اختراع الصهيونية لعِرق يهودي

اختراع الصهيونية لعِرق يهودي
يتسحاق بن تسفي (من اليمين) ودافيد بن غوريون في اسطنبول (أرشيف الحركة الصهيونية)

تعتبر الحركة الصهيونية أن جميع اليهود في العالم ينتمون لعرق واحد، هو العرق السامي. وتصف العلاقات مع اليهود كأقلية دينية على مر التاريخ، في أوروبا خصوصا، بأنه تعامل بين أعراق، بصيغة معاداة السامية مثلا، علما أن هذا مصطلح جديد نسبيا، إذا جرى اختراعه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبعدما بدأت تظهر النظريات العرقية في أوروبا.

ويمتنع المؤرخ الإسرائيلي، البروفيسور شلومو ساند، عن استخدام مصطلح معاداة السامية، كما يقول في كتابه الجديد، الذي صدر الشهر الماضي، بعنوان "عرق متخيّل – تاريخ قصير لرُهاب اليهود". ويرى أن "أشكال العداء لليهود، والهوية اليهودية نفسها، لم تكن مشابهة... ففي مناطق الحضارة الإسلامية، على سبيل المثال، اعتادوا على الاستعلاء على اليهود أكثر من كرههم".

وينطلق ساند في كتابه الجديد من ادعاء مفاده أنه "ليس الإيمان اليهودي بالله جعل اليهودية أمًا للمسيحية، وإنما المسيحية هي التي بلورت، تاريخيا، طبيعة وسلوك الأقلية اليهودية التي بقيت مئات السنين بداخلها". ويشدد ساند منذ البداية على أنه "لا يوجد عرق سامي، وبالطبع لا يوجد عرق آري أيضا"، وأن "جذور مصطلح معاداة السامية عالقة بتضليل أساسي وخبيث، وبالأساس من جانب سياسيين شعبويين سعوا إلى منح صلابة ’علمية’ لكراهية قديمة". ورغم وجود لغات سامية، "لكن بما أن يهود أوروبا لم يتحدثوا العبرية، وإنما اعتادوا بالأساس على ترديد صلواتها بها، فإنهم لم يكونوا ’ساميين’ أبدا". ولذلك، يفضل ساند استخدام مصطلح "يودوفوبيا"، أو "رُهاب اليهود".

ولفت ساند إلى أن أحد آباء الحركة الصهيونية، ليئون بينسكر، استخدم مصطلح "يودوفوبيا" في كتابه الصادر في العام 1882، لأن مصطلح معاداة السامية لم يكن معروفا. وقد قصد بينسكر، وهو طبيب، من استخدام "يودوفوبيا"، الإشارة إلى أن الذين يخافون من اليهود يعانون من مرض نفسي. وهكذا يعتقد ساند أيضا، لكنه أشار إلى أن هناك أسبابا أيديولوجية وتاريخية واجتماعية - اقتصادية أيضا للعداء تجاه الآخر.

وأشار ساند إلى أن الصراع بين اليهودية والمسيحية، بدأ في أعقاب اعتناق قيصر روما، قسطنطين الأول، المسيحية في النصف الأول من القرن الرابع الميلادي، ومنع عبر قوانين استمرار التبشير باليهودية، الذي كان رائجا في أنحاء الإمبراطورية الرومانية. ومنعت هذه القوانين الزواج بين المسيحيين واليهود، كما مُنع اليهود من ختان عبيدهم. وفرضت عقوبة مشددة على اليهودي الذي يحاول منع يهودي آخر من اعتناق المسيحية.

اتهام اليهود بقتل الرب (لوحة للرسام الإيطالي جيامباتيستا تيبولي)

وفي الفترة التي سبقت ذلك، "استخف أتباع الدين الجديد، وعلى رأسهم (القديس) بولص، بالعناد الذي لا يلين من جانب المتشددين بالحفاظ على الفرائض (أي اليهود) وبدأوا بإذلالهم"، وفقا لساند، الذي أشار إلى نص في إنجيل متى، خاطب اليهود: "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلا واحدا، ومتى حصل تصنعونه ابنا لجهنم أكثر منكم مضاعفا". وأضاف ساند أن "هذا الاستخفاف المهني بين (الديانتين) المتنافستين تُرجم سريعا إلى عداء عميق"، خاصة بعد اتهام الإنجيل لليهود بـ"قتل الرب"، أي صلب المسيح.

