الصراع العلماني الديني في إسرائيل- تقويم مرحلـي/ أنطـوان شلحـت

الصراع العلماني الديني في  إسرائيل- تقويم مرحلـي/ أنطـوان شلحـت

 

إلى أي مدى يشكل فلتان العناصر الحريدية اليهودية المتشددة ضد النساء، والذي يهدف إلى إقصائهن من حيّز الحياة العامة، دافعًا لتأجيج نضال مدني من أجل حقوق النساء في إسرائيل من جهة، وعنصرًا حاسمًا في اندلاع مواجهة حاسمة بين العلمانيين والمتدينين في المجتمع الإسرائيلي من جهة أخرى؟.

 

 
لدى الإجابة عن هذا السؤال لا بُدّ من التزام أقصى الحذر من الرهان على المستقبل، في ضوء حقيقة بسيطة فحواها عدم تراكم ما يكفي من العوامل التي يمكنها أن تنبئ بأن النضال المدني في إسرائيل سيغادر صيرورة كونه نضالاً مؤجلاً، وأنه إذا لم يكن في مقدور حملة الاحتجاج الاجتماعية والمطلبية التي اندلعت في الصيف الفائت أن تدفع هذا النضال قدمًا فإنه لن يكون في مقدور حملة احتجاج على التمييز ضد النساء أن تفعل ذلك.
وبناء على ذلك يجب الحذر أيضًا من أسطرة هذا الخلاف على الرغم من أنه يبدو في الظاهر حادًا للغاية، ذلك بأنه في الباطن لا ينطوي على طاقة التصعيد الذي يستجرّ الحسم.
وما يجب ملاحظته في هذا الشأن هو ما يلي:
 
1-     أن نفوذ الأحزاب الدينية والحريدية في إسرائيل الذي أصبح متسمًا بالقوة الفائضة في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية الأكثر يمينية وحريدية سيظل قويًا، وكما أشار البعض فإن تجربة الأعوام الـ 64 الفائتة تدل على أن ثلاث حكومات فقط تشكلت في إسرائيل من دون هذه الأحزاب، وذلك في السنوات 1974 و1992 و1995، ومع ذلك فإن الأحزاب التي اشتركت في ائتلافات هذه الحكومات الثلاث اهتمت بالحفاظ على مصالح الأحزاب الدينية لأنها كانت تدرك أنه سيأتي وقت تكون فيه بحاجة إلى دعمها. وعلى الرغم من أن الأحزاب اليمينية هي التي كانت تحرص دومًا على «تحالفها التاريخي» مع الأحزاب الدينية إلاّ إن حرص الأحزاب اليسارية الصهيونية على هذا الأمر لم يكن أقل من حرص اليمين. وبالتالي، ما دامت الحال مستمرة على هذا المنوال فإن احتمالات تغير الخريطة السياسية في إسرائيل، واحتمالات حدوث انقلاب جوهري في العلاقات بين المتدينين والعلمانيين، ستظل ضئيلة للغاية.
 
2-    أن هذا الخلاف يخدم لعبة بنيامين نتنياهو السياسية على المستويين التكتيكي والإستراتيجي، والتي في إطارها يضع نفسه دائمًا في موقع وسطي افتراضي يتواجد فيه. وبرسمها من المريح جدا بالنسبة له أن يسدّد أفيغدور ليبرمان الضربات له من اليمين، لأنه في هذه الحالة يثبت أنه هو ليس ليبرمان. وهو يرغب كثيرًا في أن تبقى رئيسة حزب كاديما والمعارضة تسيبي ليفني، التي لا تفعل شيئا، على يساره، فهذا دليل على أنه ليس ليفني. وبأسلوبه الخطابي الديماغوغي فإنه يتحرك في المكان الأكثر دقة في الوسط. وعمليا فإن الجميع انفلتوا، وعندما ينفلتون فإنهم يضعونه في الوسط. وهذه هي لعبته. وثمة من يقول إنه لو لم يكن هناك ليبرمان مثلاً لتوجب على نتنياهو أن يخترعه.
 
