السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية../ د.محمود محارب

السياسة الإسرائيلية  تجاه القضية الفلسطينية../ د.محمود محارب

أسفرت الانتخابات الأخيرة في إٍسرائيل عن فوز واضح لمعسكر اليمين واليمين المتطرف والمتشدد في إسرائيل. وعبرت هذه الانتخابات عن استمرار سير المجتمع الإسرائيلي نحو العدوانية والتطرف. وقد تمكن بنيامين نتنياهو من تشكيل حكومة ائتلافية ضمت خمسة احزاب من معسكر اليمين واليمين المتطرف بالإضافة إلى حزب العمل. وهي: حزب الليكود وله 27 مقعدا في الكنيست وحزب إسرائيل بيتنا وله 15 مقعدا وحزب العمل وله 13 مقعدا وحزب شاس وله 11 مقعدا وحزب يهدوت هتوراه وله 5 مقاعد وحزب البيت اليهودي وله 3 مقاعد في الكنيست.

إن عملية اتخاذ القرار السياسي في إسرائيل بصورة عامة وفي القرارات التي تتعلق بالقضية الفلسطينية بصورة خاصة، عملية مركبة ومعقدة تتأثر بعوامل مختلفة، وفي كثير من الأحيان متضاربة. فهي تتأثر بعوامل اسرائيلية مختلفة وبعوامل دولية، وأساسا بالعلاقات مع الولايات المتحدة، وكذلك بعوامل إقليمية.

ولذلك عند حدوث تداول للسلطة في إسرائيل، كما حصل اثر الأنتخابات الأخيرة، لا يحدث بالضرورة، على أرض الواقع، تغيير كبير في السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية. وستحاول هذه الورقة الوقوف على السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية تحت قيادة الحكومة الإسرائيلية الجديدة، والتي بدأت حكمها في ظل انتهاء فترة حكم بوش وبداية حكم إدارة أوباما، التي تخوف الإسرائيليون من قدومها، وكذلك ستطل هذه الورقة باقتضاب على الوضع القلسطيني الراهن.

يعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والذي يتزعم معسكر اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل، من ابرز منظري حزب الليكود. وينسجم طرحه الأيديولوجي المستند على فكر جابوتينسكي وخاصة على مقولته "الجدار الحديدي" التي تدعو إلى استعمال القوة العسكرية لتحقيق اهداف الصهيونية، مع التوجه العام للجمهور الإسرائيلي. فلكونه مجتمع مهاجرين ومستوطنين الذي أقام دولته على حساب وأنقاض الشعب العربي الفلسطيني ما انفك المجتمع الإسرائيلي يتبع سياسة القوة والهيمنة ويتبنى قيماً عنصرية معادية للعرب عامة وللفلسطينيين خاصة، تنادي باقتلاع الفلسطينيين وتهجيرهم من وطنهم.

وفي ظل اضمحلال القيم الإنسانية في المجتمع الإسرائيلي، وسيادة القيم العنصرية النافية للآخر، وانغلاقه على نفسه، ورفضه الحوار مع الآخر إلا من منطلق القوة والهيمنة والاستعلاء والإقصاء، وفي ظل رفضه الاندماج في المنطقة وسعيه عوضاً عن ذلك إلى الهيمنة عليها، وفرض "الحل الوسط" الذي تتوصل إليه في ما بينها نخبه؛ بدل التوصل إلى "حل وسط" تاريخي مع الفلسطينيين والعرب، يظل المجتمع الإسرائيلي يدور في فلك العنصرية والعدوانية والاستقواء، ولعله لا يحرره منها إلا ظهور حالة فلسطينية وعربية مقاومة تدفعه ثمن العدوانية والاستقواء.

ومما يعزز عنصرية وعدوانية الأجماع الصهيوني أن "اليسار" الإسرائيلي الصهيوني لا يضع بديلاً سياسياً وأيديولوجياً لليمين. ليس هذا فحسب، فهو نفسه الذي ساهم مساهمة أساسية في خلق هذه القيم العنصرية. فهو يسار بدون أن تكون له قيم اليسار مثل: العدالة والمساواة والسلام وحق الشعوب في تقرير مصيرها. فقيمه العليا تتمحور حول الدولة اليهودية وكيفية الحفاظ على يهوديتها وتحقيق ما هو أفضل للدولة اليهودية وحول قدسية الجيش والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية. أإه يسار استيطاني اشكنازي تنضح قيمه ومسلكه بالكولونيالية والاستعلاء وتزدري ما هو غير غربي. إنه يعيش في أزمة وفي تناقض. فهو يدرك في قرارة نفسه أن طريق "مباي" الاشكنازية المهيمنة على الدولة والاقتصاد والمؤسسة الأمنية قد انتهت، ولكنه في الوقت نفسه يدرك أيضاً أنه إذا سار المجتمع الإسرائيلي في خيار اليمين واليمين المتطرف فإن ذلك يعني أنه سيعيش في دولة تخيفه وتتناقض مع رؤيته هو للدولة اليهودية.

ويكمن التناقض في أنه في الوقت الذي لا يريد فيه اليسار الصهيوني الخيار اليميني الصهيوني، فإنه يرغب أن يكون جزءاً من الإجماع الصهيوني، الأمر الذي يضعه في حالة من التذبذب و "العذاب" بعد عملية الأنتخابات للكنيست ثم ما يلبث أن ينخرط في حكومات وحدة وطنية مع اليمين الصهيوني بدلاً من الذهاب للمعارضه وتشكيل بديل سياسي لليمين.
حدثت في العقدين الأخيرين تغييرات حقيقية وهامة في المجتمع الإسرائيلي دفعته إلى المزيد من العدوانية والتطرف. ويمكن إيجاز هذه التغييرات في النقاط التالية:

1- تغييرات في تركيبة المجتمع الإسرائيلي، فقد هاجر في الفترة المذكورة مليون وربع المليون يهودي من الدول التي كان يتكون منها الإتحاد السوفييتي سابقا. وتحمل الغالبية الساحقة من هؤلاء المهاجرين أفكارا وآراء سياسية يمينية متطرفة ومعادية بشدة للعرب عامة وللفلسطينيين خاصة. والغالبية العظمى من هؤلاء المهاجرين ينتخبون أحزاب اليمين المتطرف واليمين.

2- فقد "اليسار الصهيوني"، مؤسس وباني الدولة العبرية، سيطرته على الإقتصاد والجيش وجهاز الدولة وحلت مكانه، أو أصبحت تشاركه، نخب جديدة أكثر عدوانية وتطرفا منه.

3- تغييرات في تركيبة الجيش الإسرائيلي؛ ونجم عن هذه التغييرات أن تلاشت هيمنة الأشكناز التابعين لليسار الصهيوني على الجيش، وازداد عدد وقوة ونفوذ "مجموعات الأطراف" في الجيش الإسرائيلي، المكونة من مستوطنين ويهود روس وفقراء اليهود الإسرائيليين وخاصة الشرقيين واليهود الأثيوبيين.

وهذه المجموعات تتخذ مواقف أكثر عدوانية وتطرفا من بقية شرائح المجتمع الإسرائيلي، وقد باتت تحتل، وخاصة المستوطنين، مكانة هامة في معظم مراتب الجيش الإسرائيلي، وأصبحت المستوطنات في الأراضي العربية المحتلة في العام 1967 تقوم بالدور الذي قامت به الكيبوتسات في العقود الثلاثة الأولى لقيام إسرائيل لجهة إمداد الجيش الإسرائيلي بالضباط والجنود للخدمة الدائمة فيه.

4 – الاستعداد لارتكاب جرائم حرب؛ أدركت قيادة الجيش الإسرائيلي في هذه الفترة، وقامت بإيصال هذا الإدراك إلى القيادة السياسية في إسرائيل وبثته في المجتمع الإسرائيلي، أنه من اجل الحفاظ على الردع الإسرائيلي لا بد للجيش الإسرائيلي من أن يرتكب جرائم حرب ضد المدنيين العرب، تخالف القوانين والمواثيق الدولية، في أية حرب قادمة.