وشدد ساند على أنه لا يوجد فرق بين مصطلحات "جنس" و"شعب" و"أمة" الواردة في الإنجيل، ولم يتم التمييز بينها حينذاك، مثلما جرى في القرن الـ19، إذ أنها لم تنطوِ على ناحية بيولوجية أو قومية. إلا أنه اعتبر أن هذه المصطلحات "تشير، ولو بشكل غير مباشرة، إلى أصل، بهدف إنشاء صورة هرمية لفئات بشرية منفصلة، وأن على الواحدة منها استبدال الثانية. وبذلك انطلقت ’نظرية الاستبدال’ بين ’العرقين’ المتخيلين. وشكلت خطوة أولى في عرقنة الآخر اليهودي". وأضاف أنه في نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس "تم تسخير الفكر المسيحي من أجل الفصل وقطع الصلة بالكامل بين الديانتين المتنافستين".

وحسب ساند، فإن "عدم تقبل الثالوث المقدس شكّل تقويضا خطيرا لمجمل البنية الأيديولوجية للديانة المسيحية الناشئة. ولذلك تعيّن على اليهود أن يتحولوا إلى شعب – عرق ملعون، هزمه الرومان، وطُرد من أرضه وانتشر في أنحاء المعمورة كي يكون شاهدا على آثامه وعماه". وأضاف أن صورة اليهودي هذه أصبحت اعتقادا شائعا (Doxa) في العالم الغربي، حتى ستينيات القرن العشرين.

ممالك متهودة

من الجهة الأخرى، تابع ساند أن "الانطواء الاضطراري جعل اليهود يتمسكون بتنمية فكرة أنه رغم القيود المفروضة عليهم، فإنهم، وليس المسيحيين، ما زالوا ’الشعب المختار’؛ شعب من ’ذرية إبراهيم’ الحقيقية، الذي كأنه بدأ منذ الآن التنازل عن توقه لتهويد العالم. وهكذا، ساهمت المسيحية ببلورة أولية للتيار المركزي في الإيمان اليهودي لقرون كثيرة. وجعل الآخر اليهودي غريبا، وتصنيفه والأفكار المسبقة حياله ستتحول في المستقبل إلى عنصر هام في تطور مجمل الحضارة الأوروبية".

واستمر النشاط التبشيري اليهودي في مناطق أخرى خارج الإمبراطورية الرومانية. فقد نشأت مملكة حِمير اليهودية في اليمن، في الربع الأخير من القرن الرابع، وهوّدت جميع رعاياه. ولفت ساند إلى أن وجود هذه المملكة دام 150 عاما تقريبا، وهذه فترة أطول من فترة وجود "مملكة الحشمونائيين"، وهُزمت في العام 525، "وحافظ الكثيرون من رعاياها المتهودين على يهوديتهم حتى الفترة المعاصرة".

وبعد انتشار المسيحية في حوض البحر المتوسط، لجأت باقي الجماعات اليهودية، وخاصة من ذراري الفنيقيين، إلى منطقة البربر في شمالي أفريقيا، وعملت على تهويد عدد من القبائل الكبرى هناك. ولاحقا، تأسست مملكة متهودة في جبال الأطلس. وكتب ساند أنه "خلافا للبربر المسيحيين، الذين اعتنقوا الإسلام بغالبيتهم على ما يبدو، بقي البربر المتهودين مخلصين لدين موسى حتى القرن العشرين".

ووصل النشاط التبشيري اليهودي إلى الحبشة، ونشأت في نهاية القرن الرابع جماعة متهودة، أطلق عليها تسمية "بيتا إسرائيل"، التي أقامت لاحقا مملكة في جبال سيمين. وبقيت هذه الجماعة يهودية، وتعرف حاليا باسم الفلاشا، وهاجر الكثيرون منها إلى إسرائيل في نهاية القرن الماضي.

وأضاف ساند أن وصول لاجئين يهود من أرمينيا ومناطق الإمبراطورية البيزنطية، إلى أراضي مملكة الخزر، "أدى في منتصف القرن الثامن إلى تهوّد هذه الإمبراطورية طوال 200 إلى 300 عام". وقضى الغزو المنغولي، في القرن الـ12، على هذه المملكة المترامية الأطراف، "ودفع قسم من جموعها المتهودة غربا نحو أوروبا الشرقية. وعمل هذا السرب البشري، في طريقه، على تهويد الكثيرين. وساهم هذا الحدث التاريخي بنشوء أكبر تجمع ديمغرافي يهودي في هذه المناطق (روسيا وليتوانيا وبولندا) في القرون التالية، وكان هذا تجمع لا يمكن مقارنته عدديا بتجمعات يهودية أخرى في العالم".

