"الصهيونية الدينية" واقتحام المعاقل اللبرالية الحصينة

"الصهيونية الدينية" واقتحام المعاقل اللبرالية الحصينة
رئيس حزب "البيت اليهودي"، الوزير نفتالي بينيت (أ ف ب)

في إطار سعيه الحثيث لتعزيز وتعميم أيديولجيته "الصهيونية الدينية"، يستغل حزب "البيت اليهودي" مواقع السلطة التي يشغلها، في عملية إحداث تغييرات بنيوية تساهم في زيادة نفوذ هذا التيار الذي يطرح نفسه كبديل تاريخي للصهيونية العلمانية التي أسست وقادت إسرائيل على مدى 70 عاما.

ويستغل "البيت اليهودي" احتلاله لوزارتين هامتين، تبسطان نفوذهما على مجالين، يعتبران من أهم حصون الصهيونية اللبرالية هما القضاء والتربية والتعليم، حيث يعمل الوزير نفتالي بينيت، الذي يتولى جهاز التعليم، بشكل منهجي، على تعزيز البعد الديني الصهيوني في المضامين التربوية من الروضة إلى الجامعة والسيطرة على إداراتها مواقع القرار فيها، وتسعى وزيرة القضاء، أييلت شاكيد، لإحداث تغييرات تشمل بنية النظام القانوني الإسرائيلي وهياكله الأساسية، التي تعتبر حصنا من حصون الصهيونية اللبرالية، وزيادة تمثيل أصحاب القبعات المنسوجة في هيئاته القضائية المختلفة.

في غضون ذلك كشفت التقارير التي تناولت، مؤخرا، الزيادة المضطردة في ميزانية ما يسمى بـ"مديرية تعزيز الهوية اليهودية"، التي أسسها البيت اليهودي وتعمل في إطار وزارة الشؤون الدينية، كشفت عن الأهداف الأيديولوجية التي تقف من وراء تلك المديرية التي بلغت ميزانيتها 35 مليون شيكل عام 2016، أي بزيادة سبعة مليون شيكل سنويا منذ إقامتها عام 2013، وطبيعة عملها الهادف إلى "إعادة الروح اليهودية إلى دولة إسرائيل" وبالذات بين الشباب وطلاب الجامعات حيث تعرض، على سبيل المثال، منحة بقيمة خمسة آلاف شيكل لطلاب الجامعات في إطار مشروع تعزيز الهوية اليهودية وقيم الصهيونية بين طلاب الضواحي.

ورغم أن الوزير دافيد أزولاي، من شاس، هو من يتولى اليوم وزارة الشؤون الدينية، إلا أن "المديرية" التي تتماثل مع البيت اليهودي لم يتم حلها، بل واصلت بالحصول على الميزانيات من الوزارة ومن وزارات التعليم و"الشتات" التي يتولاهما بينيت.

وكانت المديرية، قد أقيمت عام 2013 كجزء من الاتفاق الائتلافي، الذي أبرم في حينه بين البيت اليهودي والليكود، وعملت تحت إمرة بينيت الذي شغل وقتها وزارة الشؤون الدينية، وكان من المفترض أن يأسسها الحاخام الرئيسي السابق للجيش الإسرائيلي الجنرال أفيحاي رينتسكي، إلا أن أسباب مختلفة حالت دون ذلك، فأوكلت إلى آيلي لفانون، وبقي رونتسكي أحد محركيها الرئيسيين.

نشاط المديرية المنحاز، وتفضيلها للجمعيات الأرثوذكسية المقربة من البيت اليهودي دون غيرها، أثار غضب حركات يهودية لبرالية التي التمست للمحكمة العليا الإسرائيلية ضد إقصائها من تعاقدات المديرية على مدى السنوات الأربع الماضية، واتهم مدير "الحركة اليهودية التقدمية"، جلعاد كريف، المديرية، بأنها أداة لنشر "التدين" في أوساط الجمهور غير الأرثوذكسي من خلال الالتفاف على قواعد الإدارة السليمة.

وكشف الالتماس أن مناقصات المديرية رست جميعها على جمعيات أرثوذكسية وأن توجهات الجمعيات اللبرالية للمشاركة لم تلق آذانا صاغية، ويستدل من تصريحات الحاخام أفيحاي رونتسكي، وهو من رؤساء المديرية، وأحد المقربين من بينيت، أن المديرية تعمل في صفوف الجمهور غير المتدين، وبشكل خاص بين مجموعات النخبة الإسرائيلية العلمانية، وأنها دشنت ثانويات المسار العلمي في حيفا والقدس وتسعى للوصول إلى خمسة آلاف مدرسة، وهي ترى أهمية خاصة للاستثمار في تل أبيب لأن التأثير العلماني على كل الدولة يصدر من هناك.

وفي خطوة استثنائية، ألغت وزارة الزراعة، قبل بضعة أشهر، مشروعا مشتركا مع "مديرية تعزيز الهوية اليهودية"، والذي كان سيخصص لتعميق قيم ما يسمى بـ"الزراعة اليهودية" في التعليم الرسمي، الإلغاء جرى بعد أن اكتشف محاسب الوزارة أن مجموعة من الثغرات تعتري المشروع.

وكانت وزارة الزراعة، التي يتولاها الوزير أوري آرييل، من "البيت اليهودي"، قد أعلنت في نهاية العام الماضي، عن برنامج يهدف إلى "ربط الطلاب الإسرائيليين بالأرض وبالزراعة وبهويتهم الصهيونية في البلاد"، وحصل هذا البرنامج على التصاريح اللازمة خلال فترة قصيرة، وخصصت له ميزانية قيمتها أربعة ملايين، اتفق على تقاسمها بالتساوي بين الوزارة والمديرية التابعة للبيت اليهودي أيضا. وبقطع النظر عن الخلل الذي اعترى المشروع وتسبب بإلغائه فإن الحديث عن "زراعة يهودية" هو نوع من العودة إلى عهد "العمل العبري"، وغيرها من المقولات الصهيونية البدائية التي أسقطت العرب من حساباتها.

 

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة