خلال النكبة: نهب اليهود لأملاك العرب وسيلة لإفراغ البلاد منهم

خلال النكبة: نهب اليهود لأملاك العرب وسيلة لإفراغ البلاد منهم
نهب أملاك العرب في حيفا

ارتكب اليهود أعمال نهب أملاك من بيوت العرب في البلاد، خلال النكبة وبعدها. ويؤكد المؤرخ الإسرائيلي، آدم راز، على أن أعمال النهب هذه ارتكبت في جميع أنحاء فلسطين.

وأكد راز على أن "أعمال النهب كانت وسيلة لتنفيذ سياسة إفراغ البلاد من سكانها العرب. أولا، بالمفهوم القانوني، حوّلت أعمل النهب منفذيها إلى مجرمين. ثانيا، قد حوّلت السارقين، الذين نفذوا عملا فرديا، إلى شركاء، رغما عنهم، في عمل سياسي. إنهم شركاء خاملون لخط سياسي سعى إلى إفراغ البلاد من سكانها العرب، ولديهم مصلحة بعدم عودة السكان العرب".

تابعوا تطبيق "عرب ٤٨"... سرعة الخبر | دقة المعلومات | عمق التحليلات

وأضاف راز في مقابلة معه، بمناسبة صدور كتابه "نهب أملاك العرب خلال حرب الاستقلال"، نشرتها صحيفة "هآرتس" اليوم، الجمعة، أن "السارق الذي نهب أملاك جاره لم يكن يعي عملية إشراكه في خط سياسي سعى إلى منع عودة العرب إلى البلاد، لكن عندما تدخل إلى مبنى الجار وتخرج أملاك العائلة العربية التي سكنت هناك حتى الأمس، فإنه لديك على الأقل محفز بألا يعودوا بعد شهر أو سنة. وكان لهذه الشراكة الخاملة بين الخط السياسي الكبير وبين السارق الفرد، تأثير للأمد البعيد: لقد عززت الخط السياسي الذي دفع نحو فصل بين الشعبين في السنوات التي أعقبت الحرب".

وبين الوثائق التي تضمنها الكتاب، بروتوكول اجتماع للجنة المركزية لحزب "مباي"، من يوم 24 تموز/ يوليو 1948، المحفوظة في أرشيف حزب العمل الإسرائيلي. وقال رئيس حكومة إسرائيل الأول، دافيد بن غوريون، بعد شهرين من إعلانه عن تأسيس إسرائيل، وفقا لهذه الوثيقة، إنه "اتضح أن معظم اليهود لصوص... وأقول هذا عن قصد وببساطة، لأن هذه حقيقة لأسفي. رجال مرج بن عامر سرقوا! رائدوا الطلائعيين، وذوي أولاد البلماحّ وشارك الجميع في ذلك، الحمد لله، رجال نهلال... وهذه آفة عامة. هذا أمر مرعب، لأنه يكشف عن عيب ما جذري. سرقة وسطو، ومن أين جاءنا هذا؟ لماذا وصل رجال البلاد، بانوها، مبدعون، طلائعيون، إلى هذه الأعمال؟ ماذا حدث؟".

يجمع راز في الكتاب، الصادر عن دار النشر "كرمل" بالتعاون مع معهد "عكيفوت" الذي يُعنى بجمع وثائق الأرشيفات الإسرائيلية المتعلقة بالصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، كافة المعلومات المحفوظة في الأرشيفات حول نهب اليهود لأملاك العرب إبان النكبة، من طبرية شمالا وحتى بئر السبع جنوبا، ومن يافا حتى القدس. وشمل النهب المساجد والكنائس والقرى المنتشرة بين الييشوف اليهودي.

أفراد عصابة صهيونية بعدما سرقوا صورا من بيوت عربية

وأكد راز على أن "أجزاء كثيرة من الجمهور الإسرائيلي، مواطنون ومقاتلون على سواء، كانوا ضالعين في نهب أملاك الجمهور العربي. وانتشر النهب كالنار في الهشيم في أوساط الجمهور اليهودي". وقال إن أعمال النهب هذه شملت محتويات عشرات آلاف البيوت والحوانيت، ومعدات ميكانيكية، ومصانع، ومنتجات زراعية وغير ذلك. كما شملت آلات بيانو، وكتبا، وملابس، ومجوهرات، وطاولات، وأدوات كهربائية، ومحركات وسيارات.

