كيف تشتري الصين طريقها نحو أوروبا

  كيف تشتري الصين طريقها نحو أوروبا
(أ. ب)

لأكثر من عقد، يعمل السياسيون الصينيون وزعماء الشركات على إعادة صقل العالم بمبالغ غير محدودة. من آسيا إلى أفريقيا، ومن الولايات المتحدة وحتى أميركا اللاتينية، بحيث لا يمكن تجاهل نتائج الطريقة التي فرضت فيها الصين نفسها كقوة عالمية بارزة. لكن ما هو معروف بدرجة أقل هو انتشار الصين وتوسع بصمتها في أوروبا.

درست بلومبيرغ أرقامًا لتجمع أكبر رصيد بيانات شامل لحضور الصين في أوروبا. تظهر البيانات أن الصين قد اشترت واستثمرت أصولاً تقدر بما لا يقل عن 318 مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية. فقد شهدت القارة زيادة بحوالي 45% من النشاط الصيني، مقدَّرا بالدولار، وأكثر من الولايات المتحدة خلال تلك الفترة، بحسب البيانات المتوفرة.

إن حجم وطبيعة بعض هذه الاستثمارات، من البنى التحتية الرئيسية في شرقي وجنوبي أوروبا وحتى الشركات التقنية العالية في غربها، قد أدت إلى رفع إنذار الخطر على صعيد الاتحاد الأوروبي. إن زعماء الاتحاد الذي يتضمن المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يضغطون لاستراتيجية مشتركة للتعامل مع التقدم الشديد للصين في أوروبا، مع بعض المعارضة من أطراف في ضواحي الاتحاد الأوروبي.

قمنا بتحليل بيانات لـ 678 اتفاقية مكتملة ومعلقة في 30 دولة منذ عام 2008 والتي أُطلقت بنودها المالية، ووجدنا أن الشركات الصينية المدعومة بشكل حكومي وخاص، قد انخرطت في اتفاقيات تكلف على الأقل 255 مليار دولار عبر القارة الأوروبية. كما تم الاستحواذ على 360 شركة، ابتداءً من شركة صناعة الإطارات الإيطالية "Pirelli & C. SpA" وحتى شركة تجارة الطيارات الايرلاندية "Avolon Holding" المحدودة، بالإضافة إلى امتلاك كيانات صينية، بشكل جزئي أو كلي، لأربعة مطارات على الأقل، وستة موانئ بحرية، ومزارع رياح في تسعة بلاد على الأقل، و13 فريق كرة قدم محترف.

والأهم من ذلك، تقلل الرسوم البيانية الحالية من الحجم والنطاق الحقيقي لطموحات الصين في أوروبا. حيث يستبعدون وبشكل ملحوظ 355 شراكةٍ واستثمارٍ ومشروع مشترك – وهي الأنماط الأساسية للاتفاقيات المدروسة هنا – حيث لم يتم الكشف عن شروطها. تقدر "بلومبيرغ" أو تشير إلى عشرات الاتفاقيات الكبيرة ضمن هذه المجموعة، تبين قيمة إجمالية مضافة تقدر بـ 13.3 مليار دولار. كما لا تتضمن الآتي: تطورات مشاريع جديدة أو عمليات سوق الأسهم التي يصب مجموعها إلى 40 مليار دولار على الأقل، بحسب دراسة الباحثين في معهد المشاريع الأميركي والمجلس الأوروبي في العلاقات الخارجية، بالإضافة إلى 9 مليارات دولار حصة لدى الشركة الأم لـ"مرسيدس بنز" وهي شركة "Daimler AG" التابعة لشركة المجموعة القابضة "Zhejiang Geely" الذي يرأسها لي شوفو، كما ورد إلى بلومبيرغ.

إحدى عيّنات الأصول المادية الفردية التي استثمرتها شركات صينية في أماكن بعيدة، هو تجلي انهماكها في إجراء عمليات شرائية في العاصمة البريطانية، حيث تم الاستحواذ على حوالي عشرات أبراج المكاتب في مدينة لندن ومناطق "رصيف الكناري" المالية.

كان عام 2016 أكبر سنة للصفقات الصينية في أوروبا، وذلك عندما أعلنت شركة الصين الكيميائية الوطنية، والمعروفة أيضاً بـ "ChemChina"، أنها ستقوم بشراء شركة صناعة المبيدات الحشرية السويدية Syngenta AG"" بـ 46.3 مليار دولار.

باستثناء الزيادة الكبيرة التي أنتجتها اتفاقية Syngenta AG""، حصل صعود واضح في السنوات الأخيرة، بأقل من 20 مليار دولار في استثمارات سنوية منذ عام 2014 لكن بما هو أكثر من ذلك في كل عام تلاه. لكن يبدو أن معدل حجم الاتفاقيات بالنسبة للمعلومات المالية المتوفرة قد هبط. في عام 2008 وعام 2009، كان متوسط سعر الصفقة حوالي 740 مليون دولار، بالمقارنة مع 290 مليون لعام 2016 و2017 (مع حذف ChemChina وSyngenta). وحتى هذا العام، وصل متوسط سعر الاتفاقية إلى 127 مليون دولار.

يتركز أكثر من نصف مجموع الاستثمارات إلى خامس أكبر اقتصاد في أوروبا، حيث ساهمت الصين في اتفاقيات تقدر بـ 70 مليار دولار في المملكة المتحدة وحدها. لكن الصين قامت بأكبر استثماراتها في "الضواحي"، في البنية التحتية، مثل شراء أكبر ميناء في اليونان في بيرايوس. كما يوجد أيضاً انقسام مهم لدى دول "الضواحي" فيما يتعلق بانفتاح أوروبا على الاستثمارات الصينية. فرغم دفع ألمانيا وفرنسا وإيطاليا إلى بناء آلية للاستثمار بشكل قوي للاتحاد الأوروبي في دول مثل اليونان والبرتغال وقبرص، إلا أن حكومات هذه الدول تشكك في هذه الخطوات، لاعتقادها بأن استثمارات هذه الدول ستعيق قدرتها على جذب رأس المال الذي تحتاجه.

