رئيس الحرب الثقافية: ترامب والطبقة العاملة البيضاء

رئيس الحرب الثقافية: ترامب والطبقة العاملة البيضاء
(أ ف ب)

(ترجمة خاصة: عرب 48)

مع صدمة 11/9، وقبل مضي عام على حرب العراق، وصف جورج بوش نفسه صراحةً بـ"رئيس الحرب" الذي "يصنع قرارات، هنا في المكتب البيضاوي، حول الشؤون الخارجية، ويضع الحرب ضمن مخططاته".

ويعتبر الرئيس دونالد ترامب رئيس حربٍ من نوع مختلف: فهو رئيس الحرب الثقافية. فكما نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" هذا الأسبوع، "على الصعيد الداخلي، يؤكد الرئيس ومساعدوه الكبار أنهم ينخرطون في حرب ثقافية باسم الطبقة العاملة البيضاء... ضد النخب الساحلية "اللبقة"... ويعتقد أن الحرب قد ترسخت فيه بفضل الرئيس السابق باراك أوباما والديمقراطيين الآخرين، وهو عازم على النصر فيها أيضًا".

من الذي يفوز في هذه الحرب الثقافية الرئاسية؟ غذَّى ترامب قاعدة عاشت من أجل إحباط الإنجازازت الليبرالية المستقبلية، ولكنه جوَّع كل من سواهم. تمنى الديمقراطيون كثيرًا استعادة مئات المقاعد التي خسروها عبر البلاد واسترداد دعم ناخبي الطبقة البيضاء العاملة، ولكنهم ينجرفون باستمرار إلى معارك ثقافية تُشعِلُ قاعدتهم ولكنها يمكن أن تنفِّر هؤلاء الناخبين. نحن في مأزق، إننا نخسر هذه الحرب.

عندما ننظر من زاوية بسيطة وضيقة ضمن أفق الانتخابات، فلا تعني الحرب الثقافية أي شيء ولأي أحد على الصعيد السياسي. فهي تهيمن على القنوات الإخبارية، وتشعل تويتر، وتثوِّر أنصار كلا الطرفين وتشحن المتبرعين. ومع ذلك لم يتمكن أي مرشح رئاسي من تجاوز الـ 50% في انتخابات العام الماضي، لذا لا يمكن أن يشعر بمدى نفوذ قاعدته. فمعاركنا اللانهائية والمتصاعدة حول العنصرية والإجهاض والأسلحة والجنس وكرة القدم يصعِّب من إمكانية تأسيس ائتلاف سياسي لكلا الحزبين.

قد يكون ترامب هو المعتدي، ولكن تسارع قاعدتا كلا الحزبين بخوض هذه الحرب الثقافية، وبغض النظر عن النتائج السياسية. هذا يترك الزعماء الديمقراطيين في محاولة مستمرة لاستعادة الناخبين البيض غير الجامعيين، بينما يحافظون على تبنيهم لمبادئ التعددية الثقافية. وهذا يدفع الجمهوريين، والذين لم يطلب معظمهم أن يقودهم ترامب والذين يشعرون بالخجل من ناخبيهم، للاستقالة لقيادة حزب من البيض المتظلمين ضمن دولة تنزع أكثر نحو التنوع.

أخبرني كيف سينتهي ذلك.

***

كما هو الحال مع غزو بوش للعراق، فإن حرب ترامب الثقافية هي أحد الخيارات التي أمامه، وهي حرب محكومة بالفشل جاءت بعد الصراعات السابقة التي بائت بالفشل أيضًا.

في الاتفاقية الجمهورية عام 1992، أعلن المرشح الرئاسي بات بوكانان – وهو ترامب قبل أن يأتي ترامب – عن "حربٍ ثقافية، كنقد لهذا النوع من الدولة التي ينبغي أن تكون مثلما كانت أيام الحرب الباردة". وهاجم "الفكرة اللاأخلاقية الداعية إلى وجود أرضية قانونية للمثليين والسحاقيات بنفس درجة الرجال والنساء المتزوجين، بالإضافة تلك الفكرة الداعية إلى وضع زوجاتنا وبناتنا وأخواتنا في وحدات قتالية في الجيش الأميركي". ودافع عن "حق المدن والمجتمعات الصغيرة في التحكم بالمصادر الإباحية التي تلوث ثقافتنا الشعبية".