تحولات في أوروبا

لم يسهم اليهود في أوروبا خلال عصر الإقطاع بكل ما يتعلق بإزالة غابات وتحويلها إلى حقول زراعية. ولم يكن بإمكانهم شراء أراضٍ وأن يتحولوا إلى إقطاعيين أو نبلاء أو أمراء، ولأنّهم من سكان المدن، فإنهم لم يصبحوا أقنانا أيضا، وكان بإمكانهم التنقل بحرية.

شبان يهود في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية (ويكيبيديا)

وأشار ساند "بما أن ديانتهم لم تحظر عليهم إقراض المال بالربا لغير اليهود، فإنه إلى جانب العمل بالتجارة والمهن، بدأوا يعملون في مجال القروض. وبات النبلاء قليلو الدخل أو البرجوازيون الأوائل متعلقين بهم. وهكذا بدأت تولد لأول مرة في المخيلة الأوروبية – المسيحية صورة اليهودي الذي يجمع ثروة من القروض بالربا... وحتى القرن الـ12 أصبح يهودٌ الجهة المركزية التي تمنح القروض بالربا لطبقة النبلاء العليا والعائلات المالكة".

وبعدما بدأ مؤسسو البنوك اللومبارديون بممارسة هذه الأعمال، سعوا إلى إبعاد اليهود، والمنافسة بين المجموعتين زادت العداء لليهود. وبسبب إبعادهم عن إقراض أبناء الطبقة العليا، أصبح اليهود يقرضون أبناء الطبقة الوسطى – الدنيا، الذين نظروا إليهم، بسبب ضائقتهم وديونهم، أنهم رجال أعمال حقيرون.

ومع ازدياد الكراهية لليهود، جرت حملات لطردهم من معظم المناطق الأوروبية، لكن ساند أشار إلى أن "عملية الطرد التي رسخت في الذاكرة اليهودية أكثر من أي عملية أخرى كانت التهجير من شبه الجزيرة الأيبيرية"، الأندلس. فمنذ الفتح الإسلامي، في العام 711، ازداد عدد السكان اليهود في شبه الجزيرة أكثر من أي مكان آخر في أوروبا. وبما أنه ليس معلوما عن أي هجرة من مملكة يهودا إلى إسبانيا البعيدة، يرجح أن الإيمان اليهودي الأول الذي انتشر فيها كان مشابها في بدايته لذلك الذي انتشر في شمالي أفريقيا".

وأضاف ساند أن "الفينيقيين/القرطاجيين، الناطقين بلغة تكاد تكون مطابقة للعبرية، الذين استوطنوا هناك على طول الشاطئ (الإسباني)، حصلوا على أسفار التوراة قبل ترجمتها إلى اليونانية، وتهودوا. وزاد تجار إيطاليون – يهود، الذين وصلوا إلى المنطقة مع الجيوش الرومانية، حجم الجاليات الصغيرة، حتى تم لجم زيادتها لدى مجيء المسيحية".

وانتشر الكثير من اليهود في أوروبا مرة أخرى بعد نهاية الدولة العربية في الأندلس، من دون أن تتغير نظرة السكان المحليين إليهم. وبدأ تغيير التعامل معهم في العام 1791، بعد سن قانون في فرنسا يمنح اليهود حقوقا متساوية. وخلال القرن الـ19 حذت دول أوروبية أخرى، وكذلك الولايات المتحدة، حذو فرنسا. لكن هذه التحولات توقفت عند حدود الإمبراطورية الروسية، حيث تواجدت الأغلبية العظمى من اليهود في العالم في تلك الفترة.

وأشار ساند إلى أن "تطبيق مبدأ المواطنة المتساوية غيّر بالكامل شكل حضور اليهود في أوروبا. من جاليات هامشية... إلى مراكز النشاط الاقتصادي والثقافي، وتخلوا عن لباسهم التقليدي وعاداتهم منذ مئات السنين، وليس فقط أنهم باتوا عضوا حيا للعصرنة وإنما كانوا بين روادها الأكثر حراكا". ورغم ذلك، استمر توجس الأوروبيين من اليهود في الفترة اللاحقة، خاصة بعد بدء انتشار الأفكار القومية، وبداية عصر الرأسمالية، حيث سعى أثرياء يهود إلى أخذ دور فيه من خلال المؤسسات المصرفية.

