تشخيص حالة؛ لبنان: الجبهة الغربية لحرب بالوكالة

تشخيص حالة؛ لبنان: الجبهة الغربية لحرب بالوكالة
بيروت 1988، من الأرشيف (أ ف ب)

(ترجمة خاصة: عرب 48)

إذا كان الشرق الأوسط، على الأقل، جزءًا من حرب بالوكالة بين السعودية وإيران، فيمكننا أن نصف لبنان بالجبهة الغربية. فمنذ ما يقارب الجيلين، تنافست الرياض وإيران على مساحات التأثير في لبنان، وذلك بعد وقوع البلاد، مع وجود مراحل قليلة من الاستقرار، رهينة لهم وموضوعًا لمنافستهم. وتم استكمال المنافسة في هذا الأسبوع، ويبدو أن السعودية هي الخاسرة فيها.

ففي 4 تشرين الثاني/ نوفمبر، أعلن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري عن استقالته في رسالة مسجلة أُذيعت بواسطة الإعلام السعودي. حيث انتقد في هذه الرسالة إيران لتدخلها في الشؤون العربية وانتقد حزب الله لاتخاذه البلاد أسيرةً له. وقال إنه استقال بسبب وجود مخطط لاغتياله. وفي اليوم التالي، اتهم وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، لبنان، بإعلان الحرب على بلاده، ثم أشار تقرير من وكالة رويترز في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر إلى أن الحريري قد أُجبِر على الاستقالة من قِبَل السعوديين وتم اعتقاله في المملكة. وقامت الحكومة السعودية بعد ذلك بدعوة مواطنيها في لبنان للعودة للبلاد بشكل فوري. كانت التوترات عالية في السابق، ولكنها كانت حادةً جدًا خلال الأسبوع الماضي تحديدًا.

دولة منقسمة

تعد لبنان دولة متنوعة بين شيعة وسنة ومسيحيين ودروز. دمرت الحرب الأهلية البلاد خلال 15 عاما إلى أن تم التوصل لاتفاق تقاسم للسلطة في الطائف عام 1989. كانت الاتفاقية في جانب منها عملية تصالح بين السعودية وإيران، حيث أعلمت جماعاتها الوكيلة التي شاركت في الحرب، بالتجاوز عن اختلافاتهم. وضعت الاتفاقية سورية كدولة مشرفة على لبنان، وعلى مدى عقدين من ذلك، أصبح حزب الله تدريجيًا، وهو حركة مدعومة من سورية وإيران، أقوى جماعة في لبنان.

ساهم الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 من حيث لا يدري، بصعود حزب الله. فقد بقي جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان حتى عام 2000، وهو ما أعطى حزب الله مبررًا للحفاظ على جناح عسكري ضخم، حتى بعد التحاقه ضمن التيارات السياسية الموجودة. بدأت الانتقادات تتوجه نحوه بعد أن كشفت محكمة دولية عن تورط حزب الله مع المخابرات السورية في عملية اغتيال والد الحريري عام 2005، وهو رئيس الوزراء السابق والموظف السعودي رفيق الحريري. أُجبرت سورية على سحب عشرات الآلاف من قواتها التي استطونت في لبنان، ولكنها حافظت على تأثيرها عبر ممتلكاتها الاستخباراتية ومن خلال حزب الله، وهو ما كان يتم بالتنسيق مع إيران.

ولعدة سنوات، كان الجناح العسكري لحزب الله أكثر قوة من الجيش اللبناني. وتحت رعاية الإيرانيين، قام حزب الله بعد ذلك بالصمود أمام العدوان الإسرائيلي عام 2006، وقد زادت مرونته من نفوذه وقوته، بالإضافة لنفوذ وقوة إيران. لقد أصبح مؤثرًا جدًا إلى درجة تمكنه من هندسة عملية طرد سعد الحريري في كانون الثاني/ يناير 2011. بعد ذلك بأسابيع، بدأ الربيع العربي، وكان قد وصل سورية بحلول شهر آذار/ مارس.

