مؤتمر كيان في حيفا: 65 امرأة عربية ضحايا جرائم القتل في الأعوام الخمسة الأخيرة

مؤتمر كيان في حيفا: 65 امرأة عربية ضحايا جرائم القتل في الأعوام الخمسة الأخيرة
مؤتمر كيان في حيفا، اليوم (عرب 48)

يستدل من معطيات بحث بعنوان "قتل النساء: ظلاميّة المشهد وآفاق المقاومة" التي عرضتها جمعية كيان - تنظيم نسوي، في مؤتمر صحافي بمدينة حيفا، اليوم الإثنين، أنه في الأعوام 2015-2020، قتلت 149 امرأة في البلاد بينهن 65 امرأة عربية، ما يعني أن نسبة النساء العربيات 43% من إجمالي النساء اللواتي قتلن وتشكل ضعف نسبتهن في المجتمع.

كما تبين أن نحو ثلثي النساء اللواتي وثق البحث حالات قتلهن، كن معروفات للشرطة و/أو لمكاتب الرفاه، وأن المقابلات التي وُثِّقَت مع عائلات المغدورات تكشف بأن الشرطة فشلت في حماية النسوة قبل أن يُقتَلن.

ووفقا لنتائج البحث فإن البنية الاجتماعية في المجتمع العربي تشكِّل عائقًا أمام منح الحماية والدعم للنساء المعنفات. ووفق البحث، في معظم الحالات، يركز الإعلام العربي على السرد ويتبنى رواية الشرطة بينما يغيِّب صوت العائلات. كما أنه يتبنى الدور التقليدي بدلا من الدور النقدي في مسألة قتل النساء.

كما أن توجهات جمعية كيان إلى الشرطة ووزارة القضاء وفق قانون حرية المعلومات لم تفضِ عن أي معلومات خاصة بشأن عدد الجرائم المرتكبة بحق النساء العربيات وحيثيات تلك الجرائم. ولا تعلم الشرطة الأعداد الدقيقة لجرائم قتل النساء العربيات، ولا تتوافر لدى الشرطة أو وزارة القضاء معلومات محوسبة حول جرائم قتل النساء العربيات، فما تكشف الإجابات التي تلقتها جمعية كيان من الشرطة، بأن لدى المؤسسة الشرطية لا تتوافر المعلومات حول أوامر الحماية التي تصدرها المحاكم للنساء المهددات.

برنامج المؤتمر

وشاركت في المؤتمر كل من مديرة كيان، رفاه عنبتاوي، ومديرة مركز المرأة للإرشاد القانوني في الضفة الغربية، رندة سنيورة، والمحامية والمستشارة القانونية لكيان، عبير بكر، والباحثة ومديرة قسم العمل الجماهيري في كيان، منى محاجنة، ومساعدة البحث الميداني، أماني إبراهيم.

وافتتحت عضوة إدارة جمعية كيان، الصحافية والناشطة، روزين عودة المؤتمر الصحافي مرحبة بالحضور، ومؤكدة على أهمية البحث خاصة كونه الأول من نوعه في البلاد ومفصليًا في التعامل مع ظاهرة قتل النساء بشكل خاص والعنف ضد النساء بشكل عام.

وتابعت أنه "نأمل أن يشكّل هذا التقرير قفزة نوعية لفهم الجوانب الهامّة المتعلقة بقتل النساء من أجل معالجة هذه الظاهرة التي تُوْدي بحياة الكثير من النساء في مجتمعنا لا لشيء إلّا لكونهنّ نساء، ونحن في كيان ندعو كافّة المؤسّسات المعنيّة إلى تطوير هذه الجوانب والتركيز عليها أملًا في تحقيق بعض من التوصيات".