نظريات عرقية أوروبية

ظهرت في بداية القرن الـ19 عدة مؤلفات حول الأعراق البشرية، واعتبر قسم منها أن الأعراق غير متساوية وأن عرقا يتفوق على الآخر. وقسّم الفرنسي آرثر دو غوبينو، في كتابه الصادر عام 1854، البشرية إلى ثلاثة أعراق بحسب الدم: العرق الأبيض جميل وذكي وقوي، والآريون هم الأفضل؛ العرق الأسود منحط ثقافيا؛ والعرق الأصفر أفضل من الأسود بقليل. واعتبر أن اليهود كانوا عرقا طاهرا في فترة التوراة، لكنهم اختلطوا مع شعوب أدنى منهم وبشرتهم سمراء، ولذلك فإنه لا ينبغي أن يختلطوا مع العرق الأوروبي.

إرنست رينان

وفي العام التالي، صدر كتاب من تأليف المؤرخ الفرنسي، إرنست رينان، الذي رفض نظرية غوبينو، لكنه اعتبر أنه توجد اختلافات بين اللغات السامية والأوروبية، وأن الأولى منحطة قياسا بالثانية، في إشارة إلى تفوق الإنسان الأبيض، وبذلك رسخ الاعتقاد في أوساط النخبة بوجود أعراق بشرية. وأشار ساند إلى أن "العنصرية اعتبرت أمرا عاديا، كمعتقد ’علمي’ وسائد، وبقيت كذلك حتى نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل".

وصدر في العام 1879 كتاب للصحافي الألماني فيلهلم مار، بعنوان "انتصار اليهودية على الألمانية"، وأصبح أكثر الكتب مبيعا. وساهم هذا الكتاب في انتشار مصطلح "معاداة السامية". وأسس مار في العام نفسه "رابطة معاداة السامية". واعتبر مار أن صراعا مريرا ومتواصلا يدور بين الألمان والعرق السامي، وأن هذا الصراع سينتهي فقط بترحيل اليهود من ألمانيا إلى فلسطين، وأنه لا يوجد حل آخر.

وأشار ساند إلى أن "معاداة السامية" تغلغلت وانتشرت في الصحافة والأدب الشعبي، "كمصطلح إيجابي في البداية، بمعنى مناهضة حكم اليهود، وبعد ذلك وبشكل سريع ترسخت في قاموس مصطلحات العالم الغربي كله، كمصطلح يشير إلى كراهية اليهود. ونجح هذا المصطلح في تعزيز صورة اليهودي كـ’سامي’ غريب"، وكذلك بين أولئك الذين لم يكونوا معادين لليهود. وفي العام 1889، تأسست "الرابطة الوطنية الفرنسية المعادية للسامية". وصدرت كتب تحريضية - مثل "فرنسا اليهودية"، "الجزائر اليهودية"، "روسيا اليهودية"، "النمسا اليهودية" و"إنجلترا اليهودية".

وساهمت هجرة اليهود من تجمعهم الأكبر في أوروبا الشرقية إلى أوروبا الغربية، في الربع الأخير من القرن الـ19، في زيادة الكراهية لهم، خاصة وأنهم حافظوا على تقاليدهم ولغتهم في تجمعاتهم الجديدة في أحياء الفقر المكتظة في برلين وباريس ولندن. وبين أسباب هذه الهجرة موجة الاعتداءات على اليهود في روسيا خصوصا. ورغم أن المهاجرين إلى الغرب لم يكونوا من اليهود فقط، لكن "معظم المهاجرين اليهود كانوا لا يزالون متدينين، وملابسهم وعاداتهم ولغتهم أثارت نفورا واستياء"، وفقا لساند.

العرقنة الصهيونية

يؤكد ساند على أن معظم اليهود رفضوا بشكل صريح تعريفهم كعرق. لكن "موقف صهاينة كُثر كان مختلفا كليا. وشكلت اليودوفوبيا في التراث المسيحي على مر السنين نقطة انطلاق أولية لاختراع شعب – عرق معاصر. وفي بداية طريقهم، حاول مفكرو وقادة الصهيونية، بغالبيتهم العظمى، الانتماء إلى دول أوروبية. وتماثلوا بالمطلق مع الأفكار القومية التي تبلورت في الدول المختلفة، وسعوا إلى الانضمام إلى الأمم الناشئة. لكن الكراهية لليهود جعلتهم في هذه المرحلة الحاسمة من تطورهم الثقافي يبحثون عن هوية أخرى ومختلفة".