لم يخسر الجمهوريون حرب بوشان الثقافية بقدر ما انسحبوا منها بأنفسهم. وعندما حصل الأزواج المثليون على حقوق قانونية متساوية، لم تعترض إلا فئة قليلة من الجمهوريين. كما كانت سياسة باراك أوباما حول تعيين الأدوار القتالية للنساء مدعومة من ترامب خلال الحملة الانتخابية وبقيت في مكانها. ولم تصبح الفيديوهات الإباحية أسهل من ناحية الوصول إليها، بل تصدَّر الرئيس الجمهوري الحالي إحدى مجلاتها.

ولكن تعهد ترامب على نفسه أن يشن حربًا ثقافيةً جديدة، وإن كانت حربًا مهووسةً بالعِرق لا بالجنس. حيث بدأ حملته مرددًا الصورة النمطية السائدة عن المهاجرين باعتبارهم مغتصبين وتردد في انتقاد الزعيم السابق لمنظمة كو كلوكس كلان ديفيد ديوك. تقرب من المتدينين المحافظين، ولكن لا تعد مثل هذه المناشدات أمرًا غريبًا عليه. فعلى سبيل المثال، وقبل أقل من عام من إلغاءه لتوجيهات إدارة أوباما المتعلقة بتعزيز حرية الطلاب المتحولين جنسيًا كي يستخدموا دورات المياه التي يفضلونها، كان ترامب يقف في صف أوباما.

وكما كتب ديفيد بروكس في صحيفة "نيويورك تايمز"، فقد "انتُخِبَ ترامب لتمزيق الثقافة الأميركية المهيمنة ليعطي صوتًا لأولئك الذين شعروا بضمور أصواتهم في تلك الثقافة". لا يمكن للمرء أن يتجاهل العوامل الاقتصادية التي جعلت الناخبين البيض غير الجامعيين يشعرون بأنهم بلا صوت يمثِّلهم. ولا يمكن أن نفصلهم بسهولة عن العوامل الثقافية الأخرى، وهو ما يثبته أي نشاط انتخابي لترامب.

فأن يتم انتخابك لتشن حربًا ثقافية عبر خطاب متنمر، يعني أن لا تتوقع كثيرًا من ترامب داخل واشنطن. فهو لا يستهلك الطاقة التي توجه طبقة الكونغرس لإنتاج التشريعات، فإنجازه الرئاسي حتى الآن هو الاتفاقية المفاجئة المؤيدة من كلا الحزبين للحفاظ على وضع الحكومة مفتوحًا لبضعة أشهر، والتي جاءت بعد أن "ظهر وهو يحرك عجلة الاجتماعات المملة مرارًا وتكرارًا". لم يُحدث ترامب تأثيرًا كبيرًا من الناحية الاقتصادية بل استفاد من الوسائل التي حصل عليها.

وباستثناء صواريخ الكروز المقذوفة على سورية، كانت سياسته الخارجية مشوبةً بالكلام لا بالعمل. فسياسة ترامب الفعلية نحو كوريا الشمالية ليست مروعة مثل "النار والغضب" بل هي أقرب لأدوات العقوبات الاقتصادية التقليدية. كما هدد بقطع الاتفاقية النووية الإيرانية، ثم قدم خيارات لجس النبض وللدخول في مرحلة جديدة من المفاوضات. وادعى أنه يريد الخروج من اتفاقية باريس المناخية، ولكنه بات يستكشف الآن طريقة للبقاء هنا مع حفظ ماء الوجه.

ولكن ماذا عن الحرب الثقافية؟ في أرض المعركة، يؤدي ترامب دور جاسون بورن: فهو رجل خارق، جيش من رجل واحد لا يعرف الكلل. فقد حول الرجل حملاته إلى أسلحة، وجعل تغريداته مثل القنابل. ولا يمكن أن يقارن إطلاقًا بسلفه باراك أوباما. ولا يجب أن ننسى "الأشخاص الجيدين" ضمن النازيين الجدد الذين لا يحب أن يقلل من احترامهم بسبب شركاتهم "الموروثة". والرياضيون السود "أبناء الساقطة" الذين ينبغي إطلاق النار عليهم لتظاهرهم ضد العنصرية خلال حدث رياضي. لا يمل ترامب من هذه المعارك، فهي كالأكسجين بالنسبة له.

ولكن هذا لا يعني أنها تجري لصالحه. فكنتيجة لسياساته الضئيلة وصراعاته الكثيرة، يحتفظ ترامب اليوم بالدعم ضمن حدود ديموغرافية معينة فقط، وهم الذكور غير الجامعيين.

ولكن يبدو أنه غير منزعج من ذلك. فمن يهتم برد الفعل؟ فبمجرد إثارة موجات الغضب، سيدرك الشعب أن يسار التعددية الثقافية ليس هو من يدير البلاد. وإذا غضب "محاربوا العدالة الاجتماعية" عبر الإنترنت وتضايق أبرز المتحدثون عبر التلفزيون، فكلما كان هو ومناصروه منشغلون بهذه المعارك، يكونون قد أنجزوا المهمة.

من الناحية النظرية، فإن خيار ترامب بأن يصبح عامل انقسام في الحرب الثقافية بدلًا من أن يكون موحِّدا ثقافيًا يقدِّم للديمقراطيين فسحة لتعزيز أغلبية الناخبين الذين سيطلبون الشرطة في حال قام ترامب بإطلاق النار على أحدهم في الشارع الخامس. ولكن، لا توجد أسباب كثيرة تدعو لافتراض أن انهماك ترامب بشن الحروب الثقافية سيؤدي لانقلاب بعض الجمهوريين أو المستقلين إلى ساحة الديمقراطيين.

أنصت لأحد ناخبي ترامب النادمين، الذي شارك في برنامج على قناة "سي إن إن" هذا الأسبوع: "كنت آمل أن يسير قرار منع السفر بنجاح وأن لا يكون مسببًا للنزاعات". ولكن بالتأكيد، فإن إصدار قرار منع للسفر يستهدف الدول ذات الغالبية المسلمة هو أمر مثير للنزاع أصلًا، وقد كانت أول خطوة في الحرب الثقافية الرئاسية. لا يمكن للديمقراطيين أن يكسبوا هذا الناخب عن طريق تقديم نسخة أقل إثارة للنزاع من قرار منع السفر، قيتوجب عليهم أن يدفنوا القرار من أصله.

أحد الانتقادات الرائجة لمبدأ الليبرالية الثقافية الذي يتبناه الديمقراطيون، هي أنها تبدل قائمة الأولويات بالنسبة لطبقة البيض العاملة والناخبين غير الجامعيين. وبحسب ما قال رئيس مقعد الحزب الديمقراطي في ماهونينغ لصحيفة "واشنطن بوست"، بعد الانتخابات، "يظن الناس في قلب البلاد أن الحزب الديمقراطي يهتم أكثر بالمكان الذي يقضيه أحدهم في غرفة استراحة بدلًا من التفكير فيما إذا حصل على وظيفة براتب جيد".

انتقد بيتر بينارت، في مقالة له في تموز/ يوليو على موقع "ذا أتلانتك"، الديمقراطيين لتجاهلهم لـ"الازدواجية" نحو المهاجرين غير الموثقين لأنهم أصبحوا "أكثر اتكالًا على الأصوات اللاتينية". وحذَّر من أنه يتوجب على الديمقراطيين أن يقلقوا من أثر المهاجرين ضعيفي المهارات في تقليل الأجور وأنه "ينبغي إقناع المزيد من الأميركيين البيض الأصليين بأن المهاجرين لا يُضعفون الهوية الوطنية". ولا يدعو بينارت الديمقراطيين إلى أن يسحبوا المقترحات التي تسهل الطريق للحصول على الجنسية، بل ينصح بمزيد من التأكيد على "الاستيعاب" عن طريق وضع "تعلم اللغة الإنجليزية كأولوية ضمن برنامج الهجرة" و"تقليل الاحتفاء بالتعددية الأميركية، والاحتفاء أكثر بوحدتها".

هناك مشكلة واحدة في هذه النصيحة الداعية لأن يقوم الديمقراطيون بوضع الأمور الاقتصادية كأولوية على التعددية الثقافية، وهو أن الحزب الديمقراطي عبارة عن حزب متعدد ثقافيًا.

