رسائل كاتس..

رسائل كاتس..
كاتس في الكنيست (لاعام)

لا جديد في المقابلة التي أجراها وزير الاستخبارات والمواصلات الإسرائيليّ، يسرائيل كاتس، مع صحيفة "إيلاف" السعوديّة الإلكترونيّة، سوى المقابلة نفسها؛ فكل ما فيها، حتّى أوقح ما فيها، مثل تهديد لبنان "بإعادته إلى العصر الحجريّ" سبق أن أطلقه رئيس الحكومة الإسرائيليّة، بنيامين نتنياهو، لسورية في العام 2010.     


 

يتقن وزير الاستخبارات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، كأي سياسيّ إسرائيلي، أن عليه إذ يتحدث إلى وسائل الإعلام، وتحديدًا غير الإسرائيليّة منها، لا أن يجيب على الأسئلة، إنّما أن يوصل رسائله؛ تبعًا لجمهور الهدف الذي يريد، فمثلًا، احتفى كاتس خلال لقائه عددًا من الدبلوماسيين الأجانب، الأربعاء الماضي، بقرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاعتراف "بالقدس عاصمةً لإسرائيل"، قائلًا إنه "يوم تاريخيّ لدولة إسرائيل"، بينما قلّل في صحيفة "إيلاف" من أهمية الإعلان الأميركي، في محاولة على ما يبدو لتهدئة الشارعين العربيّ والعالمي ولتبرير الخطاب المنخفض الذي امتاز به الردّ السعوديّ، طالما أن المقابلة تهدف إلى مخاطبة الشارع السعوديّ.

غزل إسرائيلي

موجة غزل إسرائيلي غير مباشر تجاه السعوديّة حوتها المقابلة، فرغم أن غالبية الدول المؤثرة في المنطقة، مثل الولايات المتحدة الأميركيّة، انتقدت علنًا إعلان رئيس الحكومة اللبنانيّة، سعد الحريري، استقالته من العاصمة السعوديّة، الرّياض، إلّا أن كاتس وصفها بـ"المهمة في إسقاط ورقة التوت عن حزب الله وإيران في لبنان" وأنها تشكل ظرفا جيّدا لاستخدام "القوة العسكرية ضد حزب الله"؛ ومغازلته وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربيّ، ثامر السبهان، لتهديده "حزب الله" اللبناني بإعادته إلى الكهوف، بل وأضاف على ذلك أن إسرائيل ستعيد لبنان إلى العصر الحجري!

كما غازل كاتس، ولو بشكل غير مباشر، "الإجراءات" السعودية في اليمن ولبنان والعراق والبحرين، للتصدّي للتدخلات الإيرانيّة في المنطقة ونيّتها زعزعة الاستقرار، "فإيران لا تحارب أحدًا على الأرض، ولا ترسل جنودًا، بل ترسل مندوبين آخرين عنها لكي لا تتحمل المسؤولية، ولكي يكون بالإمكان التنصل من تلك الأذرع والمليشيات"، وذلك للتأكيد على الرواية الرسميّة للتحالف السعودي في اليمن أن السعوديّة لا تحارب الحوثيين ولا تشن عدوانا على اليمن، إنما تحارب أذرع إيران الطويلة في الوطن العربيّ التي لا "يمكنها العمل في الداخل الإسرائيلي وتصدير الثورة الإسلامية إلينا" (دون أن يوضح لماذا)، ودون إغفال استعداده "وبقيادة الولايات المتحدة للتعاون مع كل من يشاركنا في التصدي للخطر الإيراني، ومنعها بكل الوسائل من الحصول على قدرة نووية، وسنمنعها من ذلك مهما كلف الأمر".

لا تشغل الأسئلة التي تم طرحها في المقابلة الهاجسَ الإسرائيلي فقط، إنّما تشغل الهاجس السعودي، فمثلا ورغم أن قطاع غزّة يشهد تصعيدًا إسرائيليًا كبيرًا ويستحوذ على العناوين التي تطالعها الصحافة الإسرائيليّة، إلا أن كاتس لم يتطرق إلى حركة حماس إلا عرضًا في موضعين اثنين فقط، كأمثلة، لا كموضوع نقاش؛ بينما تطرّق إلى الأوضاع في اليمن والبحرين وأذرع إيران بصورة أوسع وأكثر شمولًا، لانشغال الرأي العام السعودي (لا الإسرائيلي) بها.

محلل سياسي برتبة وزير استخبارات

ظهر كاتس، كذلك، في المقابلة بمظهر المحلل السياسيّ لا بمظهر وزير الاستخبارات القوي أو المواصلات المسيطر على الوضع، فحتى سكّة الحديد التي أشار إليها كاتس في بداية حديثه لم تكن إلا لـ"فتح نقاش" لا أكثر، وشرحها بطريقة المطلّع على التاريخ، لا المطّلع على خرائط ووقائع حاليّة يجري التحضير لها (وإن كنا لا نعرف إن كانت تجري في العلن مشاريعُ كهذه).

أما الشأن الأمني والاستخباراتي، فلم يزد ما قاله كاتس في المقابلة على ما يقوله أي محلل سياسي عسكري في التلفزة الإسرائيلية أو في الصحف الثلاث الكبرى في إسرائيل، وهي ليست جديدة، ومعادة ومكرّرة بشكل مبتذل وممجوج في الصحافة الإسرائيليّة ويتعامل معها كأنها مسلّمات، لا كشفًا إسرائيليًا جديدًا أو سكوبًا صحافيًا يستحق أن يٌبرَز.

محمّد بن سلمان، السّاعي إلى الوصول إلى عرش السعودية، المدرك كثيرًا لما تقوم به إيران في المنطقة، وإلى أهمية النهوض بالاقتصاد وبناء الُجزر الصناعية وتحرير الاقتصاد، وبالطبع، "رجل الأمن القوي، الذي يقود حروبًا ويصدّ عدوانا" هو تمامًا مثل يسرائيل كاتس، الساعي إلى الوصول إلى رئاسة الحكومة في إسرائيل، والذي أدخله منصبه عضوية المجلس الأمني الوزاري المصغر، وهو يرى أن ذلك بمثابة خبرة عند التنافس على زعامة الحزب ورئاسة الحكومة، "لأن إسرائيل لا تقبل بسهولة من لم تكن لديه تجربة أمنية في قيادتها"، في ربط غير مباشر بين "الازدهار الاقتصادي والتكنولوجي بالتجربة الأمنيّة" وهو سعي من الصحيفة إلى تكريس فكرة أن "الدول الناجحة" (مثل إسرائيل!) لا تقبل إلا برجال أمن رؤساء لها.

كما عمد مراسل "إيلاف" إلى تكريس فكرة "الفرينمي"، أي الصديق العدو، عبر استحضار صورة الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، مثالا على أنه بالإمكان أن يكون المرء حليفا اقتصاديا قويا لإسرائيل، وألا يتخلّى عن خطابه الوطنيّ المنحاز للشعب الفلسطيني! في إشارة إلى سلام اقتصادي قد يكون عنوان المرحلة المقبلة في المنطقة.

ما غاب عن "إيلاف"

غيّب مراسل الصحيفة في إسرائيل، مجدي حلبي، تصريحات كاتس عن دعوته الملك سلمان ووليّ عهده إلى زيارة إسرائيل ودعوتها لدعوة نتنياهو لزيارة السعودية، من أجل "رعاية ودعم مبادرة السلام مع الفلسطينيين بغطاء أميركي" وفقا لما جاء في صحف إسرائيلية عدّة، ومصدر هذه الأخبار، على ما يبدو، مكتب الوزير كاتس ذاته.

أفيخاي أدرعي كاتب رأي في "إيلاف"!

وتأتي مقابلة كاتس غداة مقال كتبه المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، في صحيفة "إيلاف" بالشراكة مع الكاتب مهدي مجيد عبد الله، هاجم فيه بشدّة حركة "حماس".

جاء فيه أن حركة حماس "لم تعبّر عن مطالب الفلسطينيين، بل كانت بندقية حرب تستعملها إيران تارةً وجهات أخرى تارةً ثانية، ولكن على الأغلب تقودها مصالحها الضيقة وذلك لتحقيق مآربها غير المشروعة".

ليس مستغربًا ما قاله أفيخاي أدرعي، إنما المستغرب (والمرفوض) أن تقوم صحيفة عربيّة بفرد عامود له عندها، في ظل منع كبير لعدد من الصحافيين العرب من الكتابة، وآخرهم جمال خاشقجي الذي منع بأمر من الأمير خالد بن سلطان (ناشر "الحياة" اللندنيّة).

وللأسف، يحظى مهاجمو العرب والمطالبون بإبادتهم بمنابر في الصحافة العربية وبساعات من الرّدح على شاشات العرب، مثلما حدث بالأمس على قناة "الجزيرة" في برنامج "الاتجاه المعاكس"، الذي أضحى منبرًا تسفيهيًا ضدّ العرب، ويا للعجب.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018