كيف تطوّر البشر؟ قد تجيبنا الحيتان والدلافين

كيف تطوّر البشر؟ قد تجيبنا الحيتان والدلافين
توضيحية (pixabay)

(ترجمة خاصة: عرب 48)

يختلف البشر عن كافة الكائنات، فقد أسسنا دولًا منظمة، واستعمرنا كل بقعة في الأرض تقريبًا ونبحث الآن عن إمكانية الانتقال إلى كواكب أخرى. وفي الحقيقة، فإننا متقدمون جدًا إلى درجة أن بعض اختراعاتنا – مثل تقنيات الوقود الأحفوري، والزراعة المكثفة، وأسلحة الدمار الشامل – قد تؤدي في النهاية إلى إفنائنا.

وحتى أقرب أقاربنا، الرئيسيات، يفتقدون لسمات مثل تطوير اللغة ومراكمة الثقافة والموسيقى والرموز والدين. ومع ذلك لم يصل العلماء إلى إجماع حول لماذا ومتى وكيف طوَّر البشر هذه السمات. ولكن، ولحسن حظِّنا، فهناك بعض الحيوانات التي كوَّنت مجتمعات وثقافة إلى درجةٍ ما. في دراستنا الأخيرة المنشورة في مجلة "نيتشور للتطور والبيئة"، بحثنا في ما يمكن للثديات البحرية (الحيتان والدلافين) أن تعلمنا إياه حول تطور الإنسان.

إن الأسباب وراء صعوبة تتبع أصول سمات الإنسان تكمن في أنه لا يمكن حفظ السلوك الاجتماعي مثلما تُحفَظ الأحافير. لهذا السبب يصعب فهم متى ولماذا برز أول سلوك ثقافي في السلالة الإنسانية. حيث يندر إيجاد المواد الثقافية، مثل الفن وأدوات الدفن والأسلحة المتطورة تكنولوجيًا والفخاريات، ضمن السجل الأركيولوجي.

أظهرت الدراسات السابقة على الرئيسيات، وجود ارتباط بين حجم دماغ الرئيسيات الكبير وزيادة حجم الجماعات الاجتماعية، والثراء الثقافي والسلوكي، والقدرة على التعلم. كما يرتبط الدماغ الأكبر بنظام غذائي غني بالطاقة، وعمرٍ أطول، وشباب أطول، وأجساد أطول أيضًا.

يواجه الباحثون الذين يحاولون الكشف عما إذا كانت هذه السمات سببًا أو نتيجةً لكِبَر حجم الدماغ، بعض التناقضات فيما بينهم، ويحاججون عادةً بوجود غايات متناقضة.

أحد التفسيرات السائدة هي فرضية الدماغ الاجتماعي، والتي تحاجج بأن عقولنا، بالتالي أدمغتنا، قد تطورت لتعالج مشاكل ترتبط بالعيش بطريقة غنية ومليئة بالتحديات وبيئة اجتماعية متغيرة. يجلب هذا بعض التحديات مثل التنافس من أجل تحصيل الغذاء والموارد، والتصرف بحسب المواقف، وحل الصراعات وتوظيف المعلومات والابتكار ضمن أفراد المجموعة.

ولكن، وبالرغم من الدلائل التي تربط بين حجم الدماغ والمهارات الاجتماعية، تتعثر الحجج عند الحديث عن الحياة الاجتماعية في التطور الإدراكي. تشير النظريات البديلة إلى أن دماغ الرئيسيات قد تطورت استجابةً للتعقيدات الموجودة في بيئة الغابة، سواءً من ناحية البحث عن الثمار أو الاستكشاف البصري للعالم ثلاثي الأبعاد.

تحت الماء

ولكن ليست الرئيسيات فقط هي من تعيش حياة اجتماعية غنية، فالحشرات والطيور والفيلة والأحصنة والثديات البحرية تعيشها أيضًا.

والأخيرة هي أكثرها إثارة للاهتمام، ليس لأننا نرصد كيف ترينا أمورًا مدهشة وحسب، بل لأن بعضها يعيش في مجتمعات متعددة الأجيال ويمتلكون أيضًا أكبر دماغ في المملكة الحيوانية. وبالإضافة إلى ذلك، فإنهم لا يتناولون الثمار، ولا يعيشون في الغابات. لهذا السبب قررنا اختبار الأدلة حول وجود دماغ اجتماعي أو ثقافي لدى الثدييات البحرية.

الفائدة الأخرى في الثدييات البحرية هي أن المجموعات البحثية حول العالم قد أمضت عقودًا في التوثيق والكشف عن حياتهم الاجتماعية، ويتضمن ذلك الصفير الخاص، والذي يبدو أنه يميز الحيوان الفرد، وعمليات الصيد التشاركية، والأغاني والأصوات المعقدة، واللعب الاجتماعي والتعلم الاجتماعي. جمعنا كل هذه النتائج ضمن قاعدة بيانات واختبرنا مدى ارتباط الثراء الثقافي للكائنات بحجم الدماغ ونمط المجتمع الذي يعيشون فيه.

ووجدنا أن الكائنات ذوات الأدمغة الكبيرة تعيش في مجتمعات منظمة أكثر ويمتلكون سلوكات ثقافية ومتعلمة أكثر. تعتبر مجموعة الكائنات ذوات الأدمغة الأكبر هي المجموعات الأكبر حجمًا، مثل الدلافين الشبيهة بالحيتان. هذا يتضمن الحوت القاتل والحوت الطيار.

لرسم حدود هذا الطيف من بدايته وحتى نهايته، يمتلك الحوت القاتل تفضيلات ثقافية للطعام، حيث يفضل بعضها الأسماك بينما يفضل بضعها الآخر تناول الفقمة. كما يصطادون بشكل جماعي ويحظون بأمهات تقود المجموعة.

أما حوت العنبر فيمتلك لهجة خاصة، ما يعني أن الجماعات المختلفة تمتلك أصواتًا مميزة عن الأخرى. وفي المقابل، فإن بعض الحيتان البالينية الكبيرة، والتي تمتلك أدمغة أصغر، تأكل الكريل بدلًا من الأسماك أو الثدييات الأخرى، ويعيش الواحد منها منعزلًا عن الآخر ولا يجتمعون إلا في مواسم التربية وفي مصادر الغذاء الغنية.

لا زال أمامنا الكثير لنتعلمه حول هذه الكائنات المدهشة. لم يتم تضمين بعض الكائنات في تحليلنا لأننا لا نعرف الكثير عنها. فعلى سبيل المثال، هناك مجموعة كاملة من الحيتان ذوي المنقار التي تمتلك دماغًا كبيرًا جدًا. ولكن لأنها تغوص وتأكل في المياه العميقة، فإن مشاهداتنا لها تكون نادرة ولا نكاد نعرف شيئًا عن سلوكها أو علاقاتها الاجتماعية.

ومع ذلك، تدعم هذه الدراسة فكرة وجود علاقة بين ثراء الحياة الاجتماعية وحجم الدماغ. فحقيقة اكتشافنا لوجود ذلك في مجموعة مختلفة جدًا عن الرئيسيات يجعل دراستها أمرًا مهمًا جدًا.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018