35% من ناخبي الحزب الديمقراطي في عام 2016 كانوا أميركيين أفارقة أو لاتينيين أو آسيويين أميركيين. وثمانية من أصل عشرة من ناخبي مجموعة LGBT كانوا موجهين للديمقراطيين. ولكن الأمر لا ينحصر فقط بديموغرافيات الحزب، فالديمقراطيون رفضوا المشجبين وانتخبوا رئيسًا أميركيًا أفريقيًا، كما هزموا بوكانان في آخر حرب ثقافية، وأصبحوا حزب الحقوق المدنية في منتصف القرن العشرين وأسسوا إرثًا متينًا. ببساطة، تُبعت جميع هذه الانتصارات بردود فعل عنيفة، ولكن يصعب إقناع الديمقراطيين بأنه يتوجب عليهم التوقف عن الاصطفاف مع الطرف الأحق في التاريخ، بينما هذا هو مصدر فخرهم.

لهذا السبب لا يمكن للديمقراطيين أن يخفضوا أصواتهم عندما يجبر ترامب الطلاب على الدخول لدورات المياه التي تتوافق مع هويتهم الجنسية، أو أن يطرد الجنود المتحولين جنسيًا خارج الجيش. عندما هدد ترامب بإيقاف دريمارز، تحرك الديمقراطيون تلقائيًا وطالبوا بالتعامل مع الموضوع قانونيًا. وعندما قُتِلَ أميركي أفريقي أعزل على يد شرطي، قالوا إن "حياة السود مهمة". وبينما عبَّر الديمقراطيون عن أملهم بأنه يمكن لم شمل "ائتلاف أوباما" الشاب والمتنوع في الانتخابات اللاحقة، فلم تكن هذه الاستفزازات ضمن الحرب الثقافية كنتاج لحسابات سياسية، بل كان أمرًا انعكاسيًا متجذِّرًا في عروق الديمقراطيين.

ومع ذلك، فإن الديمقراطيون حريصين ومنشغلين بتقديم أجندة اقتصادية متناسبة مع ناخبي الطبقة العاملة. وأصر زعماء الحزب – محاولين تجاهل تعليقات هيلاري كلينتون "البائسة" – على أنهم لا يعتبرون معظم ناخبي ترامب كعنصريين، ويأملون بتشجيعهم على إنعاش الخطط الاقتصادية للحزب.

ولكن ثمة فرصة صغيرة للديمقراطيين بأن يروجوا لأفكارٍ مثل حزمة "الصفقة الأفضل" التي كشف عنها زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، في تموز/ يوليو. عندما شن ترامب الحرب الثقافية، رد الديمقراطيون وضاعت معظم القضايا الأخرى وسط الضجيج. أو إذا دخلت قضية حساسة في الأجواء – وكانت لصالح الديمقراطيين، مثل قضية الرعاية الصحية – سيسارع ترامب بفتح جبهة جديدة في الحرب الثقافية. لن يسمح الرئيس بأن يستغل جيمي كيمل الأضواء للأبد، فهو حريص على إرجاعها لكولين كيبيرنيك وستيف كوري في أقرب وقت ممكن.

قد يكون من غير العدل القول إن الديمقراطيين يعتنون أكثر بقضايا المساواة الاجتماعية وحقوق الأقليات في مقابل الوظائف والأجور، ولكنهم لا يستطيعون تجاهل هذه القضايا.

***

هذه هي المأساة الكبرى في الحرب الثقافية، لا يمكن البناء عليها. تعد معظم هذه الحروب التي خيضت مجرد حروبًا رمزية، بالرغم من تفاهتها. لذا فإن هناك مساحةً صغيرة في حوارنا الوطني للتحديات المعقدة مثل تفكيك العنصرية الممأسسة أو تقديم الرعاية الصحية لجميع الأميركيين أو تقليل اللامساواة في الدخل. يصبح بعض الذوات – مثل دريمارز واللاجئين والجنود المتحولين جنسيًا والطلاب – مجرد أحجار شطرنج أو تضحيات، وإذا حصد أحدهم نتيحة سياسية، فسيكون من الصعب رؤيتها، مثل أرقام موافقات وظائف ترامب السيئة جدًا. ولكن حصاد الديمقراطيين خلال الانتخابات لا تضمن قدرتهم على تجاوز الانقسام الثقافي وهذه الخريطة المجزأة.

ولكن لا يمكن التهرب مما يحدث، فطالما بقي ترامب ملتزمًا بالحرب الثقافية الرئاسية، سيضطر الجميع أن يتبنى موقفًا ما.