بالنسبة للرياض، كانت الثورة في سورية عبارة عن منحة إلهية. فقد كانت المملكة تخسر نفوذها أمام إيران منذ مدة، لذا في حال تمكنت الثورة في سورية من الإطاحة بحكومة بشار الأسد، التي تصطف إلى جانب إيران، فستكسر قوس التأثير المتواصل الذي تمتلكه طهران من إيران وحتى البحر الأبيض المتوسط، كما ستُضعِف حزب الله أيضًا.

ولكن لم يحدث ذلك. فقد استعادت النظام السورية، المعززة بكميات هائلة من الدعم الإيراني والروسي، السيطرة على الأراضي التي خسرتها أمام الثوار في السابق. ولا زالت حكومة النظام موجودة إسميًا بعد ست سنوات من ذلك. وخلال ذلك أراد السعوديون والإيرانيون أن تبقى لبنان خارج الصراع. فقد كانت السعودية تخسر سورية والعراق أمام إيران، لذا فإنهم لن يستعدوا لخسارة لبنان أيضًا. ومن جانبهم، يحظى الإيرانيون باليد العليا في لبنان ولا يمتلكون أي مبرر لزعزعة هذا الواقع.

كانت السعودية خلال ذلك تدعم السلفيين الجهاديين في الصراع السوري، متأملةً أن يتمكنوا من المساهمة في تغيير النظام. وفي المقابل، دعمت الرياض من دون قصد الجماعات المشابهة للقاعدة وتنظيم الدولة. وقَّوض صعودهم فعليًا من موقع السعودية في لبنان. فقد كان فصليهم السياسي الأساسي هناك، وهو حزب حركة "المستقبل" التابع للحريري، في حالة من التدهور، حيث كان منذ سنوات في مواجهة المتشددين. وكانت سائر الفصائل خائفة مما يمكن أن تفعله الجماعات الراديكالية الجهادية في سورية في حال خسر الأسد الحرب. لذا كانت مشاركة حزب الله في الحرب في سورية مفيدة لأعداء السعودية في لبنان.

خيارات قليلة

كان اتفاق الطائف عام 1989 مقبولة بالنسبة للسعودية، مقبولة ولكنها لا تمثل طموحهم. بحسب هذه الاتفاقية، لا بد أن يكون الرئيس مسيحيًا، ورئيس الوزراء سنيًا، ورئيس البرلمان شيعيًا. كما ينبغي أن يتم تمثيل كافة الفصائل السياسية في الجهاز الحكومي. كان يستلم منصب الرئاسة اللبناني لعدة سنوات أفرادٌ محايدين ولكن ميالين للسعودية. ولكن تم انتخاب حليف أساسي لحزب الله، وهو ميشال عون، كرئيس قبل سنة تقريبًا. قَبِلَ السعوديون برئاسة عون على مضدد لأنها ستمكنهم من المفاوضة على عودة سعد الحريري من المنفى السياسي.

ولكن هناك العديد من الأحداث التي يمكن أن تحصل خلال عام، وقد أصبحت إيران تهديدًا أكبر من ذي قبل. فقد أدى انحلال تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) إلى تقوية موقع إيران في سورية والعراق، كما استمر نظام الأسد في استعادة الأراضي، والذي أصبح أكثر اعتمادًا على إيران من أي وقت مضى. وخلال ذلك، كان يقاتل السعوديون في حرب خاسرة في باحتهم الخاصة، فلم يتمكنوا من هزيمة القوى المتمردة في اليمن التي يتزعمها الحوثي المدعوم إيرانيًا. وقبل بضعة أيام فقط، صدت الرياض صاروخًا يُزعم أنه أُطلق من الحوثي وأنه وارد من إيران.

إن المكان الوحيد الذي يمكن للسعودية أن تجابه إيران فيه هو لبنان. في حال تمكنت الرياض من إنهاء السلام الصعب في البلاد الذي حظيت به خلال السنوات الماضية، فقد تتمكن من إجبار إيران وحزب الله على صرف انتباههم عن سورية والعراق والتركيز على لبنان. ولكن لدى السعودية مشاكلها الخاصة ومن غير المرجح أن تنجح في ذلك. يعبر التشجيب على لبنان عن إقرار بمدى الضعف الذي وصلت إليه الرياض.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018