"نفذنا ما مارسوه ضدنا في المحرقة"

وكتب يتسحاق بن تسفي، الذي أصبح الرئيس الثاني لإسرائيل، إلى زميله بن غوريون، أنه شارك في أعمال نهب أملاك العرب "يهود ’نزيهون’ ينظرون إلى عملية السطو أنها أمر طبيعي ومسموح به". وأضاف أن ما يحدث في القدس مس "بشكل رهيب بكرامة الشعب اليهودي والقوات المقاتلة. ولا يمكنني السكوت على النهب، سواء المنظم على أيدي مجموعات وغير المنظم على أيدي أفراد. وأصبح هذا النهب ظاهرة عامة... ويوافق الجميع على الرأي بأن السارقين اليهود يغزون الأحياء المهجورة مثلما يهاجم الجراد حقلا أو بيارة".

ونقل راز عن تقرير من العام 1949 من أرشيف مكتب "حارس أملاك الغائبين"، دوف شفرير، أن "هروب حشود السكان العرب الخائفين وترك أملاك هائلة في مئات وىلاف البيوت، الحوانيت، المخازن والورش، التخلي عن المصول في الحقول، والفواكه في الحدائق والبيارات والكروم، وكل هذا خلال جلبة الحرب... وضع الييشوف المقاتل والمنتصر أمام إغراء مادي خطير... وغريزة الانتقام، المبرر الأخلاقي والإغراء الماضي أوقعوا الكثيرين... وتدحرجت الأمور في الميدان في منحدر من دون كوابح".

وتضمنت وثيقة في أرشيف "يد تبنكين" شهادة القيادي في "بلماح"، حاييم كرمر، الذي تم إرساله إلى طبرية بادعاء منع أعمال نهب أملاك العرب. "سكان طبرية غزوا البيوت مثل الجراد... واضطررنا إلى استخدام الضرب والجَلد، وأن نضربهم ونرغمهم على ترك الأشياء على الأرض".

كذلك وصف يوسف نحماني، وهو من بين مؤسسي "البلماح" وأحد المسؤولين عن تهجير العرب من طبرية، في وثيقة أخرى، كيف أن "الحشود اليهودية داهمت الحوانيت وبدأت تنهبها... عشرات، في مجموعات، سار اليهود ونهبوا بيوت وحوانيت العرب".

ووصف المدعي العام الذي رافق القوات الصهيونية في حيفا، في حزيران/ يونيو 1948، عدم إنفاذ القانون والعقوبات المخففة بالقول: "هذا اعتداء واسع بكل بساطة. ولدى جميع الضباط ذرائع: ’جئت قبل أسبوعين فقط’ وما إلى ذلك. ولا يوجد أحد يمكن القبض عليه".

ووفقا لشهادة كرمر، فإنه "كانت هناك منافسة بين وحدات الهاغانا، التي جاءت بسيارات ومراكب وحمّلت أشياء متنوعة، ثلاجات وأسِرة وغير ذلك"، موضحا أن "الجموع اليهودية في طبرية اندفعت لتفعل مثلهم. وأثار هذا انطباعا سيئا لدي، لبشاعة ذلك".

وأضاف: "لقد كان بالإمكان مشاهدة أشخاص يتجولون بين الحوانيت المنهوبة ويأخذون منها ما تبقى في أعقاب النهب المُشين. وتجولتُ في الشوارع وشاهدت مدينة كانت قبل وقت قصير طبيعية. وها هي الآن مدينة أشباح، منهوبة، وحوانيتها مستباحة وبيوتها خالية من ساكنيها. وكان المشهد الأكثر خزيا لأشخاص يفتشون في الأكوام المتبقية بعد النهب الكبير. وشاهدت هذه المشاهد المهينة في كل مكان".

وقالت المقاتلة في "بلماح"، نتيفا بن يهودا، التي شاركت في احتلال طبرية، إن "هذه المشاهد كانت معروفة لنا. لكن كيفنا مارسوا ضدنا هذه الأمور، في المحرقة، طوال الحرب العالمية كلها، وكافة الاعتداءات على اليهود. كم كنا نعرف هذه المشاهد. وهنا؛ نحن نمارس هذه الأمور الرهيبة ضد آخرين. لقد حمّلنا كل شيء على التندر، وكانت أيدينا ترتجف بقوة. وهذا لم يكن محترما. وما زالت يداي ترتجف حتى الآن، لمجرد أن أكتب ذلك".

"يقاتلون بيد وينهبون باليد الثانية"

ولفت راز إلى أن طبرية كانت المدينة الفلسطينية الأولى التي يسكن فيها يهود والتي احتلتها العصابات الصهيونية، وقد كان الاحتلال والنهب فيها "النموذج الأعلى لكل ما سوف يحدث في الأشهر المقبلة في المدن العربية والمختلطة في البلاد". لكن راز اكتشف أيضا أنه لا توجد معطيات رسمية حول عمليات نهب أملاك العرب وحجمها وقيمتها المالية، رغم أنه واضح أنها حدثت في جميع المدن "وبحجم واسع".