ومن ثم، عرضت الباحثة المشاركة منى محاجنة قتل النساء من منظور عائلات الضحايا، وهو أحد محاور البحث الأساسية التي قامت بها برفقة الباحثة المشاركة د. رباب طميش، خلفية البحث المذكور، الذي يشكل حالة خاصة بسبب قلة الأبحاث في العالم العربي التي تتناول الظاهرة من منظور عائلات الضحايا والمقربين منهن، والتي تساهم في فهم البنى السياسية والمجتمعية والاقتصادية، والتي يمكن أن تؤدي للحد من انتشار الظاهرة أو التستر عليها.

واستعرضت مراحل البحث المختلفة، بدءًا من تدريب الباحثات الميدانيات وإجراء 22 مقابلة مع عائلات ومقربين من 14 ضحية من الضحايا اللواتي قتلن خلال الخمس سنوات الماضية. وكذلك استعراض دور المجتمع، الإعلام، الشرطة والمؤسسات الرسمية كمكاتب الشؤون الاجتماعية، وهل ساهم في تعزيز الظاهرة أم الحد منها.

وعرضت محاجنة كذلك أهم الاقتباسات الواردة من البحث والمقابلات مع العائلات، ونوع العلاقة التي جمعت الضحايا بمحيطهن ودائرتهن القريبة، وكذلك نوع العلاقة التي ربط الضحية بالجاني أو الجناة، وحالات الإنكار التي سبقت الجرائم. وكذلك التعاطف المصحوب بالشك وتناقل الأقوال من قبل المجتمع من جهة، ونخبوية المجتمع المدني وغيابه عن الساحة من جهة أخرى.

وقالت المديرة العامة لمركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي في رام الله، رندة سنيورة، إن "العنف ضدّ المرأة لا زال يشكّل دوماً مظهرَ هيمنةٍ في مختلف المجتمعات، مهما كانت معتقداتها وثقافتها، وانعكس على دورها في مستويات عدّة، وتُعدُّ ممارستها خرقاً واضحاً لشتّى أحكام قانون حقوق الإنسان الدّوليّ من قبل الحقّ في عدم التعرُّض لسوء المعاملة، والحقّ في الأمان على الشخص. ويكون مصدر هذا العنف الأسرة وكذلك المجتمع، كما قد تنتهجه السّلطة الرّسمية، أو الهيئات الخاصّة، وقد تخضع له المرأة الراشدة وكذلك الطفلة، والمرأة الريفيّة، كما تتعرّض العاملات المهاجرات بدورهن إلى أفعال العنف بسبب وضعيّتهن، إضافةً إلى النساء المحتجزات وذوات الإعاقة".

وأشارت سنيورة إلى أن المركز تعرض لحملات انتقاد واسعة وهجمات شرسة بسبب دوره في الرصد والتوثيق ولأنه بات مرجعًا للكثير من المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام في كل ما يتعلق بالعنف ضد النساء في الضفة الغربية. ولفتت إلى أن معظم الاتهامات ادعت تضخيم الأرقام وأعداد الضحايا من قبل المركز لأن هناك مؤسسات رسمية تقدم معطيات وأرقام أخرى.

وتطرقت سنيورة إلى أن تعريف قتل النساء لا ينحصر بذلك المفهوم الشائع والمتداول على نطاق واسع وهو القتل المرتبط بما يسمى "شرف العائلة"، لأن المركز يعتمد مفهومًا أوسع. وهكذا فإن التعريف يمتد ليتناول بالنقاش بعض المفاهيم السائدة، والتي يمكن أن تستتر خلفها بعض عمليات قتل النساء كمفهوم "الانتحار" ومفهوم "السقوط من مكان مرتفع" أو "الوفاة ظروف غامضة" وهي جميعها تؤدي إلى انتزاع الحياة للنساء والفتيات.

وبدورها، عرضت المحامية عبير بكر، التي تعمل مستشارة قانونية لكيان- تنظيم نسوي، دور الشرطة وتقصيرها في قضايا قتل النساء العربيات، وعدم تعاونها مع البحث ورفض تزويد الجمعية بالمعطيات والمعلومات اللازمة.

وشددت على أنه "أتت الحاجة للتقصّي وراء عمل الشرطة والنيابة على ضوء ازياد عدد النساء المغدورات وسط تعتيم كبير حول قضاياهن. ونحن نفترض أن قضية كل امرأة مغدورة لا تبدأ مع جريمة القتل إنما لا بد أن يكون لها ماض سبق القتل من المهم أن يذكر بحيثيات كل قضية مع مراعاة خصوصية كل امرأة". وعلى ضوء تعنت الشرطة بعدم الإفصاح عن التحقيقات المتعلقة بقتل النساء العربيات آل بجمعية كيان إلى اللجوء للقضاء وتقديم التماس ضد الشرطة والنيابة العامة للكشف عن كل المعلومات المطلوبة. ولا يزال الالتماس عالقًا في المحكمة المركزية في القدس ولم تقدم الشرطة أو النيابة ردها حتى هذه اللحظة.

ومن المعطيات المثيرة اللافتة للنظر التي عرضتها بكر والتي وافقت الشرطة على تزويدها كانت تلك المتعلقة بأداة القتل المستخدمة ضد النساء في حالة القتل. تحليل المعطيات التي حصلنا عليها يدل على أن نصف من النساء قتلن على يد أزواجهن من جراء التعنيف الجسدي (50% من الحالات) في حين تم استخدام أداة حادة في 37.5% من الحالات واستعمال السلاح كان الأقل رواجًا بحيث تم استخدامه في 12.5% من الحالات. التسبب بالقتل جراء تعنيف جسدي يعكس حجم التعنيف الذي لحق بالنساء والذي بتقديرنا لا يمكن أن يكون وليد الصدفة أو استثنائيا بل يعكس صورة زوج اعتاد استخدام العنف الجسدي بوتيرة تصاعدية من حيث شدته إلى أن وصل حد إيذاء النساء بحياتهن.

وختمت المديرة العامة لكيان - تنظيم نسوي، رفاه عنبتاوي، المؤتمر الصحافي بعرض أبرز توصيات ونتائج التقرير، قائلة إن "هذا التقرير يُظهِر بجوانبه المختلفة صورة الواقع المركّب الذي تعيشه النساء الفلسطينيّات في إسرائيل، والذي يعكس تجربة أكثر تركيبًا وتعقيدًا على مستوى ظاهرة العنف ضدّهنّ، وظاهرة قتل النساء لكونهنّ نساء في مجتمع ذكوريّ تقليديّ يُقصيهنّ ويميّز ضدّهنّ في مناحي الحياة كافّة، وفي ظلّ دولة عنصريّة تنتهج سياسات عنصريّة تمارس التمييز المنهجيّ ضدّ النساء الفلسطينيّات كجزء من التمييز ضدّ الأقليّة العربيّة في البلاد".

ومن أبرز الاستنتاجات والتوصيات التي تهدف إلى معالجة مسبّبات استمرار ظاهرة العنف ضدّ النساء وقتل النساء، اعتمادًا على ما ورد في أجزاء التقرير المختلفة، وعلى تجربة جمعيّة "كيان" الميدانيّة ضمن مشروعها لمناهضة العنف ضدّ النساء والحدّ من قتل النساء، كان الشعور العامّ لدى الأقليّة الفلسطينيّة في إسرائيل بأنّ الشرطة، والمؤسّسات الرسميّة عامّة، لا تقوم بالدور المنوط بها قانونيًّا في كلّ ما يخصّ العنف وجرائم القتل ضدّ النساء الفلسطينيّات، والشعور بعدم أداء مكاتب الشؤون الاجتماعية دورها كما يجب أصبح مثبتًا بالحقائق. وأن حقيقة كون المجتمع وبنيته الذكورية تساهم وترسخ العنف لا يمكن التحفظ عليها، كذلك حقيقة أن الاعلام بالغالب لا يساهم بحل مشكلة العنف وفي كثير يساهم بترسيخه. وأن قضية العنف ليست على سلم الأولويات.