تنطلق استراتيجية حكومة نتنياهو تجاه الشعب العربي الفلسطيني والدول العربية، من منطلقات القوة والحرب والصراع وموازين القوى وخلق الأمر الواقع. وهي تسعى إلى تحقيق أهدافها وفرض الحل الذي ترتأيه على الشعب الفلسطيني مستندة إلى عوامل قوة ترجح ميزان القوى لصالحها. فوضعها الأقتصادي المتطور والذي يصل دخل الفرد السنوي فيه إلى 20 ألف دولار يمكنها من تخصيص ميزانية مرتفعة للأمن. وهي تتفوق على جميع الدول العربية في الأسلحة التقليدية وتحتكر السلاح النووي وتمتلك القدرة على القيام بـ"الضربة النووية الثانية"، وتتمتع بإرادة سياسية موحدة تساهم المؤسسة الأمنية في بلورتها وفي حشد المجتمع الإسرائيلي من خلال عملية "الديمقراطية الإسرائيلية" القائمة على "مقدسات" أيديولوجية وسياسية وأمنية تتمحور حول قدسية الدولة اليهودية والجيش والأمن.

وفوق ذلك كله، تتمتع إسرائيل بعلاقات مميزة وراقية للغاية مع الولايات المتحدة الأميركية، تحصل بموجبها على مساعدات ودعم أميركي حيوي وهام جدًا في المجالات العسكرية والإقتصادية والسياسية بهدف الحفاظ على تفوق إسرائيل على كل من يحيطها من العرب.

في ضوء ذلك، ونتيجة للضعف الفلسطيني وانقسام حركته الوطنية وعدم تبني استراتيجية فلسطينية واضحة تحدد الهدف الذي يناضل من أجله الفلسطينيون ووسائل النضال لتحقيقه، وكذلك نتيجة لضعف الدول العربية واضمحلال العمل العربي المشترك وتفشي الأنقسام والصراع بين الدول العربية، واستفحال الصراعات الداخلية في الكثير من الدول العربية، وتخليها عن مواجهة إسرائيل وتعاملها مع التفوق الإسرائيلي العسكري عليها كمعطى ثابت لايمكن تغييره؛ يشكل العامل الديمغرافي الفلسطيني، ووجود الحركة الوطنية الفلسطينية، بإيجابياتها وسلبياتها، العامل الأساسي المؤثر على الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه مصير المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 بشكل خاص والقضية الفلسطينية بشكل عام.

فاستمرار وجود الشعب الفلسطيني في وطنه وتزايده رغم الاحتلال وبطشه، شكل معضلة مزمنة لإسرائيل تفاقمت يوما بعد آخر. وتنبع هذه المعضلة من التناقض القائم بين الهدف الصهيوني القاضي بضم الضفة الفلسطينية من ناحية، وبين هدف الحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية من ناحية أخرى.
منذ وصول شارون إلى دفة الحكم في إسرائيل في العام 2001 حسمت إسرائيل أمرها وبلورت استراتيجية تجاه المناطق الفلسطينية المحتلة سنة 1967، تسعى إلى حل هذا التناقض لصالحها وعلى حساب الشعب الفلسطيني، بإقامة نوع من نظام الأبارتهايد، تضم وفقه أكثر ما يمكنها ضمه من أراضي الضفة الفلسطينية المحتلة وتقوم باعادة الأنتشار من المناطق المكتظة بالفلسطينيين واقامة "دولة" فلسطينية في ما يتبقى من الضفة الفلسطينية وفي قطاع غزة، تكون تحت النفوذ الإسرائيلي المكثف تخترقها أسافين الكتل الأستيطانية ويحيطها جدار الفصل العنصري والقواعد العسكرية الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، ومن أجل تنفيذ رؤيته وخطته، قام شارون بشق حزبه الليكود، الذي رفضت غالبيته خطة شارون، وبتأسيس حزب كديما. لقد تمحورت خطة شارون (فك الأرتباط ) بتفكيك الأحتلال والأستيطان من داخل قطاع غزة والتحكم بالقطاع والسيطرة عليه من خارجه، وبتركيب الأستيطان وتعزيزه في الضفة الفلسطينية المحتلة وفي مقدمتها القدس الشرقية المحتلة.

يتمحور لب المعركة التي تخوضها إسرائيل في ما يخص الجانب الأقليمي في صراعها مع الفلسطينيين، خاصة منذ خطة شارون، حول توسيع المساحة الجغرافية التي تزمع اقتطاعها من الضفة الفلسطينية، وخاصة في القدس و"الكتل الأستيطانية" المتوسعة باستمرار، وايضا ما أمكنها استيطانه من مناطق أخرى في الضفة، لتكثيف الأستيطان فيها وضمها إلى إسرائيل في أي حل مستقبلي، سواء كان ذلك الحل مفروضا من قبل إسرائيل أو متفق عليه مع القيادة الفلسطينية.
يشكل الاستيطان اليهودي في الضفة الفلسطينية المحتلة الأداة الأساسية في يد إسرائيل لخلق واقع ديمغرافي وسياسي جديد وفرضه على الفلسطينيين.

يقترب عدد المستوطنين في الضفة الفلسطينية المحتلة من نصف مليون مستوطن، 200 ألف مستوطن في القدس الشرقية المحتلة عام 1967 و 290 ألف مستوطن في باقي أنحاء الضفة الفلسطينية. وهناك 210 آلاف مستوطن في مجموعة كتل استيطانية في الضفة تقع غربي جدار الفصل و80 ألف مستوطن في مستوطنات شرقي جدار الفصل.

منذ الاحتلال في العام 1967 بادرت جميع الحكومات الإسرائيلية وأقامت وعززت الاستيطان في المناطق الفلسطينية المحتلة. وكانت هذه الحكومات مستعدة لدفع الثمن السياسي الناجم عن الضغط الدولي والثمن الاقتصادي الناجم عن إقامة وتوسيع الاستيطان. ويمكن التمييز بين ثلاث مراحل اساسية في عملية الأستيطان منذ 1967 وحتى اليوم، لعل ذلك يساعد في إدراك سياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه الاستيطان.

1. 1967 - 1992 أقامت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة والمختلفة المستوطنات، سواء حكومات حزب العمل أو حكومات حزب الليكود أو حكومات "الوحدة الوطنية" بين الحزبين الكبيرين، بهدف تهويد الأرض ورسم الحدود المستقبلية وتعزيز القبضة الإسرائيلية على الأرض ولمنع انسحاب إسرائيلي مستقبلي. وقد رعت جميع الحكومات الإسرائيلية المشروع الاستيطاني وعززته بمثابرة وتصميم واستمرار كل منها وفق رؤيتها السياسية والأيديولوجية.

2. 1992 - 2004 منذ العام 1992 بدأت حكومة رابين التمييز بين كتل استيطانية ستضمها إسرائيل في الحل الدائم المستقبلي، وبين ومستوطنات منفردة ستساوم إسرائيل عليها مع الفلسطينيين. كذلك أدرك رابين أن المفاوضات مع الفلسطينيين تخفف جدًا الضغوط الدولية وخاصة الأميركية لوقف الأستيطان، فاستغل رابين عملية المفاوضات لزيادة وتعزيز المشروع الإسرائيلي الاستيطاني.

3. 2004 - 2009 منذ تفاهمات شارون وبوش ورسالة الضمانات الأميركية في العام 2004 وتطبيق خطة شارون في فك الارتباط، وخاصة منذ صعود أولمرت إلى دفة الحكم، تصرفت الحكومة الإسرائيلية وكأن الكتل الإستيطانية الواقعة غربي جدار الفصل، قد ضمت عملياً إلى إسرائيل وبالتالي استمرت في تعزيز الإستيطان في كل من الكتل الاستيطانية وفي القدس الشرقية المحتلة تحت غطاء "العملية السلمية" والمفاوضات مع الفلسطينين، والتفاهمات مع إدارة بوش، بدون إن تواجه ضغطا جديا اميركيا أو دوليا أو عربيا لوقفه.
يسعى نتنياهو وحكومته إلى تجديد التفاهمات مع إدارة أوباما حول الاستيطان، والتي كان كل من شارون واولمرت قد توصلا إليها مع إدارة بوش، وفق ما سربته حكومة نتنياهو لوسائل الأعلام الإسرائيلية. وكان جزء من هذه التفاهمات مكتوباً وآخر شفوياً وآخر ضمنياً. ورغم معارضة إدارة بوش الرسمية للاستيطان، توصل أولمرت إلى تفاهمات معها حددت ما هو مسموح وما هو ممنوع بخصوص الاستيطان.

ووفق هذه التفاهمات التزمت إسرائيل بعدم إقامة مستوطنات جديدة وعدم مصادرة أراض خاصة فلسطينية للاستيطان وعدم تقديم محفزات حكومية للاستيطان في الضفة المحتلة، وإزالة البؤر الاستيطانية. وصنفت هذه التفاهمات الاستيطان في المناطق المحتلة وفق أربعة مناطق حددت أين يسمح بالاستيطان وأين يمنع:

1- القدس الشرقية المحتلة: رفضت إسرائيل وضع أية قيود على تعزيز وتوسيع الاستيطان في القدس الشرقية.

