كيف يمكن للاستقلال الكردي أن يعيد تشكيل الشرق الأوسط؟

كيف يمكن للاستقلال الكردي أن يعيد تشكيل الشرق الأوسط؟
توضيحية (visualhunt)

(ترجمة خاصة: عرب 48)

مع اجتماع زعماء العالم في ترتل باي في نيويورك، من أجل اللقاء السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يكن هناك نقص في تشخيص الأزمات الدولية. فقد هيمنت قضايا النووي في كوريا الشمالية وإيران على خطاب دونالد ترامب الأول أمام الأمم المتحدة، ولكن يبدو أن التحديات التي يمر بها الشرق الأوسط تعبِّر عن نفسها خارج قائمة الأولويات السياسية الأميركية أو تفضيلات الرئيس.

وبالتأكيد، لا بد من وجود شيء يمتص الصدمات، ليقول "هذا أمر يحدث عادةً في الشرق الأوسط"، وهذا صحيح. فالواقع يتحرك في الشرق الأوسط سواءً أكانت الولايات المتحدة مستعدة له أم لا، وعادة ما يكون ذلك مستقلًا عن التوجهات الأميركية. وأحد هذه القضايا المتسارعة هو التصويت على الاستقلال الكردي.

غدًا الإثنين 25 أيلول/ سبتمبر، ستعقد المنطقة الكردستانية شبه المستقلة في العراق استفتاء يدور حول هذا السؤال: "هل تريد للمنطقة الكردستانية والمساحات الكردستانية الواقعة خارج الإدارة المحلية أن تصبح ضمن دولة مستقلة؟"، سيؤسس التصويت لتفويض للحصول على دعم دولي يؤدي لخروج تفاوضي عن العراق، على أن يحدث ذلك خلال العقد القادم. سمِّها "خروج كردستان" (Kexit) كما هو الحال مع التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

بايدن والبرزاني (أ.ف.ب.)

بالنسبة للولايات المتحدة، فالقضية أكبر من مجرد استقلال الأكراد عن العراق، بل تتعلق بطبيعة رؤية الولايات المتحدة لمستقبل الشرق الأوسط وعلاقتها الخاصة مع مجموعة من دول العالم الـ193 التي تمثل نفسها في الأمم المتحدة. وما يعنيه ذلك أيضًا، هو أن إدارة ترامب في حاجة لرؤية شاملة للغايات المحلية الأميركية التي ستعمل على توجيه صياغة إستراتيجية شاملة مع الشرق الأوسط. وفي المقابل، ستعبر هذه الخطة عن الخيارات التكتيكية أمام فريق ترامب.

حتى الآن، التحقت إدارة ترامب بمعظم الفاعلين المحليين في المنطقة المعارضين للاستفتاء. حيث قالت وزارة الخارجية في حزيران/ يونيو، إنها تتخوف من أن يؤدي الاستفتاء إلى تشتيت النظر عن "الأولويات الأكثر إلحاحًا"، مثل هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). بل أضافت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية، هيذر نويرت، في تصريح صحفي في 15 آب/ أغسطس الماضي، معبرةً عن وجود "مخاوف حقيقية" من التصويت حتى لو كان يعتبر أمرًا غير ملزمًا.

وأكدت على موقف الوزارة بأن الولايات المتحدة تريد "عراقًا مستقرًا وآمنًا وموحدًا" وأشارت إلى الاستفتاء وحثَّت الأكراد قائلة: "علينا ألا نشتت تركيزنا عن القضية المهمة، علينا أن نركِّز على تنظيم الدولة الآن". وبالتأكيد، يمكن القول بأن الأولوية بالنسبة للفرد الكردستاني العراقي هي الاستقلال وليس تنظيم داعش، والتي كان من أسباب صعودها فشل الحكومة المركزية العراقية، وهي من تتلقى دعمًا قويًا من وزارة الخارجية.

وكان المبعوث الرئاسية الأميركي الخاص لمكافحة تنظيم داعش – الذي لا زال في مكانه منذ عهد أوباما – بريت ماكغورك، أكثر حدية في المؤتمر الصحفي الذي جرى في تاريخ 14 أيلول/ سبتمبر في أربيل، ومؤكدًا على "عدم وجود دعم دولي لهذا الاستفتاء من أي جهة". ووصفه بأنه جاء "في وقت سيء" وبـ"مشورة سيئة" وأنه "مليء بالمخاطر".

