر فكري. "الدعامات التي شكلت أساسا للهوية التقليدية باتت في عملية تشقق وتفتت. وهذه إحدى التناقضات المثيرة في المجتمع اليهودي في إسرائيل. من جهة، تستند اليهودية الإسرائيلية إلى مزيج من التقاليد (الدينية والنزعات) والقومية، مثلما طرح التقليديون. من جهة ثانية، نسبة الإسرائيليين الذين ينظرون إلى أنفسهم كتقليديين تتراجع مقابل العلمانية. والسبب الأساسي لذلك هو تشخيص مصدر المرجعية. فالتقليدية القديمة لا تنفي مرجعية النموذج الشرعي الحاخامي. وهذه تقليدية لمن يعترف بهذه المرجعية حتى لو أنه من الناحية الشخصية لا يختارون العيش بموجب توجيهاتها. إذ أن الإسرائيليين الذين ينتقلون من التقليدية إلى العلمانية لا يريدون مرجعية كهذه".

وقال 75% من التقليديين إن "اليهودي الجيد" هو الذي يحتفل بالأعياد ويمارس الطقوس والتقاليد الدينية، لكنه لا يريد الشريعة أو مرجعية الشريعة، بينما قال 34% إن أداء الفرائض هو ما يجعل اليهودي "جيدا".

ورغم أن عدد اليهود العلمانيين يرتفع، لكن العلمانيين، الذي كانوا قادة إسرائيل، يتراجعون من الناحيتين السياسية والفكرية. "لقد شاهد العلمانيون قوتهم تتراجع، عندما لم يكن بإمكانهم الوقوف أمام الحيوية الدينية – الخلاصية المتدفقة لحركة غوش إيمونيم (الاستيطانية)، وأمام اليهودية التقليدية لحزب الليكود بزعامة مناحيم بيغن. ومؤسسو الدولة فقدوا السيطرة".

وحسب البحث، فإن العلمانية الإسرائيلية، أي معسكر المؤسسين الذي بات يعتبر معسكر "الوسط – يسار"، "لم توفر لفترة طويلة محركا قويا ومستقرا لتطلعات اليهود لانبعاث قومي وثقافي. واستعرض قادة الصهيونية العلمانية التقاليد الدينية على أنها ’مجموعة رموز قديمة ومشوشة’، وبذلك ’فصلوا بين أبناء مجتمعهم وبين رموزهم القديمة’. وأدى ذلك إلى اغتراب مجموعات يهودية أخرى، وتسبب بأزمة بين العلمانيين أنفسهم أيضا وبحالة ’انتزاع ثقافي، وانعدام قدرة على الاكتفاء بدين مدني في إسرائيل...".