وأرفق التقرير عددا من التوصيات التي يجب العمل عليها من أجل مكافحة الظاهرة والحد من انتشارها، بدءًا من الضغط على الشرطة لحوسبة المعطيات وتوثيقها، ومن ضمنها عدد الضحايا وعدد لوائح الاتهام التي قدمت وأوامر منع النشر وإصدار أوامر حماية للنساء التي تعانين من التعنيف ومهددات بالقتل. والعديد من التوصيات للعمل دوليًا وفي الأطر النسوية والحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني.

وقالت عنبتاوي: "عندما نتحدث عن قتل نساء مهم أن نتذكر أننا نتحدث عن شرطة ودولة بجميع مؤسساتها لا تقوم بأقل من الواجب الذي عليها أن تقوم به أية دولة للقضاء على العنف، والمستوى الثاني هو المجتمع الذكوري للأسف الذي يساهم ليس فقط يصمت بل يساهم ويعطي شرعية للعنف والقتل ضد النساء".

واعتبرت أن "ما يميز هذا التقرير أنه يضم حقائق، فشعورنا كأقلية أصلانية اتجاه تقاعس الشرطة بات مثبتا بالحقائق المؤكدة ولم يعد فقط مجرد شعور عام، إذ نمتلك معطيات في البحث وتجربة عائلات الضحايا، وتجربتنا كمؤسسة كيان ومؤسسات نسوية من خلال التعامل مع قضايا عينية تصل إلينا".

وأضافت: "أستطيع الجزم أن كل القضايا التي تضمنت شكاوى عنف تخللها إخفاق واستهتار، ونتحدث عن شكاوى تهديد بالقتل".

وتابعت أنه "يعرض البحث كذلك معطيات تبرز التقصير والاستهتار من قبل مكاتب الشؤون الاجتماعية بصورة واضحة، وهذا ما يظهر كذلك من خلال تجربة عائلات الضحايا"، مشيرة إلى أن "معظم الحالات كذلك لقيت إخفاقا وتقصيرا، ما يهمنا هو أن تأخذ النساء حقها وليس أسباب أخفاق مكاتب الشؤون الاجتماعية، لهذا أؤكد على أهمية تضافر الجهود، لوضع رؤيا وخطة شاملة بعيدة الأمد للضغط في إحداث تغيير جذري".

بدورها، قالت أماني عاروري من رام الله، وهي مسؤولة حقوق الإنسان في الممثلية السويسرية، الجهة الداعمة لإعداد التقرير، في حديث إلى "عرب 48" إنه "ساهمت لأكون جزءا من الدعم عن مثل هذه المؤسسات الرائدة التي تجمع أصوات النساء وتوحدها وتقوم بإعلائها. هذا تقرير استثنائي من ناحية المكان ومن ناحية التوقيت في الوقت الذي تتزايد فيه أعداد النساء الضحايا للعنف الأسري والمجتمعي والسياسي".

وذكرت عاروري أن "ظاهرة قتل النساء التي تغاضى عنها المشرعون وتغاضى عنها الذين بدورهم يجب عليهم تنفيذ القانون فقط على خلفية الجنس والهوية، فعندما نتحدث عن المجتمع الفلسطيني بالداخل من المهم دق ناقوس الخطر بأن قضايا النساء هي قضايا مجتمعية".

وأضافت: "يجب أخذها بعين الاعتبار أيضا كقضايا سياسية وهي قضية مجتمعية يجب العمل عليها بشكل تكاملي ومن خلال تكاتف الجهود فلا يمكن للمؤسسات النسوية حل هذه القضية بدون دعم رسمي ومجتمعي لأن حقوق المرأة هي من حقوق الإنسان".

وتابعت عاروري: "في الوقت الذي يعاني فيه المجتمع الفلسطيني بكامل أطيافه من شرخ كبير تكمن تداعياته على توحيد الرسالة الفلسطينية التي تجمع تلك النساء من مختلف أطياف الوطن، في غزة والضفة والداخل والقدس، بسبب التقسيمات السياسية والمجتمعية أيضا التي خلفها الاحتلال، وخلفها أيضا الصورة النمطية عن هذه المناطق، ولكن يأتي هذا التقرير ليوحد هذه الأصوات وأيضا تجربتنا مع مؤسسة كيان في ائتلاف ’فضا’ الذي يضم المؤسسات النسوية من كافة المناطق، أثبتت أن الأثر يكون أكبر والتغيير يكون حتميا عندما تجتمع هذه الجهود لتكون صوتا واحدا ينادي بالمساواة والعدالة وينادي أيضا بإحقاق حقوق المرأة بغض النظر تحت أي نظام سياسي وقانوني يحكمها".

وتحدثت المحامية، ألحان نحاس من جمعية "كيان" لموقع "عرب 48" حول عدم "وجود معلومات كافية لتساعد الشرطة حتى تبني أية خطة أو تعمل بشكل مهني في ما يخص قضايا قتل النساء كظاهرة وليس كقضايا عينية"، محملة الشرطة مسؤولية ذلك.

وقالت نحاس: "عندما لا يوجد لدينا معلومات كافية حول لائحة الاتهام التي قدمت، وعندما لا تكون الملفات محوسبة، والملفات تسير في السلطة والنيابة حسب اسم القاتل وليس باسم الضحية، ولا يوجد معلومات كافية فمن الصعب أن تبني خطة عمل".

وتابعت: "يجب أن تمتلك الشرطة المسؤولية والرغبة في جمع المعلومات وإعطائها أولوية. فالبحث يؤكد عن وجود نقص كبير في المعلومات، وأن الشرطة لا تستطيع متابعة جرائم القتل بسبب النقص، والتساؤل الذي يطرح نفسه: كيف يمكن للشرطة أن تبني خطة لمنع قتل النساء؟".

من جانبها، قالت رئيسة المجلس النسائي في جمعية "كنز" في دير حنا، جهينة حسين، لـ"عرب 48": "مجتمعنا الذكوري الذي يخاف من كل شيء باستطاعة المرأة القيام به، والشعور لديهم بالقلق من أخذ المناصب منهم، فالغالبية لا تنضم للموضوع من ناحية العدالة المجتمعية كي يكون الرجل بجانب المرأة وهذا الموضوع يجب أن نفكر فيه بعمق حول؛ ماهية الطريقة التي نستطيع إشراك الرجال مشاركة فعلية، والعمل على نفس السيرورة للقضاء على ظاهرة قتل النساء".

وذكرت جمعية كيان أنه في هذه الدراسة، أَوْلَيْنا أهمّيّة لتسليط الضوء على جرائم قتل النساء داخل المجتمع الفلسطينيّ، ولا سيّما على زاوية معتمة في مسرح الجريمة، وذلك من خلال رصد مواقف وتصرّفات عائلات الضحايا، وطرق تعاملها مع الجريمة وآثارها، كما ارتأينا فحص المؤثّرات الاجتماعيّة، والحياة الأسريّة والمجتمعيّة بغية دراسة البيئة التي تنمو في المعتاد داخلها جرائم العنف على أنواعها، إذ تمثّل العادات والتقاليد والمعايير الاجتماعيّة واحدة من مقوّمات الجرائم الأساسيّة، باعتبارها انعكاسًا للهياكل الاجتماعيّة وعلاقات القوّة. كذلك أَوْلَينا أهمّيّة، في هذه الدراسة، لطريقة تناول ‘أخبار العنف’ من قِبل وسائل الإعلام التي تتعمّد الإثارة، لكنّها تتجنّب مواجهة القوالب النمطيّة السائدة على أنواعها، وهكذا يتحوّل الإعلام إلى أداة ترسّخ الواقع القائم بدلًا من السعي إلى تغييره. علاوة على هذا، تناولنا كيفيّة تعامل الجهات الرسميّة المختصّة مع هذه القضايا، وسلّطنا الضوء على تقصيرها في أداء الدور المنوط بها من وجهة نظر وتحليل نسويّة".

"تُقتَل النساء لمجرّد كونهنّ نساء"

ولخصت جمعية كيان التقرير بالقول إنه "نلاحظ مؤخّرًا ارتفاعًا ملحوظًا في عدد حالات العنف ضدّ المرأة بعامّة، وفي حالات قتل النساء بخاصّة، إذ تشير الإحصائيّات الخاصّة بالمجتمع الفلسطينيّ في مناطق الـ48 إلى أنّه خلال العَقد الأخير (2011-2020) قُتلت 96 امرأة فلسطينيّة بأيدي أزواجهنّ أو بأيدي ذكور من أفراد العائلة. أكثر من 50% من الضحايا كنّ معروفات لمكاتب الخدمات الاجتماعيّة، وكانت 33% منهنّ معروفات للشرطة (مركز البحث والمعلومات في الكنيست، 2020). وقد يرى البعض أنّ نسبة هذه الجرائم متواضعة مقارنة بسلسلة الجرائم العامّة الآخذة في الازدياد في المجتمع الفلسطينيّ، حيث قُتل 80 شخصًا من بينهم 13 امرأة منذ بداية عام 2020 حتّى شهر تشرين الثاني عام 2020 (هآرتس، تشرين الثاني 2020). ونتّفق- إلى حدّ ما- مع الافتراض القائل بأنّ تحليل ظاهرة قتل النساء لا يجب أن يجري بمعزل عن تحليل ظاهرة العنف في المجتمع ككلّ، لكنّنا ننطلق من الموقف القائل بأنّ قتل الرجال يحصل لأسباب مختلفة، لا تمتّ بِصلة للنوع الاجتماعيّ؛ أمّا قتل النساء فهو نتاج لبِنًى مجتمعيّة وسياسيّة تعزّز النظرة الدونيّة إلى للمرأة، وترسّخ تبعيّتها للرجل، وبالتالي تُقتَل النساء لمجرّد كونهنّ نساء".

"14 قتيلة: من المذنب؟"

وأوضحت جمعية كيان أنه "للمرة الأولى، ثمة بحث يتطرق لموضوع قتل النساء العربيات في البلاد من وجهة نظر عائلات الضحايا. يركز الجزء الأول من التقرير على النتائج التي توصل إليها البحث الميداني من خلال إجراء مقابلات معمّقة مع 22 شخصًا من العائلات ومن مقربين لـ14 امرأة عربية قتلت خلال السنوات الخمس الأخيرة (2015-2020). ويضمّ هذا الجزء من التقرير تحليلًا مفصَّلًا لنظرة تلك الفئات إلى حياة الضحيّة، وإلى تفاصيل جريمة القتل، والعوامل التي كان لها دَور في تسليط الضوء على القضيّة، أو محاولة طمسها من منظورها ووجهة نظرها. وقد تفاوتت الردود بين التضامن والتصادم، وتحميل الضحيّة مسؤوليّة قتلها، بسبب صمتها، أو بسبب مخالفتها للأنماط الاجتماعيّة السائدة.

كذلك امتازت بعض الردود بإبراز التضامن مع الضحيّة وتحميل ‘المجتمع’ عمومًا مسؤوليّة الجريمة، دون الخوض في الأسباب الفعليّة التي دفعت إلى وقوع الجريمة.