المسألة الكردية

بالرغم من اعتراضات واشنطن الرسمية، فقد كانت هناك مبادرة سابقة مشابهة لما يحصل اليوم. حيث حصل إقليم كردستان العراق على الحكم الذاتي منذ نهاية عام 1991، وذلك بعد انسحاب قوات صدام حسين بعد حرب الخليج. ومنذ ذلك، أسس الأكراد في ظل الحكومة الكردستانية المحلية مؤسسات مستقلة تتضمن برلمانًا ووزارات مختلفة وقوات مسلحة. وكانوا يمتلكون عملتهم الخاصة ويحصلون على حوالي خُمس إيرادات النفط العراقي ضمن اتفاقية تشرف عليها الأمم المتحدة، وذلك حتى الغزو الأمريكي على العراق عام 2003.

ولكن بعد الحرب على العراق، حصلوا على ما تبين أنه ضمان فارغ على إمكانية استمرار إقليم كردستان العراق كإقليم شبه مستقل واستمرار حصوله إيرادات النفط، وانتهى الأمر للتفاوض على تغيير الحدود – وربما استقلالها – في مقابل اتفاقهما للعودة المؤقتة للعراق. وللحفاظ على هذه الآمال، عقدت الحكومة الكردستانية المحلية في عام 2005 استفتاءً غير إلزاميًا مشابهًا لهذا الذي سيحصل في هذا العام. وخرجت بنتيجة 99% يؤيدون خيار الاستقلال. لذا يمكن القول أن الأكراد قد نفذ صبرهم الاستراتيجي اليوم.

الموقع، الموقع، الموقع: التعويذة الديموغرافية

بعيدًا عن أولئك الذين يعيشون اليوم في شمالي العراق، يمتلك العرق الكردي بشكل عام قضية ملحة لتحديد المصير. يصل تعدادهم اليوم إلى حوالي 30 مليون إلى 40 مليون شخص يسكنون المناطق المتاخمة لحدود تركيا وسوريا والعراق وإيران وأرمينيا. وكمجتمعات متميزة، كان الأكراد آخر الأعراق الموعودين برهان الاستقلال بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى. وفي معاهدة سيفر لعام 1920، كان من المقرر أن يحصل الأكراد على "كردستان" مستقل، ولكن تم تجاهلهم فيما بعد من قِبَل الغرب المتمثل بالقوة الاستعمارية (خاصة بريطانيا وفرنسا) خلال معاهدة لوزان عام 1923. صاغت هذه الاتفاقية حدود تركيا الحديثة ورسمت خطوطًا جديدة في المنطقة مع تجاهل لسكانها. وبالرغم من أعدادهم، أصبح الأكراد اليوم أقلية في كل بلد يسكنون بها وتم إحباط معظم محاولات الاستقلال في الدول الحاضنة لهم.

لذا من غير المفاجئ أن تقف الحكومة المركزية المتشظية في العراق ضد الاستفتاء الكردستاني. في العراق، يمثل أكثر من 6 مليون كردي حوالي 20% من السكان، وهم يسكنون مناطق غنية بالنفط. ومع دخول العراق أكثر تحت سطوة إيران، فإن ذلك يضر المسألة الكردية، حيث إيران تخشى أيضًا من حدوث مبادرة محلية مشابهة عند الثمانية مليون كردي تقريبًا الذين يشكلون 10% من سكانها.

ولكن ما من دولة تعارض أي شكل من أشكال الحكم الذاتي الكردي – بغض النظر عن حجمها أو مداها أو موقعها – أكثر من تركيا، والتي تحدُّ المراكز الكردية في إيران والعراق وسورية. وذلك لأن حزب العمال الكردستاني، المجموعة الماركيسية اللينينية، قد شن تمردًا لمدة 30 سنة داخل تركيا، وهو يتمتع الآن بملاذ آمن داخل مناطق الحكومة الكردستانية المحلية في العراق. يشكل حوالي 20 مليون كردي ما نسبته 20% من سكان تركيا.