وبحسب شهادة موثقة أدلى بها زئيف يتسحاقي، الذي شارك في احتلال حي الحليصة في حيفا، فإنه "فيما كانوا يحاربون ويحتلون بيد واحدة، وجد المقاتلون وقتا للنهب، مثل ماكينات خياطة (...) وملابس باليد الثانية".

وأضاف تسادوق إيشل، من لواء "كرميلي"، أن "الأشخاص أخذوا كل ما وصلت إليه أيديهم. وبادر أشخاص إلى فتح الحوانيت المهجورة وحمّلوا البضائع على أي سيارة. لقد سادت فوضى. وإلى جانب الفرح بتحرير المدينة والاستراحة بعد أشهر من أحداث دامية، كان هذا أمرا صادما أن ترى حماسة المواطنين بالاستباحة وغزو بيوت أناس كان القدر قاسيا عليهم وحولهم إلى لاجئين".

وكتب يوسف نحماني، بعد زيارته حيفا، أن "المسنين والنساء دون فرق بين السن والمكانة الدينية، جميعهم انهمكوا بالنهب. ولم يمنعهم أحد. خزي وعار يغطي وجهي وأرغب بأن ابصق على المدينة وأغادرها. وهذا سينتقم بنا وبتربية الفتية والأولاد. لقد فقد الأفراد أي شعور بالخجل وأعمال كهذه تمس بالأساس الأخلاقية للمجتمع".

وكتب أعضاء "مكتب التجارة والصناعة العبري" في تقرير بعنوان "وباء النهب والسطو"، أن "هذه الآفة انتشرت في جميع الوحدات وكافة الرتب القيادية... وارتدت السرقات والنهب أحجاما مرعبة وانشغل جنودنا بهذا العمل بحجم يشكل خطرا على قدراتهم القتالية وولائهم لمناصبهم".

وبعث الحزب الشيوعي رسالة إلى "مديرية الشعب" وقيادة "الهاغانا"، محذرا من "حملة نهب، سطو وسرقة أملاك العرب بأخجام مرعبة. وجرى إفراغ الغالبية العظمى من بيوت السكان العرب من أي شيء ذي قيمة، وسُرقت البضائع والحاجيات من الحوانيت، وتم إخراج الماكينات من المصانع".

وكتب بن غوريون في مذكراته، بعد احتلال حيفا، عن "نهب مطلق وكامل" في حي وادي النسناس، نفذه أفراد عصابتَي "إيتسل" و"الهاغانا". وأضاف: "كانت هناك حالات وجدوا فيها لدى أعضاء الهاغانا أغراضا مسروقة، وحتى لدى الضباط". ونشرت الصحف العبرية، بينها "هآرتس" و"معاريف" تقارير عن عمليات النهب هذه.

ويقتبس راز قولَ قائد سرية في عصابة صهيونية، يدعى موشيه سلومون، وشارك في المعارك في القدس: "انجرف الجميع، الأنفار والضباط على حد سواء. وشملت شهوة الأملاك الجميع. وبحثوا في كل بيت، ووجدوا بضائع، قطع ثمينة. وفي هذا الميدان لا حدود لأعمال الإنسان. وفعلا هنا يبدأ الانزلاق الأخلاقي والإنساني".

ووصف أحد قادة حركة "بريت شالوم" والمحاضر في الجامعة العبرية في القدس، دافيد سنتور، ما شاهده في المدينة قائلا: "عندما تمر في هذه الأيام في شوارع رحافيا، ترى عند أي خطوة وشبر مسنين، شبان وأولاد عائدين من القطمون أو أحياء أخرى حاملين أكياسا مليئة بأشياء مسروقة. والغنائم متنوعة: ثلاثجات وأسرة، ساعات وكتب، وملابس داخلية... أي خزي وعار جلبه علينا اللصوص اليهود، وأي دمار أخلاقي ألحقوه بنا. فالفوضى الرهيبة آخذة بالانتشار بين الفتية وكذلك بين البالغين".

ووصف ضابط العمليات في لواء "عتصيوني"، إلياهو أربيل، جنودا "يحملون سجادا فارسيا". وأضاف أنه عندما أوقف مركبة مدرعة "رأينا أنها مليئة ثلاجات، وبتيفونات، وسجاد، وكل ما تشاء".

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص