إسرائيل ونظام الأبارتهايد: العلاقات مع نظام البيض "كنز قومي" (3)

إسرائيل ونظام الأبارتهايد: العلاقات مع نظام البيض "كنز قومي" (3)
مظاهرة تطالب بمقاطعة نظام الأبارتهايد (أرشيف - أ.ف.ب.)

استمرت إسرائيل في نفي علاقاتها الخاصة مع جنوب أفريقيا وتزويد الأخيرة بالسلاح والتعاون بينهما في تطوير أسلحة نووية، حتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي. لكن هذا النفي لم يمنع أزمات سياسية ودبلوماسية بين إسرائيل وبين دول أوروبية، خاصة الاسكندنافية، والولايات المتحدة أيضا. وفي نهاية العام 1986، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية تقريرا حول الدول التي خرقت حظر بيع الأسلحة لجنوب أفريقيا، وكانت إسرائيل في مقدمة الدول التي خرقت الحظر.

يشار إلى أن جنوب أفريقيا اعترفت، لأول مرة، بأنها طوّرت سلاحا نوويا، في آذار/مارس العام 1993، وحينها أعلن رئيس جنوب أفريقيا، فريدريك دي كليرك، عن وقف تطوير أسلحة نووية وتدمير 7 قنابل نووية كانت بحوزة جنوب أفريقيا. وزعم دي كليرك أن جنوب أفريقيا لم تتلق مساعدة من أي دولة من أجل تطوير سلاح نووي، وأنها لم تجر أية تجربة نووية. إلا أن ذلك لم يمنع تردد تقارير حول ضلوع إسرائيل في تطوير أسلحة نووية، واستيراد اليورانيوم من جنوب أفريقيا إلى مفاعل ديمونا.

وفي منتصف الثمانينيات بدأت تتبلور في العالم صورة "حلف المجذومين"، إسرائيل وجنوب أفريقيا، وأنه بواسطة هذا الحلف نجح نظام الأبارتهايد بالبقاء وقمع الأغلبية السوداء بيد من حديد. "والأوساط الليبرالية في العالم نددت بنا. والسود في جنوب أفريقيا كرهونا. ونحن واصلنا النفي بشدة"، حسب ألون ليئيل في كتابه "عدالة سوداء: الانقلاب الجنوب أفريقي".

تمسك إسرائيل بحلفها مع الأبارتهايد

تشكلت حكومة وحدة إسرائيلية، من حزبي العمل والليكود، في أعقاب انتخابات الكنيست عام 1984، وتناوب شمعون بيرس ويتسحاق شمير على رئاسة الحكومة، وبيرس كان الأول في التناوب. ووفقا لليئيل، فإن تقديرات وزارة الخارجية، بقيادة يوسي بيلين، تحسبت من أن استمرار العلاقة بين إسرائيل ونظام الأبارتهايد سيلحق أضرارا سياسية ودبلوماسية بإسرائيل، وجرى البحث في كيفية بدء اتصالات مع جمهور السود، وهي مهمة صعبة بسبب العلاقات القوية بين إسرائيل ونظام الأبارتهايد. فقد رأى السود بإسرائيل عدوة لشعب جنوب أفريقيا والشعب الفلسطيني.

الرئيس الإسرائيلي إليعزر وايزمان يصافح الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بحضور منديلا في يوهانسبورغ، عام 1994 (مكتب الصحافة الحكومي)

  

وواجهت إسرائيل معضلة في هذا السياق، تتمثل بأنه يصعب إجراء اتصالات مع قيادة الجبهة الديمقراطية الموحدة، وهي حركة السود القانونية، وليس بالإمكان الاتصال مع المؤتمر الوطني الأفريقي، وهذه حركة غير قانونية في جنوب أفريقيا. ومن الجهة الأخرى، تحسبت إسرائيل من أن إقامة علاقات مع السود "سيشكل خطرا على العلاقات المتينة" مع نظام الأبارتهايد.   

وتقرر في وزارة الخارجية الإسرائيلية إرسال "سفير للسود"، لأن السفير في بريتوريا لا يمكنه القيام بمهمة كهذه، كما أنه كان شخصا غير مرغوب به في أوساط السود. وكانت خطة اختراق صفوف جمهور السود تقضي بأن تنظم إسرائيل، بشكل سري، دورات في موضوع "بناء أمة" وبتمويل أوساط ليبرالية أميركية وأوروبية.

لكن العلاقات الوثيقة بين إسرائيل ونظام الأبارتهايد استمرت، حتى بعدما بدأت الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية بفرض قيود وعقوبات واسعة على بريتوريا، في العام 1985، وانضمام الدول الأوروبية إليها، في العام 1986. وبحلول نهاية هذا العام، بات واضحا أن إسرائيل كانت الدول الوحيدة، المحسوبة على الديمقراطيات الغربية، التي لم تنضم إلى العقوبات ولم تكن لديها نية أيضا للانضمام إلى الأسرة الدولية في هذا السياق.

ويعود هذا الموقف إلى معارضة واسعة في إسرائيل، خاصة من جانب اليمين والمؤسسة الأمنية، للمشاركة في أي عقوبات ضد نظام الأبارتهايد. واستمر هذا الموقف حتى بداية التسعينيات، عندما شكل رئيس حزب العمل، يتسحاق رابين، حكومته في العام 1992. لكن هذا الموقف تغير بعدما تبين أن التهديد الأميركي بوقف المساعدات لإسرائيل حقيقي. وعندها بدأت إسرائيل تفكر في تغيير علاقاتها مع الأبارتهايد.

معارضة التقرب من منديلا

دعا ليئيل، التي تعين سفيرا في بريتوريا، عام 1992، إلى تغيير السياسة تجاه نظام الأبارتهايد، وأن يتم تركيزها على التقرب من السود، وخاصة المؤتمر الوطني الأفريقي، برئاسة نلسون منديلا، وذلك إثر تقديرات إسرائيلية بأن المؤتمر سيكون الجهة الأكثر تأثيرا في جنوب أفريقيا بعد زوال الأبارتهايد.

لكن حتى في ذلك العام، ورغم تهديد الولايات المتحدة بوقف المساعدات السنوية لإسرائيل، كانت القيادة الإسرائيلية العليا تعارض قطع العلاقات، وخاصة العسكرية، مع نظام الأبارتهايد. ويورد ليئيل في كتابه مقطعا من حديث دار بينه وبين رئيس الحكومة رابين، حيث قال له الأخير "أمضي وفقا لخط شمعون (بيرس). أنا أعي أن الأمور تتغير، لكن لا تنسى أن العلاقة الأمنية كانت الأهم بالنسبة لصناعتنا، ودي كليرك هو صديق (لإسرائيل)".

دي كليرك والرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، في إسرائيل عام 2015 (مكتب الصحافة الحكومي)

واعترض ليئيل قائلا إن الانقلاب في جنوب أفريقيا قريب جدا، لكن رابين قال إنه "لا ينبغي الجري وراء القيادة السوداء بشكل مبالغ فيه. وليس هذا الذي سيقربهم (من إسرائيل). والصورة ما زالت غير واضحة تماما، وينبغي التصرف بحكمة".  

وكان واضحا لإسرائيل، وفقا لتقارير وصلت إلى وزارة الخارجية حينذاك، أن قادة المؤتمر الوطني الأفريقي تحفظوا من إمكانية تحسين علاقاتهم مع إسرائيل. وقد وجه قادة المؤتمر انتقادات لإسرائيل حول علاقاتها الخاصة مع نظام الأبارتهايد، وخرقها للعقوبات العسكرية والاقتصادية على جنوب أفريقيا، وتعاونها مع دولة الوصاية الجنوب أفريقية، واحتلالها للأراضي الفلسطينية وتعاملها مع الفلسطينيين ومقارنته بتعامل الأبارتهايد مع السود في جنوب أفريقيا.

ويقول ليئيل إنه بعد أيام معدودة من وصوله إلى بريتوريا، كسفير، تلقى اتصالا هاتفيا من منديلا شخصيا، الذي قال له إنه علم "بتغيير التوجه الإسرائيلي للمؤتمر الوطني الأفريقي. وأريد أن ألتقي معك". وفي 4 كانون الأول/ديسمبر 1992 التقى ليئيل مع منديلا. وفي الأسبوع نفسه ألغت الكنيست قانونا يمنع لقاء الإسرائيليين مع منظمة التحرير الفلسطينية، وقدّر ليئيل أن لقرار الكنيست سيكون وقع جيد على منديلا.

وبحسب ليئيل، فإن منديلا استقبله ومرافقيه بودٍ، وطرح أسئلة حول الاتصالات التي تم الكشف عنها حينذاك بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، تمهيدا لتوقيع اتفاق أوسلو بعد عشرة أشهر. وقال منديلا، حسب ليئيل، إن "الخلافات مع إسرائيل في قضية الشرق الأوسط نبعت من إيماننا بأن للفلسطينيين حق لتقرير المصير".   

بعد خمسة أيام من لقائه مع منديلا، سلم ليئيل أوراق اعتماده لرئيس جنوب أفريقيا دي كليرك. وأشار ليئيل إلى أن دي كليرك شجعه على مواصلة الاتصالات مع قيادة السود. وقال "إننا نتفهم توجهاتكم الجديدة، ونحن أيضا نجري محادثات متواصلة مع منديلا ونسعى معا إلى سلام. ورغم ذلك عليكم ألا تنسوا أننا لن نغيب، ولن نغيب عن جنوب أفريقيا الجديدة أيضا".

إلا أن القيادة الإسرائيلية لم تتأثر باللقاء مع منديلا والتقرب من أوساط الأغلبية السوداء في جنوب أفريقيا. وفي موازاة ذلك، وصلت شكاوى من أوساط يهودية محافظة في جنوب أفريقيا إلى رابين وبيرس، وإلى المعارضة الإسرائيلية اليمينية. وبعث وزير الخارجية بيرس رسالة إلى ليئيل، قال فيها إن "الفترة الانتقالية هي فترة حساسة، ويحظر خسارة كنوز الماضي"، أي العلاقات مع نظام الأبارتهايد. ورأى ليئيل أن بيرس أراد القول إن "التوجه إلى المؤتمر الوطني الأفريقي كان متسرعا"، وأن "’كنوز الماضي’ شكلت تذكيرا بالموقف التقليدي لرابين وبيرس، الذين ما زالوا يرون بنظام البيض والعلاقات معه كنزا قوميا حقيقيا".

كذلك اعترض حزب الليكود المعارض على التقرب من السود، وعبر عن غضبه من هذا التقارب. واتهم الليكود الحكومة بأنها من خلال سياستها الجديدة "تسببت بأضرار لحقت بالعلاقات بين الدولتين. واعتبر الليكود أن "التذلل العلني أمام المؤتمر الوطني الأفريقي أوحى بأن إسرائيل مستعدة لفعل أي شيء من أجل إرضاء المؤتمر، وهذا فشل في الأداء".