2- المستوطنات المنعزلة: مسموح البناء في داخل منطقة البناء الحالية وممنوع توسيع الاستيطان خارج حدود مساحة البناء القائم.

3 – الكتل الاستيطانية: يسمح البناء في المستوطنات الموجودة في "الكتل الاستيطانية"، خارج خط البناء القائم شريطة أن يكون ملاصقاً له وليس بعيداً عنه بتلة أو بتلتين من آخر بيت في المستوطنة.

4 – البؤر الاستيطانية: ينبغي ازالتها

من اجل استمرار تقوية وتعزيز مشروعها الاستيطاني وفرضه وفرض تقبله كمعطى لا يمكن المساس به و"بنموه الطبيعي"، ومن اجل فرض نوع من نظام الأبارتهيد على الفلسطينيين في ما احتل من فلسطين في العام 1967 تتبع حكومة نتنياهو السياسات التالية تجاه الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني وحركته الوطنية.

1- استمرار الاستيطان في الضفة الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية المحتلة،لخلق واقع ديمغرافي جديد في الأرض الفلسطينية المحتلة يعزز المشروع الاستيطاني.

2 - استمرار الضغط متعدد الجوانب على الشعب الفلسطيني وقيادته من أجل أحداث تآكل في الموقف الفلسطيني من جميع قضايا الصراع الأساسية وخاصة في مساحة الأراضي الفلسطينية التي تقتطعها من الضفة الفلسطينية المحتلة لصالح مشروعها الاستيطاني تمهيدا لضمها إلى إسرائيل.

3- استمرار حصار الشعب الفلسطيني في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة اطول فترة ممكنة. بالنسبة لقطاع غزة تسعى إسرائيل إلى أحكام الحصار عليه ومنع وصول غالبية المواد الأساسية إليه لتدمير اقتصاده وايصاله إلى حافة الجوع، وإشغال جهد حماس الأساسي في إدارة قطاع غزة وفي السعي لتوفير المقومات الأساسة لحياة الناس.

أما بالنسبة للضفة الفلسطينية المحتلة، حيث يتم تعزيز وتطوير المشروع الإسرائيلي خارج حدود الرابع من حزيران 1967، وحيث تجرى حرب إسرائيل الأساسية ضد الشعب الفلسطيني بهدف اقتطاع مساحات واسعة منها وضمها إلى إسرائيل، تستمر إسرائيل في حصارها والسيطرة العسكرية المباشرة عليها وفي تقطيع أوصالها وتقسيمها إلى ست مناطق بواسطة الحواجز والمستوطنات وجدار الفصل: شمال الضفة، ووسط الضفة، وجنوب الضفة، ومنطقة الغور، والمناطق المحاطة بجدار الفصل، ومنطقة القدس؛ وتتحكم إسرائيل في حركة السير بين كل منطقة وأخرى.

4- الحفاظ على وتعميق الانشقاق في الحركة الوطنية الفلسطينية بين فتح وحماس، وتعميق الانفصال السياسي والجغرافي بين الضفة والقطاع وضرب المناعة الوطنية الفلسطينية والعمل بكل الوسائل على استمرار الصراع الفلسطيني الفلسطيني اطول فترة ممكنة، وجعله هو السائد.

5- رفض وقف اطلاق النار أو الهدنة، ومنح الماكنة العسكرية الإسرائيلية حرية الحركة في الاستمرار في البطش بالفصائل الفلسطينية بشكل خاص وبمجمل الشعب الفلسطيني بشكل عام. وهناك قناعة لدى القيادة الإسرائيلية أن إسرائيل تستطيع، في ضوء الانقسام الفلسطيني والوضع الأقليمي والدولي، الاستمرار في محاولة ايجاد حل عسكري للصراع مع الفلسطينيين، وانها تستطيع تحمل الأعباء الإقتصادية والخسائر البشرية المترتبة عن هذا الحل العسكري.
في مقابل الاستراتيجية الإسرائيلية الواحدة والتي تقودها حكومة واحدة وجيش واحد، وتمتلك مشروعا استيطانيا خطيرا تعمل دوما على تحقيقه، تسود منذ عقدين في الساحة الفلسطينية استراتيجيتان اساسيتان مختلفتان ومتعارضتان، لهما أهداف سياسية مختلفة وتتبنيان وسائل نضال مختلفة ومتضاربة، تأكل الواحدة منهما ثمار الأخرى.