أما بالنسبة لدور المؤسسات الرسمية، وتحديدًا الشرطة، فقد جاءت شهادات العائلات والمقربين صادمة، وأظهرت مدى تقصير الشرطة بمعالجة قضايا العنف على الرغم من تكرر التوجهات والشكاوى ضد المعتدي وتوافر أدلة واضحة تشير الى أن حياة المرأة معرضة للخطر: ‘تشكّت [الضحيّة] مليون مرّة. صارت تروح عندهن كلّ يوم... كلّ يوم تروح عَ البوليس... اسمو وكلّو مسجَّل بالتلفون... التهديدات كلّها سمّعتها للبوليس، ومرّات صوّرته فيديوهات وهو يخوّفها، والضرب، والتهديد والتخويف... صوّرت للشرطة وهو يقعُدلها تحت الشبّاك ويخوّفها، ومرّات يطخّ بالهوا، ويودّيلها رسائل وأشياء كلّهن وصلن للبوليس... وما عمل إشي’... ‘رحنا بعدها أكثر من مرّة نقول للبوليس، ويوصّلولنا تهديدات بدهم نلغي الشكوى. بتذكّر مرّة اشتكينا للبوليس وبنفس الليلة أَجو مجهولين حاملين رشّاشات يرشّوا نار حول العمارة كلّها... حتّى الجارة اتخزّقت شبابيك بيتها، عشان رحنا وشكينا عَ البوليس. ما بعرف شو كان يصير عند البوليس لـمّا ينادوه’.

أمّا الجزء الثاني من التقرير، فيستعرض بعض الجوانب المتعلّقة بأداء المستوى الرسميّ والمؤسّسات الرسميّة التي تقع ضمن صلاحيتها متابعة ومعالجة قضايا العنف ضدّ النساء وقضايا القتل، مع التركيز على مؤسّسات الخدمات الاجتماعيّة، والشرطة، ومراكز الخدمات الصحّيّة. وقد أظهر المسح أنّ ثمّة نمطًا من الإهمال الممنهج، وبخاصّة تقاعس الشرطة عن توفير الحماية للضحايا، حتّى في الحالات التي جرى فيها تقديم الشكاوى قبل وقوع الجريمة، أو في عدم جِدّيّة التحقيق في الجرائم بعد وقوعها. وتستعرض بعض الشهادات وجود نمط من التمييز القوميّ الممنهج في جهاز الشرطة، ذاك الذي ينطلق من اعتبار العنف والجريمة ضدّ النساء جزءًا من ثقافة المجتمع الفلسطينيّ المحلّيّ وعاداته".

وأشارت إلى أنه "ضمن هذا المشروع، تقدّمت جمعيّة كيان بكتاب رسميّ للشرطة وطالبتها (وَفق قانون حرّيّة تداول المعلومات) بتقديم معلومات وافية بشأن عددٍ من جرائم قتل النساء العربيّات التي ارتُكِبت خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، إلّا أنّ الشّرطة لم توفّر معظم المعطيات المطلوبة، وادّعت أنّ بعضها غير متوافر، وأنّ بعضها الآخر لا يُلزمها القانون بتوفيره. أمّا فيما يتعلّق بتفاصيل تخصّ لوائح الاتّهام، فقد طلبت الشرطة من جمعيّة كيان التوجّه إلى وزارة القضاء للحصول على هذه المعلومات، بينما ادّعت وزارة القضاء أنّها لا تملك الموارد المطلوبة لاستخراج هذه المعلومات. الإجابات التي تلقّتها كيان من الشرطة ووزارة القضاء تشير إلى خلل بنيويّ في عمل هاتين المؤسّستين في كلّ ما يتعلّق بجرائم قتل النساء العربيّات، وبتطبيق مبدأ الشفّافيّة، الأمر الذي لا يتيح الحدّ الأدنى من الرقابة الجماهيريّة على المؤسّسات الرسميّة وأدائها في معالجة هذه القضايا".

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص