لماذا لم يعد من الممكن السيطرة على الجماهير عبر الإعلام؟

لماذا لم يعد من الممكن السيطرة على الجماهير عبر الإعلام؟
(pixabay)

ترجمة خاصة: عرب 48

عندما هيمنت أجهزة التلفزيون على الصحف الورقية والراديو مع سيطرة  وسائل الإعلام خلال النصف الثاني من القرن العشرين، حصل تحول جوهري تمثَّل بسيطرة قلة من أصحاب الامتيازات على كاميرات التلفزيون لتتمكن من توجيه الخطاب للجماهير.

 إن انتشار هذا الافتراق بين المتحدث والمستمع على صعيد الأخبار والآراء لم يؤد فقط إلى تشكيل طبيعة المعلومات، بل شكَّل أيضاً الطبيعة النفسية لهؤلاء الناس، وللأشخاص الذين عاشوا بين حقبة التلفزيون والتحولات التي أحدثها الإنترنت.

نمط التوجيه هذا القائم على ثنائية المتحدث والمستمع – والتي تكيف المجتمع معها بحيث أصبح ما يقوله الخبراء أمراً مقبولاً ومعتبراً – يمثل 'كنيسة زرقاء' على حد تعبير المدير التنفيذي لمؤسسة Neurohacker جوردان غرينهول، حيث قال على موقع Medium: 'تعبِّر الكنيسة الزرقاء عن نمط من البنى الأيديولوجية/ السردية المهيمنة التي كانت نتيجة طبيعية لوسائل الإعلام الجماهيرية.

 إنها حالة متطورة (بدلاً من كونها منفردة) سيطرت على منتصف القرن الماضي لتكون وسيلة متَّصلة بشكل كبير بـ'المؤسسة' الديمقراطية السياسية ومتصلة بشكل خفي مع 'الدولة العميقة' لتشكِّل قوةً ثقافية فعَّالة من التسييس والهيمنة في الولايات المتحدة'. يحرص غرينهول على التأكيد بأن الهيمنة ليست بالأمر السيء: فهي تعبِّر عن الكيفية التي يمكن من خلالها أن يتبنى مئات الملايين قراراً جماعياً وينخرطوا في سلوك جمعي للسير بمجتمعهم للأمام.

وهذا ما قاله جوردان غرينهول حول هذا الموضوع:

لا أريد الخوض في الجانب التاريخي للموضوع ولكن هناك تاريخ مفصَّل يوضِّح أسباب وصول بعض الأفكار لمكانة مركزية في أواخر القرن العشرين وكيفية حصول ذلك. وسأعطيكم مثالاً واحداً على هذا، خذوا فكرة إدارة العمليات، والتي تمت تأسيسها خلال الحرب العالمية الثانية حيث ساهمت في صايغة القرارات الاستراتيجية المتعلقة بكيفية تحريك السفن عبر المحيط الأطلسي أو حول قصف ألمانيا بالقنابل من خلال توظيف الأدوات الإحصائية، أي توظيف التحليل الإحصائي لتحليل كفاءة الخطوات المختلفة ومن ثمَّ اتخاذ القرارات المبنية على نتائج الإحصاءات. وبالتالي كانت إدارة العمليات فعَّالة جداً في المشهد العسكري، كما عمل الأشخاص الذين تعلَّموا هذه المهارات على تطبيقها في الاقتصاد ثم بدأوا تطبيقها في في أمور أخرى كاتخاذ القرارات المتعلقة بإطلاق المشاريع التجارية. إذاً كانت هذه هي الركيزة الأولى للنظام التي تم البناء عليه اليوم.

والآن، تحاول فكرة 'الكنيسة الزرقاء' أن تسير على ذات المنطق لتَلِج في طبيعة البناء المهيمن. ولا أقصد بالمهيمن الإشارة إلى أمر سيء بقدر ما أود الإشارة إلى الآليات التي تمكِّننا من اتخاذ القرارات الجماعية والانخراط في السلوك الجميع، أي البناء الذي يحمل قراراتنا وسلوكاتنا المشتركة. ما زلنا نقبع تحت هذا البناء المهيمن الذي جاء من ذلك الإطار الزمني، وبالرغم من كون هذا البناء جزءاً من صورة كبيرة إلا أنه يحمل قيمة بارزة، والأمر الذي نفترضه الآن هو وجود دور مهيمن يلعبه الإعلام، ولكننا دخلنا اليوم في مرحلة كسر هذه الهيمنة، وهذا شيء جيد. هناك ديناميكية خاصة ترتبط بالوسائل الإعلامية التي تُذِيع لصالح فرد أو مجموعةٍ من الأفراد، لأن هذا ما كان عليه واقع الحال، فعلى سبيل المثال، كان في السابق يوجد جهاز التلفزيون الذي يذيع ثلاثة محطات، حيث كان هناك ثلاثة أشخاص فقط مسؤولون عن التواصل مع الشعب بأكمله. لقد كان هناك تقسيم غير متساوٍ بين المتحدث والمستمع، ولم يكن هناك مجال للتواصل بينهما. بمعنى فلنفترض أني أنا في موقع الاستماع، وأنت في موقع الإلقاء، ويوجد 30 مليون نسخة مني ونسخة واحدةٌ منك فقط.

وفي الحقيقة هذه ديناميكية مهمةٌ جداً. وإذا لم تفهم هذا الأمر ومدى أهميته فستواجه صعوبة بالغة في إدراك ما حدث في النصف الثاني من القرن العشرين، وتحديداً مع بروز التفلزيون باعتباره وسيطاً إعلامياً استبدل الراديو والصحف الورقية. وبالمناسبة، ستواجه صعوبة أيضاً في فهم ما أحدثه صعود الإنترنت باعتباره الوسيط الذي حل مكان التلفزيون. وبمجرد فهم هذا التحول وما يتضمنه ذلك على المستويات الأعمق نكون قد حصَّلنا ملكةً أساسية في توقع ما سيحصل في المستقبل.

إذن ومن خلال أخذ التلفزيون كنموذج، أعود لأنظر للوراء وأقول: حسناً، هل هناك أشياء تشبه طبيعة التلفزيون؟ وهذا لأمر مثير، فإذا نظرنا للمدرسة على سبيل المثال فسنجد تشابهاً جوهرياً من ناحية وجود متحدثٍ واحد وجمهور كبير مع وجود القليل من التفاعل بينهما، وهو ما ينطبق على الجامعة أيضاً حيث تجلس في المحاضرة وتجد 500 شخص في القاعة. وهذا يشبه جوهر ما يقوم عليه التلفزيون من ناحية تشابه المسار الذي تسير فيه المعلومات. وهذا أمر مهم على صعيد الديناميكيات الاجتماعية والديناميكيات النفسية أيضاً، لأنك عندما تكون في عمر الطفولة، فإن علاقتك مع الثقافة تنحصر في لعب دور المتلقي، وبالتالي فإن نموك النفسي، وما يتضمنه ذلك من توقعاتك وعاداتك وطريقة تكيفك مع العالم، سيصبح مرتبطاً بشدة مع هذه البيئة. فأنت تتكيف مع البيئة المحيطة وهذا يتضمن مجموعة من البنى النفسية العميقة. وبالتالي فإن هناك علاقةً بين الآليات والوسائل والإمكانيات المتعلقة بفكرة الإذاعة – كالمدرسة والتلفزيون وغيرها – والاستراتيجيات السلوكية والعادات وحتى المكانة التي يتحصلها الأفراد في المجتمع.

لذا عندما تصل إلى أواخر التسعينات فإنك تتعامل مع مجتمع يمكن فهمه كمجتمعٍ قائم على الإذاعة، وهو ما يؤثر على آلية اتخاذ القرارات، إذاً يمكن أن نصف هذا المجتمع بأنه قائم على نموذج الموسوعة البريطانية أو نموذج المذيع والتر كرونكايت، حيث توجد بنىً تراتبية هرمية لا تتاح فيها فرصة الحديث إلا من خلال آليات اختيارٍ قائمة على تسلسل هرمي يتربع فيه الفرد على القمة ويحظى بسلطة الحديث، بينما يُذعن الباقي للاستماع إليه. فمثلاً هذا ما يحصل في الموسوعة البريطانية، فهناك شخص ما أو مجموعة ما من الخبراء يكتبون مقالاً على الموسوعة، ويتم اختيارهم بطريقة ما ليكونوا خبراء ويتولوا مسؤولية التعامل مع الأسئلة القائمة ليعودوا فيها لمراكزهم البحثية ويتباحثوا حولها ضمن بيئة أكاديمية، ليخرجوا لنا بمقولات تحدد ما هو الرأي الجماعي حول هذا الموضوع أو ذاك. ثم ينشرونها عبر محطات إذاعية لنستمع إليها جميعاً، لنتبناها ونصادق عليها ونمضي في طريقنا.

وهذه آلية فعَّألة جداً تعطينا القدرة على جمع مئات الملايين من الناس من مختلف الأماكن على تصورات وافتراضات موحَّدة حول طبيعة العالم وطبيعة الممارسات المطلوبة والقيم المفضَّلة أيضاً: أي تحديد الأمور المهمة والأمور الهامشية. ولكن ما يحصل بشكل جزئي اليوم هو عملية تفكيك بنى التواصل هذ نحو حالةمن اللامركزية، وذلك عن طريق الإنترنت وجميع تجلياته والهواتف وغيرها، والتي تعمل على تغيير الديناميكيات السائدة بشكل جذري. وبالتالي فالإنترنت يتَّصف بالمساواة، بمعنى أن عدد الناس الذين بقدورهم الكلام قد أصبح متساوياً. وبطبيعة الحال لا يوجد تساوي في الجماهير بالنسبة للفرد، ولكن البنية لا تغلق الفرص أمامه. ولا ننسى أن العلاقة بين المتحدث والمستمع قد أصبحت أكثر مرونة وتواصلية.

يتضمن هذا التحول قدراً كبيراً من الانعكاسات، لذا يمكن أن نشخِّص أثر ذلك على كل من السلطة والعلاقة بين صناعة القرار والسلوك، ولكن يمكن أن نرى تأثير ذلك على الجانب النفسي. فالإحساس البدهي الذي نمتلكه في عقولنا قد تكيف أيضاً مع هذه التغيرات، هذا الإحساس الذي يتعلق بطريقة اتخاذ القرارات في العالم الذين نعيشه. وبالتالي فإن الأشخاص الذين عاشوا في بيئة ما بعد الإنترنت يختلفون على المستوى النفسي عن أولئك الذي نشؤا قبل هذه البيئة. وهذا يعني أن مجموعة التوجهات والطرق التي تطورت مع حقبة التلفزيون لم تعد قادرة على التكيف مع هذه البيئة النفسية الجديدة، أي تلك المرتبطة بمبدأ الإذاعة القائم على فكرة 'نحن علينا أن نرسل الرسائل وما عليك أنت إلا أن تستقبلها'. وهذا يختلف عن الطبيعة النفسية والتكنولوجية الخاصة بالإنترنت وحالة اللامركزية والمساواة التي تقدمها والتي تقوم على فكرة 'لا، نحن قادرون على النقد، نحن قادرون على الرد وبشكل مباشر'.  لذا فالرسائل التي ما زالت تُذاع وما زالت تميل للتأثير علينا عاطفياً  لكن لم يعد لها ذاك التأثير الذي كان موجوداً في السابق، فقد بات بإمكاننا الرد عليها والمنوارة حولها وكسرها أيضاً.

وأعتقد أن هذا يقدم تفسيراً جيداً عن ما حصل في المجال السياسي في الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية وما حصل حالياً خلال سنتين فقط.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018