يهودية إسرائيلية: التباس الهوية وتباين القناعات (2)

يهودية إسرائيلية: التباس الهوية وتباين القناعات (2)
الحريديون من المجموعات الأكثر تحولا (أ ب)

فيما يلي الجزء الثاني من قراءة لكتاب "#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية"، وهو من تأليف الصحافي والباحث في "المعهد لسياسة الشعب اليهودي"، شموئيل روزنير، وخبير استطلاعات الرأي والمحاضر المتقاعد من جامعة تل أبيب، البروفيسور كاميل فوكس. والجديد في هذا الكتاب هو اعتماده على استطلاعات واسعة جرت بين اليهود في إسرائيل، سمحت برصد آرائهم وأفكارهم بكل ما يتعلق بالدولة وبيهوديتهم.


يتوصل هذا البحث إلى أن شعور اليهود الإسرائيليين بيهوديتهم، هو شعور قوي نابع من وجودهم في إسرائيل: "بيئتهم يهودية، تقويمهم السنوي يهودي، ولغتهم يهودية... 60% يستمعون إلى موسيقى إسرائيلية بالعبرية. لـ91% يوجد كتاب توراة في بيوتهم. و4% فقط قالوا إنهم لا يمارسون تقاليد يهودية ولا يحيون أيام ذكرى يهودية، مثل يوم الغفران أو ليلة عيد الفصح".

ويتبين من الاستطلاع الذي شمله البحث، أن 78% من اليهود الإسرائيليين يؤمنون بوجود الله، وإن كان إيمانهم متفاوتا؛ 76% يؤمنون بأن على اليهودي الاهتمام باليهودي أينما كان؛ 84% يعتبرون أن "تكون يهوديا يعني أن تذكر المحرقة"؛ 67% لا يأكلون شيئا في يوم الغفران، و7% قالوا إنهم يشربون فقط في هذا اليوم.

في المقابل، يؤكد البحث، يوجد في إسرائيل اغتراب بين فئات في المجتمع اليهودي، وتوجد فئات متقوقعة وأخرى يتم إقصاؤها. وقال قسم كبير من اليهود إن "الشعور بوحدة الشعب" أضعف مما كان في الماضي، و"اختلافات الرأي" باتت أعمق. ويعتقد 26% أن الفجوات الاجتماعية – الاقتصادية تهدد مستقبل إسرائيل بشكل بالغ، ورأى 41% إن تهديدها كبير. إضافة إلى ذلك، فإن هناك أوساطا تنظر بصورة سلبية لأوساط أخرى، مثل نظرة اليهود للعرب، "خاصة المسلمين"، ونظرة العلمانيين للحريديين، ونظرة الحريديين للتيار اليهود الإصلاحي.

وفي الناحية السياسية، قال 9% فقط من اليهود إنهم يريدون أن تكون إسرائيل "دولة مدنية"، بينما يريد الباقون إسرائيل "كدولة يهودية"، لكن 19% يبررون "الدولة اليهودية" بأنها "ملجأ للشعب اليهودي".

4 مجموعات يهودية مختلفة

حسب هذا البحث، فإنه بالاستناد إلى آلاف التفاصيل المعلوماتية ومئات الكتب والمقالات، والمحادثات والمداولات، والنقاشات أحيانا، تبرز فئة واحدة كبيرة دون غيرها، "وقوة جاذبيتها" هي الأقوى، ويطلق البحث عليها تسمية "يهود – إسرائيليين"، ويتم تمييزها من خلال محورين: محور القومية ومحور التقاليد. "هذه هي المجموعة التي يؤدي أعضاؤها طقوسا وعادات يهودية وإسرائيلية، ويتبنون معتقدات تدمج ما بين اليهودية والصهيونية".

وترسم الإحصائيات التالية ملامح هذه المجموعة: 73% يعتقدون أن على اليهودي أداء الطقوس والعادات، واعتبر 72% أن "اليهودي الجيد" يربي أولاده على الخدمة في الجيش الإسرائيلي. لكن "اليهود الإسرائيليين" لا يشكلون أغلبية كبيرة بين اليهود في إسرائيل، وهناك مجموعات أخرى أطلق البحث عليها تسميات "محافظين" و"كنعانيين" و"كونيين".

72٪ من الإسرائيليين يعتقدون أن "اليهودي الجيّد" هو من يدخل أبناءه الجيش (أ ب)
72٪ من الإسرائيليين يعتقدون أن "اليهودي الجيّد" هو من يدخل أبناءه الجيش (أ ب)

يشير البحث إلى أن "المحافظين" موجودون في مكان مرتفع على محور التقاليد وفي مكان منخفض على محور القومية. ويسميهم البحث "يهودا" أيضا، وبالإمكان تسميتهم "حريديين" أيضا، لأن 72% منهم حريديون. وينتمي إلى هذه المجموعة اليهود الذين لا يرفعون العلم الإسرائيلي في "يوم الاستقلال"، بينما يصومون في يوم الغفران. وهم يعتبرون أن "اليهودي الجيد" هو الذي يؤدي الفرائض الدينية اليهودية، ولا يرون أن "اليهودي الجيد" هو الذي يسكن في إسرائيل. وبالنسبة لهم "اليهودية هي ديانة مثلما كانت في الماضي. كأنه لا توجد دولة، أو كأن الدولة ليست انعكاسا للهوية اليهودية".

ويتواجد "الكنعانيون"، أو "العبريّون" أو "الإسرائيليون"، في مكان مرتفع على محور القومية، ومنخفض على محور التقاليد الدينية اليهودية. وهم يتواجدون في الحركة "الاستيطانية العاملة"، و52% منهم أشكناز، وجميعهم تقريبا علمانيون، وقسم كبير منهم ملحدون. ويصف 72% منهم أنفسهم بأنهم "علمانيون بالمطلق". لكنهم صهاينة، لا يصومون في يوم الغفران، ولا يوجد لديهم اهتمام بالتوراة والفرائض، ويشاركون في المراسم القومية الإسرائيلية، ويعتبرون أن "اليهودي الجيد" هو الذي يخدم في الجيش الإسرائيلي. وكانت هذه المجموعة في الماضي أكبر منها حاليا، "وهؤلاء يهود يرون أن القومية الإسرائيلية حلّت مكان التدين اليهودي".

والمجموعة الثالثة، "الكونيون"، تتواجد في مكان منخفض في كلا محوري القومية والتقاليد ، أو "في مكان مرتفع على محوري العلمانية والكونية". وهؤلاء لا يهتمون بالتقاليد اليهودية ولا بالقومية الإسرائيلية، ولا يعتقدون أن "اليهودي الجيد" يجب أن يخدم في الجيش الإسرائيلي، ولا يهمهم إذا نشأ أولادهم أو أحفادهم كيهود. وهم لا يشعرون أنهم يعيشون في وطنهم، و83% منهم "علمانيون بالمطلق"، و51% من الذين يصفون أنفسهم "يساريين" ينتمون لهذه المجموعة، و47% منهم بدون أولاد، ويرون أنه يوجد في إسرائيل نظام إكراه ديني.

وأشار البحث إلى أن حجم هذه المجموعات الثلاث متقارب، وجميعها مجتمعة تشكل 45% من اليهود في إسرائيل، بينما مجموعة "يهود إسرائيليين" تشكل 55%. ويرى 43% من اليهود في إسرائيل أن اليهودية هي ديانة أولا، بينما يعتبر 26% أنها قومية أولا، ويصفها 20% أنها ثقافة، ويعتبر 11% أنها الأصول.

علمانيون وحريديون

المعطيات والإحصائيات، التي شملها البحث، حول حجم جمهور العلمانيين اليهود في إسرائيل مقابل الحريديين، المتزمتين دينيا، مثيرة للغاية. "الوضع الحالي واضح جدا: المتدينون ينجبون أكثر ويفقدون أكثر. والعلمانيون ينجبون أقل ويجندون أكثر"، بمعنى أن أفرادا حريديين يخرجون من مجتمعهم وينتقلون إلى العلمانية.

وقال 23% من الذين ولدوا كحريديين إنهم لم يبقوا كذلك. كما أن 52% من المتدينين الليبراليين لم يبقوا متدينين. واستنتج البحث أن "مستوى التدين بين الأجيال انخفض"، وأنه "من جيل إلى آخر تصبح إسرائيل علمانية أكثر". ونسبة العلمانية والمتدينين بقيت في حالة جمود، في العقود الأخيرة، خاصة بسبب الهجرة من دول الاتحاد السوفييتي السابق إلى إسرائيل، حيث غالبية هؤلاء المهاجرين هم علمانيون.

ربع من ولدوا حريديين، تقريبًا، أصبحوا علمانيين (أ ب)
ربع من ولدوا حريديين، تقريبًا، أصبحوا علمانيين (أ ب)

ووفقا لمعطيات جمعها البروفيسور عوزي رافهان، فإن 43% من السكان اليهود في إسرائيل، في العام 1990، كانوا علمانيين، و15% متدينين أو حريديين، والباقين تقليديين. وفي العام 2000، ارتفعت نسبة العلمانيين إلى 48%، كما ارتفعت نسبة المتدينين والحريديين إلى 17%. وفي العام 2008، ارتفعت نسبة العلمانيين إلى 51% (وتبين من معطيات إحصائيات البحث أن هذه النسبة هي 49%)، كما ارتفعت نسبة المتدينين والحريديين إلى 19%. 

رغم هذه الأغلبية العلمانية، إلا أن الواقع يدل على أن الحريديين والمتدينين، وخاصة الصهيونية – الدينية، يفرضون إملاءات على المجتمع الإسرائيلي، كون الصهيونية – الدينية خصوصا تحظى بتأثير سياسي، رغم أنها "تفقد قرابة نصف أتباعها لصالح مجموعات أخرى" في المجتمع الإسرائيلي. ويفسر البحث هذا الوضع بأن "القوة السياسية تُترجم إلى مطالب في الناحية الأيديولوجية ونشاط في الحلبة السياسية. وهذه الأمور تؤثر على الحيّز العام وعلى المؤسسات التي بالإمكان التأثير عليها بواسطة القوة السياسية، مثل جهاز التعليم، الجهاز الحكومي والجهاز الأمني. وكذلك على الكتب الدراسية التي صُبغت بألوان تقليدية دينيا، وعلى مطلب تخصيص ساعات سباحة منفصلة للرجال والنساء، والحفاظ على لباس محتشم تم فرضه على أماكن لم يكن مقبولا فيها في الماضي".  

التغييرات في هذا السياق واضحة جدا في الجيش الإسرائيلي، وهو المكان الأوسع الذي يلتقي فيه الإسرائيليون. "جيش سنوات الألفين ليس نفسه جيش الخمسينيات"، وفقا للبحث، "وجنوده ليسوا الجنود أنفسهم. الجيش الإسرائيلي بحاجة إلى جنود يحافظون على الكوشير، وصوت هؤلاء الجنود أصبح مرتفعا. وهم لن يتغاضوا عندما يتم انتهاك قوانين الكوشير. وحضورهم ملموس في الوحدات والدورات. وإذا كان الستاتيكو في الماضي أن نسمي هذا كوشير ولكن نغض الطرف عن خرق قوانين الكوشير، فإن هذا الستاتيكو تغير. ويوجد ثمن لذلك، وهو أنه لا يمكن تناول طعام غير كوشير أثناء الخدمة العسكرية".

ويرى الباحث في العلاقة بين الجيش والمجتمع، البروفيسور ياغيل ليفي، أن الجيش الإسرائيلي "يمر في عملية ثيوقراطية تغير ثقافته وطبيعة أداءه". ووصف مشروع التهود في الجيش الإسرائيلي أنه "جزء من تهويد الجيش". وأشار ليفي إلى أقوال حاخامات تؤثر على الجيش وجنوده، وإلى مشروع الكليات التحضيرية للخدمة العسكرية، الدينية بالأساس، التي ترسل خريجيها إلى وحدات عسكرية نخبوية، وإلى وقائع متكررة لإقصاء المجندات. ورغم أن المجندات تنخرط، في الآونة الأخيرة، في وحدات قتالية، إلا أن هناك وحدات لجنود حريديين، يوفر الجيش لهم بيئة ملائمة لنمط حياتهم المتزمت دينيا.

يهودي أم إسرائيلي

اعتبر 46% من اليهود في إسرائيل أنهم "يهودي أولا"، فيما قال 35% إنهم "إسرائيل أولا". وقال 51% إن "يهودي" هو التعريف الأفضل لهويتهم، بينما قال 41% قالوا إن التعريف الأفضل هو "إسرائيلي". وفسر البحث ذلك بأن المتدينين يميلون إلى اختيار الهوية اليهودية والأقل تدينا يميلون إلى اختيار الهوية الإسرائيلية. وقال 43% من اليهود في إسرائيل، وبينهم أغلبية من التقليديين والمتدينين، إن "المركّب الأساسي في اليهودية هو الدين". ويصف ثلاثة من بين كل أربعة متدينين أنفسهم كيهود، بينما يصف اثنان من كل ثلاثة علمانيين أنفسهم كإسرائيليين.

من جهة ثانية، فإنه في الوقت الذي يحتفل فيه اليمين المتطرف بما يسمى "يوم القدس"، أي ذكرى احتلال القدس الشرقية في حرب العام 1967، إلا أن أكثر من ثلاثة من بين كل أربعة يهود في إسرائيل قالوا إن هذا "يوم عادي جدا"، وبضمنهم 60% من الذين يعرفون أنفسهم كيمينيين و96% من الذين يعرفون أنفسهم كيساريين، و87% من الحريديين. وعمليا، يحتفل في هذا اليوم أتباع الصهيونية – الدينية والحريديون – القوميون.

ولا يزال النقاش دائر في إسرائيل حول من هو اليهودي. حسب التعريف المتشدد، اليهودي هو الشخص الذي وُلد لأم يهودية، أو الذي تهود وخضع لإجراءات دينية واعترفت به المحكمة الحاخامية كيهودي. لكن استطلاعا واسعا وجد أن 40% من اليهود في إسرائيل لا يرون صعوبة بتقبل شخص على أنه يهودي لأن والده يهودي وعلى الرغم من أن والدته ليست يهودية.وقال 33% إنهم يتقبلون شخصا كيهودي لأنه "يشعر أنه يهودي لكن والديه ليسا يهوديان". وحسب استطلاع آخر، فإن قرابة ربع اليهود في إسرائيل، وبينهم 42% من العلمانيين، مستعدون "للاعتراف بيهودية كل من يرغب بذلك".