3-    وجود نظام الحكم في إسرائيل الذي أجاد أستاذ الجغرافيا السياسية أورن يفتاحئيل وصفه بأنه إثنوقراطي مرهون باستمرار علاقته الوثيقة بالدين. وبرأيه بينما تمثل القومية الإثنية القوة الدافعة الرئيسة وراء السياسات الإثنية، فإن المسألة القومية كثيرًا ما ترتبط بوشائج قوية مع دين يتم تسييسه ومأسسته. وهكذا يكون الدين الذي تعتنقه الأكثرية المهيمنة دينا إثنيا، وهذا يؤدي إلى علاقات متبادلة يتأثر الدين من خلالها بنضالات إثنية وقومية معاصرة، بينما تتأثر طبيعة النضال القومي الإثني بدورها بالروايات الدينية. كما يؤدي الطابع التوسعي للقومية الإثنية الذي تتسم به أنظمة الحكم الإثنية، إلى تمكنها من تطوير أشكال مرنة من الشرعيات الداخلية القائمة على الدعم المتبادل بين القومية والدين. بناء على ذلك، وعلى الرغم من الأساس العلماني التاريخي المفترض للقومية، فإن التواريخ والهويات وحدودالقومية المهيمنة في المجتمعات ذات الأنظمة الإثنية لا تبتعد كثيرا عن الدين، وذلك لأن المنطق الديني مفيد جدا لمعظم الأنظمة الإثنية، حيث أنه يولد خطابا له حدود سياسية واجتماعية صارمة. وفي العادة يتم تبرير وجود مثل هذه الحدود في الرأي العام وفي السياسة والإعلام بذريعة أنها نابعة من إرادة إلهية، أو من جذور تاريخية، وبذا يجري تصويرها على أنها منزلة ويستحيل تجاوزها.
 
4-    طبيعة العلمانيين في إسرائيل ملتبسة وإشكالية، ذلك بأن جزءًا كبيرًا من اليهود الإسرائيليين العلمانيين يؤكدون أنهم يحافظون، بقدر معين، على العادات والتقاليد الدينية. وبموجب نتائج «مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية» لسنة 2008، فإن 32 بالمئة فقط من هؤلاء العلمانيين قالوا إنهم لا يحافظون على هذه العادات والتقاليد مطلقًا. كما تبين أن ثلث المهاجرين من دول الاتحاد السوفياتي السابق فقط قالوا إنهم لا يحافظون بتاتًا على العادات والتقاليد الدينية اليهودية. وكان تحليل شامل ومعمق لأنماط السلوك الدينية في إسرائيل، سبق أن أنجزه «مركز غوتمان» و»صندوق آفي- حاي» في سنة 2000، أظهر أن الأغلبية الساحقة من اليهود الإسرائيليين العلمانيين يحافظون على تقليد واحد أو أكثر من العادات والتقاليد الدينية، مثل أكل الطعام الحلال (كاشير)، والامتناع من السفر في أيام السبت، والصوم في يوم الغفرانأو في عيد الفصح العبري، وإضاءة الشموع في عيد الأنوار (حـانوكا). وتعتبر هذه الأغلبية مستقرة على مدار أعوام طويلة، حتى لدى توحيد السؤالين المتعلقين بمدى التدين، ومدى الحفاظ على العادات والتقاليد الدينية، ولدى توزيع الأجوبة على سبع فئات، مثلما حدث لأول مرة في الدراسة المشتركة لـ»مركز غوتمان» و»صندوق آفي- حاي» المذكورة. أمّا الفئة الأكثر شيوعًا، وتشمل نحو ثلث عموم السكان اليهود الإسرائيليين، فهي للذين يعتبرون أنفسهم علمانيين ويلتزمون بتطبيق بعض الشرائع الدينية.
 
 ولعل الاستنتاج الأهم هو أن هناك تقسيمًا قارًا، خلال العقدين المنصرمين، للجمهور اليهودي الإسرائيلي عماده ثلاث مجموعات رئيسة: نصف الإسرائيليين يعتبرون أنفسهم علمانيين، ونحو 30 بالمئة يعتبرون أنفسهم محافظين، و20 بالمئة يعتبرون أنفسهم متدينين أو حريديم. غير أنه على الرغم من ذلك النصف الذي يجاهر بعلمانيته، فإن نحو خُمس اليهود الإسرائيليين فقط يعلنون أنهم لا يحافظون على العادات والتقاليد الدينية مع ما قد يعنيه هذا من التزام بيّن، وإن النمط السائد لدى هؤلاء هو المحافظة على بعض هذه العادات والتقاليد داخل مجموعة كبيرة من الإمكانيات. وهكذا، فإنّ «بروفيل» المجتمع اليهودي الإسرائيلي من ناحية أنماط علمانيته، بموجب هذا الاستطلاع، يشفّ عن حال تبدو ملتبسة تحتل التقاليد والعادات الدينية فيها موقعا حاسما حتى لدى المجاهرين بأنهم علمانيون.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة