حوقلة..

حوقلة..

يحكى أن قبيلة مسلحة أتت من بلاد في أقاصي الأرض باغتت أهل بلدة عامرة، فسطت على بيوتهم ومنازلهم في توقيت لم يتوقعوه ولم يستعدوا له، لأنه جاء في وضح النهار. وكانوا قد ورثوا التوقع والحذر من المغافلة ليلا لا المباغتة نهارا.

انتصرت التكنولوجيا النهارية على الحذر والخوف الليليين. ولم تسمح القبيلة للرجال الذين تصادف وجودهم في أعمالهم النهارية خارج البلدة بالعودة إلى بيوتهم وطردت أيضا كل من كان قادرا على القتال بقلم أو بسيف ممن تواجدوا في البلدة في ذلك اليوم، فتفرق القوم إلى مشارق الأرض ومغاربها.

أبقت القبيلة في البلدة بعض فقرائها وموظفيها وسمحت لهم بالعيش في المناطق البينية بين الأحياء(حتى باتت هذه كنيتهم التي يعرفون بها: بينيين) وفي تخوم المدينة علها تحتاجهم كأيد عاملة في أيام العطل، وعندما تخرج القبيلة للحرب، وفي الأعمال التي لا يعمل بها المحاربون كعاملين في النظافة والتدبير والتعمير.

وتكاثر هؤلاء الفقراء وعاشوا قريبا من بيوتهم التي عملوا فيها كأجيرين، في الطبخ والتنظيف، ومنهم من عمل في حديقة بيته جنائنيا.

وكان أن وافقت قيادة القبيلة المقاتلة أن ينتخب البينيون لجنة عنهم تشارك في المجالس التي تعقدها القبيلة من حين لآخر للتشاور في شؤونها، فتقدم طلبات البينيين وتظلماتهم. وكان البينيون يقدمون طلباتهم ويتظلمون فيفرحون أن مصيرهم ليس كمصير إخوانهم الذين طردوا.

ولما جاء موعد مبايعة موفديهم احتدم التنافس وأعاد الحياة لقبائل اندثرت، فتنافحت شرفا في التنافس على مجالسة قيادة القبيلة المحاربة، ومرشحون اكتشفوا فجأة طوائفهم فخاطبوا الناس كأنهم طوائف.

تنازع طالبو هذه المنزلة وتخاصموا. وفي النهاية انقسموا بين حزب يؤيد أن تمثلهم القبيلة التي سطت على بيوتهم باعتبارها أقوى وأكثر حضارية وباعتبار بعضهم معجباً بديمقراطيتها. وطرف آخر منقسم إلى عدة متنافسين طموحين يجيدون الخطابة. وفن الخطابة بحكم تعريفه في تلك الديار منفصم بين إتقان الخطيب الخطاب لإثارة إعجاب أهل بيته وبين إتقانه لاستدرار إعجاب أبناء القبيلة المحاربة.

وتجمع أبناء المناطق البينية خارج أحد الأحياء لسماع خطاب أحدهم ممن يرون أن على البينيين أن يمثلوا أنفسهم.
أثار خطابه إعجاب المستمعين. ولكن شابا وقف وقال إن الكلام جميل ومقنع. ولكنه سيمنح ثقته لمن يؤيد أن تمثله القبيلة المحاربة ويكتفي بالجلوس إليها ليذكرها بوجوده.

فسأله الخطيب الفصيح عن السبب من وراء ذلك، ولماذا لا يمثله أبناء جلدته فقال: لقد وعدني صاحب الحي، الذي يقع فيه ما كان بيت والدي، أن يسمح لي بإقامة خيمة آوي إليها على حدود الحي. ولا يستبعد إذا ما أقنعت آخرين أن يسمح لي باستخدامها ليس فقط كمأوى بل أيضا كعريشة لبيع البطيخ في هذا الصيف. فبماذا تستطيع أنت أن تعدني؟ هل تملك صلاحية أن تعطيني إذنا، ترخيصا لأقيم خيمة؟

فأجابه الخطيب المفوه بالنفي وأنه لا يستطيع أن يعده شخصيا، ولكن...وعد أنه يستطيع بالنضال وبتمثيلهم تمثيلا لائقا أمام القبيلة أن يؤكد حقهم جميعا بنصب الخيام في مخيم كامل للجميع وليس له وحده.

بدا من تعابير الشاب أن لم يقتنع بهذ الجواب...
ولما رأى الخطيب أن الشاب لم يقتنع وعده أنه في أسوأ الحالات سوف يتصادق إذا اضطر مع مجلس القبيلة لكي يصبح قادرا على التوسط له شخصيا.
فامتعض الشاب أكثر مما بدا من عدم مبدئية الخطيب. وكان قد أعجب بمبدئيته رغم أنه لن يمنحه الثقة، أما الآن فلن يمنحه الثقة وهو أيضا غير معجب بعدم مبدئيته.

انزعج أحد الحاضرين من كبار السن، وما أن بدأ بالكلام حتى تبين أنه والد الشاب وأنه خجل ومحرج أن يمنح ابنه ثقته للقبيلة المحاربة تمثله لأنها تمنحه حق نصب خيمة وهي التي صادرت بيتهم كله. وذاك لا يستطيع أن يعطي خيمة ولكنه لم يصادر بيتهم أو يجلس فيه، بل صادر بيته أيضا.

فهز الشاب كتفيه غير مقتنع بما سمع: أين ذهبت واقعيتك يا والدي؟ ما دخل الماضي؟ أنتم قلتم أنه من الواقعية أن ننسى الماضي وأن نعتاد على فكرة أنهم لن يعيدوا لنا بيوتنا. ونحن نتحدث بواقعية، الآن وهنا عمن يستطيع منحي خيمة، إنه ذلك الذي صادر بيتي، فهو إذا الأجدر بثقتي.

سمع البينيون الكلام فالتصقت الردود مع الردود على الردود بألسنتهم، لم تبارحها، أما شيوخ البينيين الذين طالما نصحوا باتباع الواقعية منهجا فضربوا كفا بكف لما صارت إليه الواقعية بعد جيل، وحوقلوا حتى جفت حلوقهم.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018