ورغم أن معظمهم كانوا غير مؤمنين "وعلموا جيدا أن البشر هم الذين يصنعون التاريخ وأن الرب لن يقوم بهذا العمل بدلا عنهم. ورغم ذلك، فإنه ’باستثناء’ ديانتهم الآخذة بالانحسار والعداء تجاههم، لم يكن بين اليهود أي قاسم مشترك"، وفقا لساند. "لم تكن لديهم ’مواد’ علمانية سابقة كي يستخدمونها وبناء قومية منها. ولم توحد اليهود عناصر ثقافية شعبية، لهجات متقاربة للغة واحدة أو تاريخ موحد في منطقة واحدة. ولذلك تبقى لهم، من دون وجود خيار آخر، البحث عن قاسم مشترك جامع آخر".

هرتسل

لقد تبنى آباء الصهيونية النظريات العرقية بعدما أدركوا أن لا قاسم مشتركا بين اليهود في أنحاء العالم، وفقا لساند. وادعى المفكر الألماني – اليهودي، موشيه هِس، في كتابه الصادر عام 1862، أن "اليهود كانوا دائما كتلة عرقية منفصلة. وبداية هذا العرق في مصر القديمة... وليست التوراة هي التي حافظت على اليهود كيهود، وإنما الانتماء للعرق". وكتب هس أن "العرق اليهودي هو عرق أصلي، قائم بحد ذاته، وكامل، وليس للرب سيطرة عليه كي يغير شكله في أي مكان في العالم". والحل بحسبه، هو الهجرة إلى فلسطين، لأنه "بإمكان الاستقلال القومي فقط أن يطور هذا العرق السامي. وبالإمكان الاعتماد على الدين من أجل الحفاظ على الهوية اليهودية".

ورغم أن مصطلح الصهيونية لم يكن موجودا في العام 1882، إلا أن ليئون بينسكر، الروسي اليهودي، أصدر كتابا في هذه السنة، استند فيه إلى فكرة وجود "شعب – عرق" يتنقل في أنحاء أوروبا بينما أصوله في فلسطين. وكتب متسائلا "أي شعب آخر بإمكانه الإشارة إلى ماض تاريخي، عرق مشترك لا يشوبه اختلاط، وقوة حيوية لا تتوقف (مثل اليهود)؟".

وأشار ساند إلى أن النمساوي – اليهودي ناتان بيرنباوم، هو الذي وضع مصطلح الصهيونية لأول مرة، معتبرا أنه "لا يمكن تفسير الميزة العقلية والعاطفية لشعب معين سوى بواسطة العلوم الطبيعية. وبتميز العرق يتميز الشعب. والثقافة واللغة لا تصنعان الشعب وإنما الأصل العرقي". وأضاف ساند أن كلمة "عرق" مذكورة في كتاب هرتسل "دولة اليهود"، لكن من دون سياق بيولوجي أساسي. وحسب هرتسل "نحن كيان تاريخي، أمّة من عناصر أنثروبولوجية مختلفة. وهذا يكفي من أجل دولة اليهود. لا توجد أي أمة مؤلفة من عرق واحد".

موشيه هس

وشدد ساند على أن "الكثيرين من الصهاينة فضلوا العرقنة الذاتية من أجل تبرير طريقهم السياسية". وأحد هؤلاء هو ماكس نورداو، مساعد هرتسل، الذي كتب بعد أن خاب أمله من إمكانية الانصهار بين الأوروبيين، أنه "يستحيل استبدال العرق. واليودوفوبيا لم تخلق العرق اليهودي، وإنما أيقظت وعيه وحسب"، وادعى أنه توجد قرابة دم بين جميع اليهود.

وكان زعيم اليمين في الحركة الصهيونية، فلاديمير جابوتينسكي، وهو الأب الروحي لحكام إسرائيل الحاليين، أكثر عنصرية من نورداو، كما أكد ساند. وكتب في العام 1904 أنه "ليس في تربية الإنسان ينبغي البحث عن مصدر الشعور القومي، وإنما في دمه، وفي طبيعته الجسدية – العرقية، وفيهما فقط. ولهذا فإننا لا نؤمن بالاندماج الروحاني. ومن المستبعد من الناحية الجسدية أن يتكيف يهودي، وُلد لعدة أجيال من ذوي دم يهودي نقيّ من أي اختلاط، مع مزاج ألماني أو فرنسي، تماما مثلما من المستبعد بالنسبة لزنجي أن يتوقف عن كونه زنجيا".