"سيتدفق المال إلى المكان المرحب به. إلى حين وضع السياسة الأوروبية – الولايات المتحدة وأستراليا تمتلك واحدة – من المرجح أن تربح أوروبا حصة كبيرة من الاستثمارات الصينية. أتوقع خطوة من أوروبا لتنظيم الاستثمارات الصينية، لكنها الآن هي الوجهة رقم واحد". - ديري سيسورز، باحث صيني في معهد المشاريع الأميركي.

سواءً كان الأمر هو شراء عقارات تجارية في لندن، أو شركات ألمانية تقنية مثل شركة الصناعات الروبوتية Kuka AG""، أو شركات صناعة السيارات الاسكندنافية مثل فولفو "Personvagnar AB"، أو مثل منتجي الطاقة مثل شركة "Addax Petroleum Corp." السويسرية، فقد تعمقت الاستثمارات الصينية في مجموعة من القطاعات الصناعية الرئيسية.

من المهم معرفة من يقوم بكل هذه الشراءات لفهم كيف يتلاءم هذا النشاط مع الغايات السياسية الخارجية الصينية الرسمية وغير الرسمية. فبشكل عام، قامت أكثر من 670 جهة صينية وجهات مؤهلة من هونغ كونغ بالاستثمار في أوروبا منذ عام 2008. (تم استبعاد الأصول المستثمرة من الجهات القائمة في هونغ كونغ التي لا تمتلك روابط مؤثرة مع الصين من هذا التحليل). من بين هذه، حوالي 100 شركة مدعومة رسميًا من الحكومة أو استثمارات ممولة رسميا، والتي تمتلك مجموع من التبادلات التي تقدر بـ 162 مليار دولار على الأقل، أو 63% من مجموع الاتفاقيات المنشور، كما تم حسابه من قبل طاقم "بلومبيرغ".

لكن الخط الفاصل بين المشاريع الرسمية والخاصة في الصين هو أكثر ضبابية من مثيلتها في أوروبا: فشركات مجموعة "Cosco" التي تتحدى الهيمنة الأوروبية على قطاع شحن الحاويات، تتألف من أفرع تجارية عامة ممتلكة رسميا من قبل الشركة المدعومة حكوميًا China Ocean Shipping Group""، التي اقتنت حصصا لموانئ من البسفور وحتى بحر البلطيق. وجدنا أن ثمانية من أصل 10 من الشركات الكبرى اللاعبة في ضخ الاستثمارات في أوروبا، تمتلكها الدولة أو مدعومة بشكل مباشر منها، بما فيها شركة "China Investment" (وهي جهة تمويلية غنية)، وشركة "Aluminum" الصينية المحدودة، وشركة "Silk Road Fund" (وهي جهة تمويلية غنية ترتبط بمبادرة الحزام والطريق الصينية).

"ما من اتفاقية تقع خلف الكواليس، كل شيء يجري بطريقة شفافة. ما من فكرة "الفائز يأخذ كل شيء"، كل مشروع يحقق نتائج فوز متبادلة". - يانغ يي، وزير الخارجية الصيني، في شهر آذار/ مارس الماضي.

ثمة 30 كيان على الأقل تمتلكه حالياً إحدى محافظات أو بلديات الصين.

لا تكتمل صورة المصالح المالية الصينية في أوروبا من دون النظر إلى نوعين إضافيين من المعاملات، شراء الأسهم الكبيرة في السوق المفتوحة، مثل شركة مجموعة Ping An Insurance"" لحصة "الصين المحدودة" التي تقدر بـ 1 مليار دولار في بنك "HSBC Holdings Plc"، أو تطوير مشاريع عمرانية على الأراضي التي كانت غير مطورة وقليلة الاستعمال سابقًا.

إن تحليل "بلومبيرغ" لبيانات من الخبير في الشؤون الصينية في معهد المشاريع الأميركي، ديريك سيسورز، بالإضافة لبحث أجراه المجلس الأوروبي في العلاقات الخارجية، استطاع تحديد تسعة مشاريع جديدة على الأقل، معظمها في لندن. والتوقعات هي: محطة Hinkley Point C"" النووية المقدر قيمتها بـ 24 مليار دولار، والتي تمولها الصين بقيمة الثلث، ومركز تجاري ضخم يقدر بـ 3.4 مليار دولار خارج باريس الذي تتابعه شركة التطوير العقاري الصينية ""Dalian Wanda Group بالتوازي مع سلسلة الأسواق التجارية الفرنسية "Holding SA".

بالنظر للمستقبل، عبرت الشركات الصينية عن اهتمامها بمجموعة من الاتفاقيات الأوروبية التي لم يتم الإعلان عنها بعد، بناءً على بيانات وأخبار "بلومبيرغ"، بالإضافة إلى تقارير صادرة مؤخرا عن المجلس الأوروبي في العلاقات الخارجية. هذا يتضمن بناء مفاعلات نووية في رومانيا وبلغاريا، وشراء محطة حاويات كرواتية وبناء شركة إنتاج نفط وغاز في إيرلندا، والاستثمار في شركة تزلج فرنسية وهي "Compagnie des Alpes" وشبكة توليد كهربائية ألمانية وتقديم التمويل لجسر في كرواتية وخط سكة حديد في بودابست وبلغراد.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018