لماذا لا نستطيع تذكر بدايات أيام الطفولة؟

لماذا لا نستطيع تذكر بدايات أيام الطفولة؟
(pixabay)

ترجمة خاصة: عرب 48

لا يتمكن المعظم من استحضار ذكرياته التي عاشها عندما كان طفلاً رضيعاً. تقسم أختي أنها تتذكر أيامها في عمر السنتين، ولكني لا أستطيع تذكر أي شيء سابق على عمر الثلاثة سنوات ونصف، وذلك عندما أخذوا والدتي من المنزل إلى المستشفى، فأنا أتذكر حالة الحماس التي كنت فيها حينها، ليس بسبب الطفلة الجديدة التي ستأتي إلى المنزل، بل لأني كنت سأحظى بمجلات قصصية لشخصية الرجل العنكبوت كمكافأة على سلوكي الحسن أثناء تلك المحنة. ولكن لماذا يوجد هذا الثقب في ذكرياتنا؟ لماذ لا نستطيع تذكُّر أيام الطفولة الأولى؟

كان سيغموند فرويد هو أول من شخَّص هذه الظاهرة، حيث ما سماها بـ 'فقدان ذاكرة الرضَّع' أو 'فقدان الذاكرة الطفولي'، حيث اعتقد أن ذلك يعود لانهيال الأفكار الجنسية في ذلك الوقت وهو ما لن يحتمله رأسك في ذاك الوقت. لكن لم تعد هذه النظرية محل اعتبار، ومنذ ذلك الوقت، قام علماء الأعصاب وعلماء النفس واللسانيين بمقاربة هذا السؤال كلٌّ من وجهته الخاص.

سيجموند فرويد

زودت الأبحاث المعمَّقة حول موضوع الذاكرة مساحات نظرٍ جديدة. حيث يعتقد علماء الأعصاب اليوم أن ذلك يعود إلى عدم اكتمال نمو مساحات الذاكرة طويلة المدى في الدماغ. فهناك مساحتان مسؤولتان عن تشكُّل الذاكرة في الدماغ البشري، وهي الحصين والفص المتوسط. وبالإضافة للذاكرتين طويلة المدى وقصيرة المدى، ثمَّة جانبان آخران أيضاً، وهما الذاكرة الدلالية والذاكرة العَرَضية. حيث تُعنى الذاكرة الدلاية بتذكُّر المهارات الضرورية أو مواقع الأشياء الموجودة في البيئة المحيطة، وهو ما يساعدنا على التحرك في العالم.

تنضج الأجزاء الضرورية للذاكرة الدلالية بحلول العام الأول. ولكن لا يتمكن الحصين في ذلك الوقت من التكامل مع الشبكات المختلطة التي تتشكل في ذاك العمر، وهو ما لا يتحقق إلا بين العامين الثاني والرابع.

بينما تترابط أوتار الذاكرة العرضية لتشكل هذا الوعي الذي نعتاد عليه. والأمر الغريب هو أن القشرة الجبهية – وهي المساحة المسؤولة عن الذاكرة العرضية – لا يكتمل نموها إلا عندما نبلغ العشرينات. لذلك فإن الذكريات التي تتشكل ابتداءً من عمر العشرين وما بعده تكون أكثر تركيباً وعمقاً وتتضمن على التفاصيل المهمة، كالوقت والتاريخ الذي حصل فيه الحدث. والمثير للاهتمام هو أنه في الثمانينات اكتشف الباحثون أن الناس يتذكرون ما حصل معهم بين العام السادس والسابع على الأقل. وقد يشير هذا الاكتشاف الجديد المزيد عن الأسباب.

هناك دراسة كندية نشرت في مجلة العلوم عام 2014، يبدو أنها كشفت عن أسباب عدم قدرتنا على تذكر أعوامنا الأولى. فخلال حياتنا، يكون مسار تكوين الخلايا العصبية أو نمو الخلايا الدماعية في حالة من التشكُّل المستمر، ولكن بالنسبة للأطفال الرضَّع، تسير عملية التشكل هذه بوتيرة سريعة جداً، خاصة في منطقة الحصين، فبحسب الدراسة، تنمو مجموعة متعددة من الخلايا الدماغية دفعة واحدة، وهو ما يتسبب بفقدان للذاكرة بسبب قوة هذه العملية.

تعمل الخلايا العصبية المتشكِّلة على دفع دوائر الذاكرة القائمة ومزاحمتها، ومن ثم استبدالها، وهو ما يؤدي لفقدان ذكريات الرضيع. تحدث عملية تكوين الخلاية العصبية عند جميع أنواع الثديات، وقد تم اختيار القوارض في هذه الدراسة ليكونوا موضوعاً للتجربة، فبدأ العلماء بالفئران. كان يستقبل الفأر صدمة كهربائية بسيطة عندما يصل إلى مكان محدد من الحوض، ويقوم الباحثون بعد ذلك بإعطاءه عقاراً أو يضعونه ليركض على العجلة، حيث يعمل كلا الأمرين على تخفيز تكوُّن الخلايات العصبية عندهم.

ومع ازدياد نمو الخلايا العصبية، كان يميل الفئران إلى عدم تذكُّر الصدمة الكهربائية. ولكن عندما كانت عملية تكوين الخلايا العصبية أبطأ، كان الفئران أفضل في التذكر. وقد تم تطبيق التجربةعلى كائنين آخرين وهما الخنزير الغيني وفأر الديغو (نوع من الفئران التشيلية).

وتبين أن هذين الكائنين لا يملكان نفس معدل تسارع تكوُّن الخلايا العصبية الموجود عند الفئران الصغيرة، وكنتيجة لذلك فإنهم لا يواجهون فقدان الذاكرة. وعندما قام العلماء بتسريع وتيرة تكوين الخلايا العصبية في أدمغتهم، أصبح كلا الكائنين أكثر ميلاً للنسيان. والمهم هنا، هو أننا نعلم أن عملية تكوُّن الخلايا العصبية تحدث عند القرود ونظنُّ أنها تحدث عند البشر أيضاً.

قد يبدو انمحاء ذكرياتنا الأولى خسارةً تراجيدية بالنسبة لنا، ولكن بحسب د. بول فرانكلاند، والذي أدار هذه الدراسة، فإن هذه العملية ضرورية للنمو. د. فرانكلاند متخصصٌ في البيولوجيا العصبية في مستشفى المرضى الأطفال في تورنتو، حيث قال أن 'بعض أنواع النسيان ضروريةٌ للذاكرة، فهناك مساحة محدودة، وينبغي أن تزيد السعة كي تتسع لكمية أكبر، لا بد من التخلي عن الذكريات غير الضرورية، فأنت تحتاج أن تتذكر التفاصيل والأحداث المهمة'.

وأشارت دراسات أخرى إلى أن السبب يعود إلى نقص المهارات اللغوية أو عدم الاكتمال العاطفي عند الأطفال الرضَّع والذي لا يمنحهم القدرة على حفظ الذكريات المركَّبة. كما يلعب غياب الشعور بالأنا دوراً في ذلك. وبدلاً من العمل على إضعاف هذه الحجج، فإن الدراسة السابقة تدعمها. فقد تكون هذه جميعها قطعاً لأحجية معقَّدة. لكن بالرغم من إمكانية حدوث مثل هذه الظاهرة بيننا نحن البشر، إلا أنه يصعب إثبات ذلك حالياً، فأنت لا تستطيع أن تستولي على جمجمة أحدهم لتراقب دماغه، خاصة إذا ما كان طفلاً رضيعاً.

وحتى لو ثبت وجود ذلك عند البشر – وهو أمر مرجَّح – فإن هناك اختلافات واسعة بين إمكانيات الاحتفاظ بالذاكرة بين شخص وآخر. وهناك أيضا دور للثقافة، فالناس الذين يعيشون في البيئات الغربية يميلون لتذكُّر أمور أكثر، في مقابل أبناء البيئات الشرقة، وذلك بحسب عالم النفس كوي وانغ من جامعة كورنيل. وذلك لأن التركيز في الغرب ينصب على التجربة الفردية وهو ما يعطي معنىً أكبر وأكثر تأثيراً للذكريات، وهناك العامل الجيني أيضاً.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018