قبل ظهور حماس في العام 1988 على مسرح النضال الفلسطيني كانت هناك خلافات وصراعات وانقسامات بين وفي داخل الفصائل الفلسطينية، بيد أن هذه الصراعات والانشقاقات، مهما كانت جديتها، لم تهدد جسد الحركة الوطنية الفلسطينية؛ في حين إن الأنقسام الحالي بين فتح وحماس واستمراره يحمل يبن ثناياه أخطارا جسيمة على الشعب الفلسطيني قد تهدد الحركة الوطنية الفلسطينية برمتها.

كان من الواضح انه إذا لم تتوصل القوى التي تحمل هاتين الاستراتيجيتين المتضاربتين، وهما فتح وحماس، إلى قواسم مشتركة واذا لم تتفقا على استراتيجية واحدة تحدد الهدف الذي يناضل الشعب الفلسطيني من أجل تحقيقه وتحدد وسائل النضال، فإن وصول الصراع بينهما، على قيادة الشعب الفلسطيني وعلى السلطة، إلى الصدام المسلح بينهما يصبح غير مستبعد. وقد حدث هذا الصدام المسلح بينهما في العام 2007، فقطعت جميع المحرمات والخطوط الحمراء، وجلب هذا الصراع والأنقسام أفدح الأضرار على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

إن أي شعب يرزح تحت نير الأحتلال لا يملك إلا أن يقاوم الأحتلال من اجل وضع حد له ولنيل حريته واستقلاله. فلم يحدث في التاريخ الحديث أن زال احتلال بمبادرته وبمحض ارادته وبدون إلحاق الأذى به. والاحتلال الإسرائيلي لا يشذ عن هذه القاعدة، خاصة وانه ليس فقط احتلالا عسكريا وإنما أيضا احتلالا استيطانيا.

وتأتي مقاومة أي شعب للاحتلال في اطار مشروع تحرري. ومن حق الشعب الرازح تحت الاحتلال استعمال مختلف وسائل النضال من اجل التحرر الوطني من الأحتلال الأجنبي، ولكنه يختار وسائل النضال الأكثر مناسبة،التي تتلاءم مع طاقاته والظروف المحيطة به اقليميا ودوليا، سواء كانت تلك السياسية أو الجماهيرية أو العسكرية أو التفاوضية، ولكن كل ذلك في اطار استراتيجية عمل وطني تحرري.

لا تكمن المشكلة في مبدأ المفاوضات ولا في مبدأ المقاومة. فمعظم حركات التحرر جمعت ما بين المقاومة والمفاوضات سواء تلك المباشرة أو غير المباشرة. وتكمن المشكلة بهذا الخصوص في أن الفريق المتنفذ في قيادة فتح وقيادة السلطة يحصر النضال الوطني الفلسطيني في المفاوضات وفقط في المفاوضات، تلك المفاوضات التي ما انفكت مستمرة منذ 16 عاما دون أن تحقق شيئا، وبات واضحا أن جميع الحكومات الإسرائيلية استعملتها وتستعملها كغطاء للاستيطان.

ومن ناحية أخرى إن تبني حماس للمقاومة بدون إخضاعها للمصلحة الوطنية ولحسابات إمكانيات القدرة على استمرار المقاومة ولحسابات موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية، وبدون التدقيق في استخدام الأشكال الأنجع في المقاومة وبدون تبني برنامج سياسي وطني يمكنها هي والشعب الفلسطيني حمله؛ أوصلها إلى طريق مسدود.

ليست هناك حلول سحرية للخروج من الطريق المسدود الذي وصلت إليه كل من فتح وحماس وسلطتيهما في رام الله وغزة. وبات واضحا اليوم انه لا مخرج من الطريق المسدود سوى العمل بجدية وبأسرع وقت على تحقيق الوحدة الوطنية القائمة على برنامج سياسي واضح يحدد وسائل النضال. برنامج سياسي يهدف إلى ازالة الأحتلال والاستيطان من جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967 واقامة دولة فلسطينية مستقلة وفق حدود الرابع من حزيران، والتمسك بحل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات المم المتحدة.