واعتبر جابوتونسكي أن مصطلح "عرق" هو مصطلح علمي، وأنه سيتم العثور في المستقبل على التركيبة العرقية بواسطة فحوصات الدم، وعندها سيتضح وجود عرق إيطالي وعرق بولندي وما إلى ذلك. وبحسبه، فإنه يجب الحذر، "لأن الديانة التي حافظت على ميزات اليهود تراجعت، وثمة خطر باختفاء العرق المختار. والتجمع في الأرض الموعودة سيكون الضمان الوحيد لمنع هذا الخطر الوجودي".

ولفت ساند إلى أن قياديين صهاينة يساريين أيضا حملوا أفكارا مشابهة لنورداو وجابوتينسكي. وأحد هؤلاء هو مارتن بوبر، الذي اعتبر أن الشعب هو أولا مجتمع مبني على الدم، أو سلسلة بيولوجية لأجيال كثيرة، "والدم هو الجذور والقوى التي تغذي كينونة الفرد".

وبالنسبة لأرتور روبين، الذي يصفه ساند بأنه "أحد أكثر الشخصيات ’اليسارية’ المركزية والمثيرة في تاريخ المشروع الصهيوني، وعالم اجتماع جامعي وخبير ’علمي’ بالأعراق. وكان يتوق لأن يكون ألمانيا". وهاجر روبين إلى يافا، عام 1908، وتولى منصب رئيس "المكتب الفلسطيني للاستيطان"، وعمل بالأساس في شراء الأراضي من الفلسطينيين ونقلها إلى اليهود. وادعى روبين أن اليهود، بسبب تنقلهم في العالم، ليسوا عرقا نقيا، "لكنهم يشكلون بشكل مؤكد مجموعة جينية" خرجت من فلسطين، وهم أحفاد محاربي الملك داود، ولأنهم شُتتوا وكافحوا من أجل بقائهم، فإنهم "طوروا مزايا ثقافية خاصة ولا يوجد لباقي الشعوب مثلها".

ولا يطبق روبين هذه "المزايا" على جميع اليهود. "فيهود الشرق العربي، مثل العرب اليوم، ليسوا متساوين مع يهود أوروبا (الأشكناز)، وثمة شك إذا كان مجديا تشجيع هجرتهم إلى فلسطين". وفي المقابل، فإن على الأشكناز الإسراع بالهجرة إلى "موطنهم"، ليس بسبب ملاحقتهم، وإنما لأن "الزواج المختلط يبيد سماتهم العرقية ويمنع نمو كفاءات في الأجيال القادمة"، وأنه "بإمكان الصهيونية أن تبرر وجودها فقط من خلال انتماء اليهود العرقي إلى شعوب الشرق الأدنى".

جابوتينسكي

وكتب مؤسس إسرائيل ورئيس حكومتها الأول، دافيد بن غوريون، عام 1918، سوية مع يتسحاق بن تسفي، الذي سيصبح ثاني رئيس لإسرائيل، أن "الادعاء بأنه لدى احتلال القدس على أيدي تيتوس، وبفشل تمرد بار كوخبا، توقف اليهود تماما عن زراعة حقول أرض إسرائيل، يُظهر عدم معرفة مطلق بتاريخ إسرائيل. والسكان القرويون، رغم القمع والمعاناة، بقوا كما هم. وليس أصل الفلاحين من المحتلين العرب الذين استولوا على أرض إسرائيل وسورية في القرن السابع الميلادي. والمنتصرون العرب لم يبيدوا المزارعين الذين وجدوهم في البلاد. وإنما طردوا الحكام البيزنطيين الغرباء فقط. ولم يصيبوا السكان المحليين بأي أذى".

وتراجع بن غوريون وبن تسفي عن موقفهما هذا، في العام 1948، عندما أصبح عدد المستوطنين اليهود في فلسطين أكثر من ثُلث السكان، وعادوا إلى الأسطورة "المسيحية – الصهيونية" حول اقتلاع اليهود في بداية التقويم الميلادي، وتحول الفلسطينيون إلى غرباء جاؤوا إلى البلاد قبل فترة قصيرة.

إلا أن الصهيونية لم تنجح حتى اليوم بوضع تعريف من هو اليهودي. وأشار ساند إلى أنه قبل وبعد قيام إسرائيل، سعت مجموعة من الأطباء والعلماء الصهاينة إلى إظهار وجود ميزات لليهود. وحاولوا في البداية إثبات ذلك من خلال أمراض وراثية، بمعنى أنها أمراض تميز اليهود فقط. وقد وجدوا أمراضا كهذه بالفعل، لكن تبين أن أمراضا تصيب اليهود في أوروبا الشرقية مختلفة عن الأمراض التي تصيب اليهود في المغرب، والأمراض التي تصيب اليهود في العراق مختلفة كليا عن تلك التي تصيب اليهود في ألمانيا. وأكد ساند على أن "المحاولات من أجل إثبات وجود شعب – عرق يهودي بموجب أمراض وراثية انهارت بسرعة، وأبقت ’العلم’ الصهيوني محرجا".

ربما تراجعت الأبحاث العرقية في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، أو في النصف الثاني من القرن العشرين، لكن هذا النوع من الأبحاث تعزز في أوساط العلماء الصهاينة. وأحد أبرز هؤلاء هو البروفيسور حاييم شيبا، الذي يطلق اسمه على أكبر مستشفى في إسرائيل. وحتى أن شيبا لام الزعيم النازي أدولف هتلر، بادعاء أنه دمج بين السياسة و"العلم"، واعتبر أن "هتلر ونظرية العرق الألمانية جعلت الثقافة البشرية تنفر من أي شيء متعلق بنظرية الوراثة"، واعتقد أنه يجب تصحيح ذلك.

وتخرج على أيدي شيبا العديد من علماء الوراثة. ووفقا لساند، فإنه إذا كانت هناك، خلال الأعوام 1945 ومنتصف السبعينيات، كوابح أثارت ترددا في عرقنة اليهود بشكل واضح، فقد اختفت هذه الكوابح لاحقا بشكل كامل، خاصة بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة. "وسعت مقالات وكتب ورسائل دكتوراه، صدرت بالانجليزية بالأساس، إلى إثبات وجود عرق يهودي".

ولا تزال هذه الأبحاث مستمرة حتى اليوم، ويوجد في جامعة تل أبيب معهد "بيت الشتات" الذي يدعي رصد نسب الأفراد وفقا لـ دي.أن.إيه. وصرح رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في العام 2016، بأن شقيقه أجرى فحصا كهذا، وأكتشف أن أصوله اليهودية – الليتوانية ليست نقية، وأنه يوجد في شجرة نسبه جينات تميّز يهود إسبانيا، ليعلن أن "هذا يعني أن جميع إسرائيل (أي اليهود) إخوة، وأعتقد أن هذه إحدى العبر الكبرى بالمجيء إلى هذا البيت، وإلى هذه المؤسسة. ونحن نرى عائلة شعب إسرائيل".

ولفت ساند إلى أنه يتم تجاهل تحذيرات علماء وراثة إسرائيليين قلائل، مثل رفائيل فالك وعيران إلحاييك، من عرقنة اليهود بواسطة اختراع أصل يهودي وراثي متخيل. "والاحتيال العلمي – الزائف الذي في صلب التعطش الهائل لتعزيز الهوية الإثنية – القومية لليهود، في إسرائيل والعالم، قوي للغاية. وهو شبيه بشكل بالغ بأبحاث الأنثروبولوجيا الحيوية التي جرت في نهاية القرن الـ19، وكانت غايتها في حينه تأسيس الهوية والتفوق الأبيض في عصر الحكم الاستعماري. ومثل النظرية العرقية المعادية لليهود قبل مئة عام، فإن نظرية الوراثة اليهودية في نهاية القرن العشرين تقف أمام قضية ’علمية’ محرجة. فحتى الآن، ليس بالإمكان تحديد من هو يهودي ومن هو ليس يهوديا بموجب نتائج دي.أن.إيه.".

ويندرج هذا الكتاب ضمن مشروع ساند لتفنيد الرواية الصهيونية، وكان قد أصدر في السنوات الماضية ثلاثية "اختراع الشعب اليهودي"، "اختراع أرض إسرائيل" و"كيف لم أعد يهوديا". وقد صدرت ترجمة بالعربية لهذه الكتب الثلاثة.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