دروس من لعب الغولف مع ترامب...

دروس من لعب الغولف مع ترامب...

ترجمة خاصة: عرب 48

قبل خمس سنوات، قضيت قرابة يوم كامل مع دونالد ترامب، في أحد ملاعب الغولف العديدة التي يملكها، على شاطئ بالم الغربي في فلوريدا. (جميع ملاعب الغولف التي يملكها ترامب تبدأ بكلمة 'ترامب'، ولذا فإنّ علينا الإشارة إليهم بحسب مواقعهم). في ذلك الوقت، لم يكن أحدٌ يفكّر بإمكانيّة أن يصبح ترامب رئيساً، وكان قول ذلك أشبه بنكتة سمجة، إذ لم تكن ثمّة إشارة تُشير إلى الكارثة القادمة.

كنت في ذلك الوقت أعمل على مقالة حول ترامب لموقع Golf Digest، وكان التركيز الأساسيّ منصبّاً على ملعب الغولف الذي كان ترامب يوشك على افتتاحه في الساحل الشرقي لاسكتلندا، بالقرب من أبردين. كان ترامب يملك أو يُدير 17 ملعب غولف، اثنان منهما في اسكتلندا، وواحد في إيرلناد، وواحد في برونكس؛ ومعظم هذه الملاعب كانت على مستوىً عالٍ. لقد بدا الأمر ناجحاً، كعمل استثماري، أكثر من بعض أعماله واستثماراته الأخرى، كالكازينوهات التي يملكها، أو كالجامعة.

ربما يكون السبب هو أنّ ترامب يعرف بعض الأشياء عن الغولف. فهو لاعب جيّد، بل ربما يكون، على الرغم من عمره، أفضل لاعب غولف أصبح رئيساً للولايات المتحدة. وسيكون منافسه الأقرب، بحسب ترتيب موقع Golf Digest، هو جون كينيدي، الذي لم يكتفِ بتقمّص دور وزيّ لاعب الغولف، بل كان لاعباً جيّداً على الرغم من مشاكل ظهره القاسية.

لم يكن أيّ رئيس يملك فرصة في منافسته، بما في ذلك دوايت أيزنهاور، الذي يُمكن وصفه بأنّه كان أكثر لاعب غولف تعطّشاً للرئاسة، والذي صنّفه الموقع ذاته خلف كيندي مباشرة كان لدى أيزنهاور مساحة للتمرّن على الغولف في حديقة البيت الأبيض، كما إنّه ترك بضعة آثار لمسامير الغولف على أرضيّة المكتب البيضاوي، على أنّه كان يُعاني من مشاكل في أداء الضربات القصيرة الأخيرة، كما كان يُعاني من ركب ضعيفة، خلال حملته الانتخابيّة للفترة الرئاسيّة الثانية، كان مُلصق شهير كُتب عليه ' نرشّح بن هوجان (لاعب غولف شهير) للرئاسة. إن كان رئيسنا ليكون لاعب غولف، فليكن اللاعب الأفضل.

في 2012، تعهّد ميت رومني بأنّه في حال انتخابه رئيساً، سيتوقّف عن لعب الغولف في أثناء فترته الرئاسية، على خلاف باراك أوباما المتهرّب من عمله! ولكنّ جورج بوش (المصنّف السادس بين لاعبي الغولف الرؤساء، بفارق رتبة واحدة عن أبيه) قد دافع عن أوباما. وكان أيزنهاور ليدافع عنه أيضاً. فقد كان يعتقد أن الرئيس، على وجه الخصوص، بحاجة إلى أن يجد مساحة من الترفيه، تُريحه من ضغوط العمل المكتبي المرهقة، والغولف أحد هذه المساحات. في الحقيقة، إن أمكن لأحدهم إقناع ترامب أن يقضي فترته الرئاسيّة في لعب الغولف، فلا شكّ أننا سنكون في حال أفضل!

'إنني أفعل ذلك من أجل المرح'، هكذا قال لي ترامب على الغداء، حين كنا نناقش افتتاح ملعبه. 'لقد أصبح عملاً ناجحاً، بسبب مستوى جودته العالية. فبينما ترى أن معظم أندية الغولف فارغة، ترى الجميع يتوافد إلى هنا. وأقصد بـ'هنا'، جميع أنديتي. فجميع هذه الأندية ناجحة، وبدرجة ممتازة'. إنّ المواضيع التي يتحدّث عنها ترامب باستمرار هي المال ونفُسُه؛ بل وربما تكون هي المواضيع الوحيدة. (لقد وصف لي موقع النادي أنه في 'أغنى منطقة على وجه الأرض، من ناحية الثروة، كما تعلم'). 'إنني أجني عشرة أضعاف ما أدفعه' هكذا قال. 'إنني لا أشتري ملعباً إلا إذا كنت أعرف أنه يحمل الإمكانيّة ليصبح الأفضل. إنني لست مهتمّاً بأيّ شيء في المرتبة الثانية'. بدأ يُقلّب مجموعة من الصور لملاعبه. 'هذا ملعب بدمينستر في نيوجرسي؛ إحدى أغلى المناطق في أميركا... إنّه أفضل من الملعب في وادي الصنوبر، واللاعبون في وادي الصنوبر يقولون ذلك. لقد جاء اثنان منهم إليّ وقالا، 'سيّد ترامب، هذا الملعب أفضل من ملعب وادي الصنوبر، ولكن أرجوك لا تقل ذلك على لساني'... أما هذا فهو في مواجهة الكونغرس تماماً بشكل غير مسبوق...  هذه أفضل قطعة أرض في البلاد، تماماً هنا... أما هذا فيبعد عشر دقائق عن فندي Beverly Hills ...  لا يوجد مكان مثله. وحتى من لا يحتملون دونالد ترامب، يقولون إنه أفضل ملعب بُني على الإطلاق'.

بعد الغداء، لعبت مع ترامب على 18 حفرة، ورافقنا حارسه الشخصيّ وجون نيبورتي، رئيس قسم المحترفين في النادي. وسألني أحد الأصدقاء لاحقاً ما إذا كان ترامب لا يُدرك كيف تبدو شخصيّته العامّة، وقد أجبته، بقدر ما أعرف، فإنّ ترامب الذي نراه على التلفزيون هو ترامب الحقيقيّ كما هو،  الطفل الذي مُنح، وعمره 10 سنوات، طائرة حقيقية ومليار دولار. بعبارة أخرى، إنّه رجل المرح المناسب للتسكّع معه. كما لاحظ تايجر وودز مؤخّراً، بعد أن لعب هو الآخر مع ترامب، فإنّ تراب يرمي الكرة لمسافة بعيدة بالنسبة لرجل يبلغ السبعين من العمر. (لقد رمى الكرة أبعد مما رميتُها).  إنّه ضارب جيّد للكرة، وضعيف في الضربات القصيرة إلى الحفرة، على الرغم من أنّه يستعمل أسلوباً مميّزاً في وضع الكرة بالحفرة. بعد نهاية اللعبة، التقطنا صورة أنا وترامب في مقابل تصميم مصمم كسمة تُميّز مجموعة من ملاعبه : شلال مائي اصطناعي ضخم، وهي من مظاهر الفخامة والأبّهة التي توازي الثريات الذهبيّة المزيّفة والأثاث 'الفرنسي' الذي يحبّه.

تصنّف المجلات ومنشورات الغولف ملاعب الغولف باستمرار – أفضل مئة ملعب في العالم، أفضل مئة ملعب في أميركا، أفضل عشرة في الولاية – وعلاقة ترامب بهذه التصنيفات معقّدة. فقد اشتكى لي أن منشورات الغولف لا تُقيّم ملاعبه بنزاهة ولا تضعها في ترتيب مرتفع كما تستحق، لأنّ من المُقيّمين يُكنّون له الضغائن، ولكنّه قال لي أيضاً، بأنّ لم يسمح لأيّ من المُقيّمين باللعب في ملاعبه، لأنّهم سيعترضون طريق اللاعبين الأعضاء. 'قد نواجه ثورة بين الأعضاء' هكذا فسّر الأمر. 'لأنّه، على خلاف الأندية الأخرى، كلّ أعضاء أنديتي مثاليّون. وعندما نسمح لمئات المُقيّمين بأن يلعبوا أيضاً'، وعلى الرغم من ذلك، فحين يكتب أحد مُقيّمي الغولف شيئاً إيجابيّاً عن ملاعب ترامب، فإنّ ترامب يقتبسه مراراً (ويُضخّمه بالطبع).

في مقالتي تلك، كتبت أشياء إيجابيّة عن ملاعب ترامب. ولكنّ ترامب، على الرغم من ذلك، كان مستاءً. وقد دعا محرر الموقع Golf Digest ليشتكي له، وقد دعاني بدوره، متصلاً بي على هاتفي الشخصي. كنت في ذلك الوقت في المدينة، أعمل على مهمّة تحريريّة لا علاقة لها بالغولف، وقد كانت تجربة سورياليّة أن يتمّ تأنيبي من قبل رئيس مستقبلي للولايات المتحدة، بينما كنت أقف بين حجارة المقبرة بالقرب من كنيسة ترينيتي. لم يكن مستاءً من أنّ أحد الرسوم التوضيحيّة المرفقة بالمقال الذي نشرته ترتدي شعراً مستعاراً من العشب؛ يُشبه شعره الغريب، ولم يكن مستاءً من أنني قد ذكرت أنه قد سأل فتاتين صغيرتين في مار ألاغو إن كانتا تريدان أن تصبحا عارضتي أزياء حين تكبران، أو لأنني ذكرت أنني قد دفعت له بقشيشاً بخمسة دولارات في موقف السيارات المزدحم ظانّاً أنه عامل في الموقف، أو لأنني ذكرت أنه قدّم لي أحد أعضاء النادي، بصفته 'أغنى رجل في ألمانيا' دون أن يذكر اسمه. لقد كان مستاءاً لأنني لم أذكر في المقال أنه قد حقق ضربة 71 تحت المعدّل!

وأنا لم أذكر ذلك لأنّه لم يحدث. فنحن لم نكن نلعب على النقاط، بل كنا نلعب بوديّة وبرقّة ونتساهل مع بعضنا؛ كلاعبين يمرحان دون جديّة. وقد أجبته إجابة مؤدّبة لا أستحضرها الآن، ولكنّه لم يهدأ. وقد كان غاضباً لأنني وصفت ضربته الجانبيّة بـ'الضعيفة'. وقد ذكّرته بأنني قد كتبت الكثير من الإطراءات حول أسلوب لعبه، وأنني ذكرت انتصاره في ثلاثة بطولات على مستوى النادي ولكنّ ذلك كلّه لم يجد نفعاً. لقد كان مصرّاً على أنني لم أذكر الرقم 71، ولأنني لم أنشر هذا الرقم فإنني، بحسب رأيه، مثل جميع الصحفيين المنحازين، الذين ، لأنّهم جزء من المؤامرة الإعلاميّة ضدّ ترامب، لا يُعطونه التقدير الذي يستحقّه. وهذه هي عادة ترامب المتكررة، والتي يمارسها الآن، وهي أن يُظهر نفسه على أنّه مظلوم وخاسر، حتى لو كان رابحاً.

يسألني البعض فيما إذا ترامب يغشّ في لعب الغولف. وقد سمعت بعض القصص حول ذلك، لنقل إنه يقوم ببعض التساهلات، ولكنني لا أعتقد أن 'الغش' هو وصف مناسب لأيّ شيء قام به خلال لعبنا سويّة، كما إنني لا أظنّ أن 'الكذب' هو وصف مناسب لما يقوم به حين يُقدّم خطاباً أو يُجيب عن أسئلة الصحافة. إنني أشكّ أن ترامب قد حقق 71 نقطة تحت المعدّل، داخل رأسه فقط. فعالم ترامب عالمٌ موازٍ يُمكن للحقيقة فيه أن تأخذ أشكالاً متعددة، وقد لا تكون أيّ من هذه الحقائق مطابقةً للواقع. وسيكون من الأفضل لنا جميعاً أن نعتاد على طريقته في التفكير، لأنني، في السنوات الأربعة المقبلة، سنعيش داخل هذا العالم أيضاً.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018