وبالتأكيد، لا يشكل الأكراد وحدة متراصة. فعلى سبيل المثال، قاتل أكراد العراق ضد حزب العمال الكردستاني في منتصف التسعينات، والتي تم تصنيفها أيضًا كجماعة إرهابية أجنبية من قِبَل وزارة الخارجية الأميركية. تميل المناطق الكردية إلى تمثيل نفسها عبر مجموعة من الأحزاب السياسية المتنوعة أيديولوجيًا. تتجلى التمييزات التي صاغتها أنقرة وواشنطن بشكل واضح اليوم في سورية.

فبعد سنوات من العمل عبر غايات متقاطعة في الفضاء السوري، صاغت إدارة أوباما شراكة مع وحدات حماية الشعب الكردية في سورية، وهو ما أثار قلق تركيا. وباعتبارها من أقوى التيارات المقاتلة ضد تنظيم داعش، أرسلت الولايات المتحدة خمسين مسؤولًا خاصًا للمساعدة في تدريب ودعم وحدات حماية الشعب في تشرين الأول/ أكتوبر 2015. وبشكل حاسم، نفذت وحدات حماية الشعب معايير أوباما للدعم الخارجي، وتحديدًا من ناحية عدم تركيزهم على إسقاط نظام الأسد. ومن هذه الجهود، ولدت قوات سورية الديمقراطية مع إدراج بعض القوى السنية العربية.

بالرغم من كونها حليفةً لواشنطن، إلا أن وحدات حماية الشعب تعتبر عدوًا بالنسبة لأنقرة بحكم انتمائها لحزب العمال الكردستاني. ومع توسيع ترامب لحملة أوباما المضادة لتنظيم داعش في سورية والعراق، ازدادت حدة الخلاف بين الولايات المتحدة وتركيا من الانزعاج العادي إلى الغضب والغيظ.

تكمن المصاعب التي تواجه المشرعين والمحليين في أنه، وبالرغم من الإشكالية القائمة في سلوك تركيا في ظل رئاسة رجب طيب إردوغان، إلا أنها لا زالت حليفة في الناتو وتمتلك القدرة على لعب دور أساسي في صياغة مستقبل البلاد بقوة التاريخ والجغرافيا.

أريد المزيد من التوضيح

يجلب ذلك مجموعة من الأسئلة التي ينبغي لفت انتباه إدارة ترامب لها، وما هي الإجابات التي تحدث تأثيرًا أكبر من مجرد استقلال كردستان. أولًا، هل يمكن للعلاقات الأميركية التركية أن تصل إلى مستوى يمكِّن من بناء علاقات دبلمواسية تؤسس لمصالح مشتركة؟ ففي النهاية، هذا هو المؤشر الذي استخدمه الرئيس في خطابه المنتظر في الرياض في شهر أيار/ مايو. وهل سيشكِّل توجه إردوغان نحو القمع والاستبداد في بلاده – ومغامراته المضللة في الخارج – أمرًا اسثتنائيًا أم لا؟ وبكلمات أخرى، هل يمكن الوصول إلى توافق مع تركيا، وإن كان ذلك ممكنًا، فهل يستحق الأمر السعي إليه؟

ومن جهة أخرى، هل سيشكِّل وجود كردستان مستقل، ونشوء تشارك طويل المدى معها فائدةً للولايات المتحدة؟ هل يمكن للولايات المتحدة أن تؤسس قواعد عسكرية شبه دائمة في الأراضي الكردية كي تدرك تحديات الشرق الأوسط؟ ألا يوجد حليف محلي ملائمٌ حاليًا، حتى لو كان يمثل مشكلة بالنسبة لحلفاء أميركا "السنيين" الآخرين.

والسؤال الآخر هو، إلى أي درجة تمثل حدود الشرق الأوسط الاستعمارية أمرًا مهمًا بالنسبة للمنطقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعراق وسورية؟ فكلتاهما دولتان "فاشلتان"، وأصبحت الحدود الفاصلة بينهما غير ذات معنى كما هو الحال مع الحدود السورية اللبنانية. لِمَ يتوجب على الولايات المتحدة الحفاظ على وحدة العراق أو الدولة السورية إذا كان بشار الأسد هو من سيحكم سورية، وهو ما يعني وجود منطقة جديدة تحت سيطرة إيران؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب إستراتيجية أميركية شاملة للشرق الأوسط. يعتبر الرئيس ترامب مسألة هزيمة تنظيم داعش، ودحر إيران ضمن غاياته الأساسية في المنطقة. وبينما نجح كثيرًا في هزيمته للأولى، إلا أنه لم تتم صياغة خططته لبتر أطراف الثانية، ولم يتم تبنيها أيضًا.

ومع إيران، أصبحت الخطوات الأميركية تكتيكية أكثر من كونها إستراتيجية. وبالتأكيد، فإن إطلاق صواريخ تومهاوك على القواعد الجوية السورية قد أوصل رسالة مؤثرة وقوية للأسد ورعاته، لكن مثل هذه الخطوة لا تشكل إسترايتيجية للشرق الاوسط. فقد كانت أشبه بإعلان بتغيير الخطة الأميركية، ويمكن أن تكون خطوة تأديبية، وهي خطوة تهدف لإظهار القوة لا أكثر.

وفي هذا السياق، إذا تألمنا المسألة التركية الكردية عبر المنشور الإيراني، فأيهما سيحقق تحالفًا أقوى ضد إيران؟

سآخذ "إستراتيجية الشرق الأوسط" بـ 1000 دولار يا أليكس

إن مواجهة إيران والوعي بمواضع قصور الاتفاقية النووية يبنغي أن تكون في صلب القضايا التي يركز عليها فريق ترامب في الشرق الأوسط. فإيران، وليس تنظيم داعش، هي من تمثل تهديدًا إستراتيجيًا طويل المدى بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها.

وقدرة أميركا على تحقيق ذلك ستتشكل بناءً على أيديولوجيا السياسة الخارجية التي يتبناها دونالد ترامب. كثيرون ممن كانوا يتبنون فكرة "المبدأ الواقعي" قد رحلوا عن الإدارة (أو أنهم شهدوا نماذج لذلك حولهم)، وذلك بحكم حديثه الواضح حول ما تعنيه هذه المقولة على أرض الواقع.

قد ينجذب ترامب لقانون بوتيري بانر "إذا كسرته فقد ملكته"، لأن الواقع يمثل منحدرًا زلقًا يتجه نحو بناء دولة. قد يفسر هذا سبب إبعاد نفسه عن سورية، وهي منطقة تتقاطع فيها العديد من التحديات المحلية. ولكن مع عدم وجود قيادة أميركية وإدارة أزمات فعالة، قد تنجرف المنطقة للأزمات والحروب، وهي أرض خصبة لصعود الإرهابيين وسط الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وذلك بالإضافة للخطر الذي يمثله التطور النووي لدى إيران.

إن وجود سياسة خارجية للشرق الأوسط تعيد سورية والعراق إلى أوضاع ما قبل 2011 ستؤدي ببساطة إلى إعادة تنصيب الظروف التي كانت السبب الأساسي للثورات العربية. والأسوأ من ذلك، سوف تترك دولتان تحد سيطرة إيران وبين يدي النظام في طهران، وهي الجائزة الإستراتيجية التي كانت تسعى لها منذ ثورة 1979.

وكما يشير القول المأثور، "قد لا تكون مهتمًا بالحرب، ولكن الحرب مهتمة بك". ويمكن القول الشيء نفسه حول المصالح الأميركية في الشرق الأوسط. وبطريقة مماثلة، قد لا تمتلك إدارة ترامب إستراتيجية لضبط إيران أو التعامل مع توسعها في سورية والعراق، ولكن تمتلك إيران إستراتيجية لذلك، وهي تنفذ هذه الخطة الآن.

ما يعنيه ذلك بالنسبة للسؤال الكردي والمشرعين الأميركيين، هو ضرورة إدراك واشنطن على الأقل أن سورية والعراق هما دولتان فاشلتان. لذا لِمَ ينبغي على الشعب الكردي أن يثق بالحكومة المركزية إذا كان لا يثق بها العرب السنة في محافظة الأنبار الغربية؟ وفي سورية، فإننا نأمل أن يفهم فريق ترامب السبب الذي يدفع وحدات حماية الشعب الكردية الحليفة لأميركا نحو التركيز على هزيمة تنظيم داعش وليس إسقاط الأسد، وذلك لأنهم ينوون عقد صفقة مع دكتاتور سورية، خاصة إذا لم يكن لديهم خيار آخر. وفي حال تم هجرهم بعد هزيمة تنظيم داعش في سورية فستعود هذه الأرض إلى الأسد. وهذا يعني وضع جمهورية إيران الإسلامية مكان تنظيم داعش.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018