إن من شأن تحقيق ذلك أن يحشد جميع طاقات الشعب الفلسطيني في مواجهة ومقاومة الأحتلال الإسرائيلي البغيض ليصبح بالإمكان تبني سياسة فلسطينية هجومية تهدف إلى إلزام الدول العربية والمجتمع الدولي بمسؤولياتهم وتسعى إلى فرض العقوبات على إسرائيل.

لا يفتح المستقبل أوراقه لنا لقراءتها ولكن يمكن القول أنه يحمل عدة احتمالات أبرزها:

أ- استمرار الانشقاق في الساحة الفلسطينية: إذا استمر الانشقاق في الساحة الفلسطينية لفترة طويلة فإنه قد يقود إلى مزيد من الصراع الداخلي الفلسطيني الأمر الذي يضرب النضال والمناعة الوطنية الفلسطينية في الصميم، ويقود إلى إضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية برمتها، ويسهل على إسرائيل تحقيق سياستها، وفرض حل الأبارتهايد وفق رؤيتها ووفق مشروعها الأستيطاني، سواء بشريك أو بدون شريك فلسطيني.

وفي حالة تفاقم الصراع الداخلي واستمرار ذلك فترة طويلة، فقد يقود إلى ابتعاد الشعب عن الفصائل الفلسطينية والى ازدياد الفوضى واللامبالاة مما يفقد فصائل الحركة الوطنية ارادتها الوطنية، وقد يؤدي ذلك إلى عودة إسرائيل والدول العربية إلى طرح الخيار الأردني لإيجاد حل، يقوم على "إعادة" الحكم الأردني على المدن والقرى والمخيمات في الضفة، حل ليس مع الشعب الفلسطيني وقيادته، وإنما من وراء ظهره، وعلى حسابه، يتم فرضه عليه.

ب- وحدة وطنية فلسطينية: إذا تمكنت الفصائل من تحقيق وحدة وطنية ذات قيادة وطنية موحدة وأدركت إن المعركة الأساسية في الوضع الحالي، وفي الزمن المرئي تدور في الضفة كما اسلفنا، ووضعت برنامجا سياسيا واضحا يحدد الهدف الذي يناضل الفلسطينيون لتحقيقه ويحدد وسائل النضال المتفق عليها، والتي تضمن استمرار النضال وتساهم في حشد الشعب الفلسطيني والدول العربية والمجتمع الدولي؛ فإن ذلك يفتح إمكانية واسعة لإزالة الاحتلال والاستيطان من المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 واقامة دولة فلسطينية فيها.

***

عبثاً يحاول الفلسطينيون و تحاول الدول العربية منذ سنوات طويلة التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، ولكن بدون جدوى. عبثا تحاول قيادة السلطة الفلسطينية ويحاول قادة الدول العربية تغيير طبيعة الأشياء بتعاملهم مع إسرائيل كدولة عادية، ولكن بدون جدوى. فهي ليست كذلك لا من حيث الشرعية ولا التاريخ ولا الجغرافيا ولا الديمغرافيا ولا الدور ولا المكانة. عبثا يحاول قادة الدول العربية مقايضة إسرائيل ببضاعة "الأرض مقابل السلام" وهم لا يمتلكون منها شيئاً. فالأرض تحتلها إسرائيل والسلام وفق منظور اسرائيل هي نفسها التي تمنحه إلى الدول العربية والى الفلسطينيين، وهي لا تستجديه ولا تريده إلا وفق شروطها. فمن يتخلى عن استراتيجية المواجهة، ناهيك عن استراتيجية المقاومة، لا يملك قدرة منح السلام إلى الاَخر، ويصبح رهينة بيد من يمتلك القوة؛ والرهينة لا تستطيع منح السلام أو الأمن إلى سيدها. عبثا تحاول الدول العربية إن تتصالح مع إسرائيل، وهي غير متصالحة مع ذاتها ولا مع شعوبها ولا مع ماضيها أو حاضرها. عبثاً يحاول الفلسطينيون تحقيق أهدافهم الوطنية وهم في حالة انقسام خطير للغاية في حركتهم الوطنية قد يؤدي إلى وأدها. لن تقبل إسرائيل التوصل إلى سلام مع الدول العربية، مجتمعة أو كل على حدة، إلا وفق شروطها ؛ ما لم تتبن هذه الدول استراتيجية مواجهة تدفع اسرائيل ثمن الاحتلال والعدوانية.