فككوا "فيسبوك"... وجميع عمالقة التكنولوجيا أيضًا

فككوا "فيسبوك"... وجميع عمالقة التكنولوجيا أيضًا
زوكربيرغ يستعرض قوة إمبراطوريته تكنولوجيًا (أ ب)

 في ما يلي ترجمةٌ بتصرُّف خاصّة بـ"عرب 48"، لمقال وزير العمل الأميركي الأسبق، روبرت رايش


كشفت صحيفة "نيويروك تايمز" الأميركية، الأسبوع الماضي، أن المسؤولين التنفيذيين في شركة "فيسبوك"، أخفوا أدلةً على أن التدخل الروسي في الانتخابات الأميركيّة عبر موقعهم امتد لمدّة أطول بكثير من تلك التي أعلن عنها، كما أنهم تعاقدوا مع شركة أبحاث سياسية معارضة، بهدف تشويه سمعة المنتقدين.

وهذا جزء من قصة أكبر من ذلك بكثير. بدأ العصر المُذهب في الولايات المتحدة، في أواخر القرن التاسع عشر، بجملة من الابتكارات المميزة كخطوط السكك الحديدية وإنتاج الصلب (الحديد) واستخراج النفط. لكنه بلغ ذروته في توكيلات ضخمة يُديرها "بارونات سارقون" استخدموا ثرواتهم وسلطتهم لطرد المنافسين من الأسواق المختلفة، وإفساد السياسة الأميركية.

ونعيش اليوم عصرًا مُذهبًا ثانيًا، تقوده أشباه الموصلات الكهربائية والبرمجيات والإنترنت، انبثقت عنه بضع شركات تكنولوجية عملاقة.

تُسيطر "فيسبوك" و"جوجل" على المحتوى الدعائي، وهما بمثابة أول محطتين للأميركيين الذين يبحثون عن الأخبار، فيما تستحوذ "آبل" على الهواتف الذكية والحواسيب النقالة، وأصبحت "أمازون" أول محطة لثلث المستهلكين الأميركيين الذي يريدون شراء أي شيء.

يخلق هذا الاحتكار مشكلتين كبيرتين في لب الاقتصاد الأميركي. الأولى، أن ذلك يضيّق الخناق أمام المبادرات الإبداعية الراغبة بدخول السوق، فبعكس النظرة التقليدية تجاه الاقتصاد الأميركي، بأنه يمتلئ بتدفق الشركات الابتكارية الصغيرة، تُظهر الإحصائيات أن معدل نشوء الشركات الخالقة لوظائف جديدة في الولايات المتحدة، انخفض إلى النصف منذ العام 2004.

ويُعزى ذلك بشكل أساسي، إلى تحول براءات الاختراع واسعة النطاق والبيانات والشبكات المتنامية والمنصات المهيمنة، التي تستحوذ عليها الشركات التكنولوجية الكُبرى، إلى حواجز هائلة أمام المنافسين الجدد.

أما المشكلة الثانية، فهي على المستوى السياسي، فيولد هذا التركيز العميق للقوى الاقتصادية (بأيدي قلائل)، نفوذا سياسيا يُمكن إساءة استخدامه بسهولة، ويتضح ذلك بالقضية التي كشفها التحقيق الذي أجرته "نيويورك تايمز" عن "فيسبوك".

كم سيمضي من الوقت حتى تبدأ "فيسبوك" باستخدام مخزن المعلومات الخاص بها ومنصتها ضد منتقديها؟ أو حتى تُسكت المنتقدين المحتملين لمجرّد "الاشتباه" بكونهم منتقدين فقط؟

لقد واجهت الولايات المتحدة انتهاكات سلطة الشركات في العصر المُذهب، عن طريق سن قوانين ضد الاحتكار، التي منحت الحكومة القدرة على تفكيك أكبر التكتلات الاقتصادية المركزية، إذ لاحق الرئيس الأميركي وقتها، تيدي روزفلت، عملاقة السكك الحديدية، شركة "نورثين سيكيوريتيز"، التي موّلها أقوى رجلي أعمال في البلاد، جي.بي مورغان، وجون دي روكفلور، بعد أن حظي روزفلت بتأييد المحكمة العليا التي أمرت بتفكيك الشركة.

وفي العام 1911، حطّم الرئيس ويليام هاورد تافت، إمبراطورية روكفلور النفطية المتمددة، شركة "ستاندارد أويل".

إن الوقت قد حان لتطبيق مكافحة الاحتكار مرة أخرى، يجب علينا تفكيك عمالقة التكنولوجيا، أو أن نُطالبها، على الأقل، بإتاحة تقنياتها التملكية وبيناتها للاستخدام، وبمشاركة منصاتها مع المنافسين الصغار.

ستكون لهذه الخطوات بعض النتائج السلبية على الاقتصاد، لأن هذه الشركات العملاقة تعتمد على الابتكارات وليس على اقتصادات الحجم (كمية الإنتاج مقابل قيمة المنتج)، وكما وضحتُ أعلاه، فهي تستطيع إعاقة عملية الابتكار بالمجمل.

لكن هل هذا قابل للتحقيق سياسيا؟ فخلافا لجمهوريي تيدي روزفلت، أظهر ترامب وعناصر تمكينه في الكونغرس عدم رغبتهم في فرض تطبيق قوانين منع الاحتكار.

يتبجح الجمهوريّون بالحديث الحماسي عن "السوق الحرة"، لكن لا يبدو أنهم يشعرون بتأنيب ضمير لتلاعب الشركات الكُبرى بالسوق على حساب الأشخاص العاديين، وكما ألمح الرئيس السابق للجنة التجارة الفدرالية، روبرت بيتوفسكي، في السابق، فإن "مكافحة الاحتكار هي تعبير عن فلسفة عدم الرقابة، وإذا أردنا أن نسمح للسوق الحرة بالعمل، فمن الأفضل أن نحميها".

علاوة على ذلك، لم يُظهر الديمقراطيون، بدورهم، تحمسا أكبر لمكافحة الاحتكار، خصوصا في ما يتعلق بعمالقة التكنولوجيا.

وفي العام 2012، قدم موظفو مكتب المنافسة في لجنة التجارة الفدرالية، إلى أعضاء اللجنة، تقريرا مفصلا مكون من 160 صفحة، حللوا من خلاله هيمنة "جوجل" في مجال البحث وأسواق الدعايات المرتبطة به، وأوصوا بمقاضاة الشركة بسبب سلوكها "الذي أنتج، أو سوف يؤدي بالمستقبل، إلى إلحاق ضرر حقيقي بالمستهلكين والابتكار".

لكن أعضاء اللجنة الذين كانوا، في معظمهم، تابعين للحزب الديمقراطي، اختاروا عدم متابعة القضية.

وشملت خطّة الديمقراطيين التي أطلقوا عليها اسم "صفقة أفضل"، وطرحوها قبل عدّة أشهر من الانتخابات النصفية، مُقترحا لمهاجمة الشركات الاحتكارية في صناعات مختلفة طاولت قطاع الخطوط الجوية والنظارات والمشروبات الكحولية. لكنها، وبشكل ملحوظ، لم تتناول الشركات التكنولوجية الكبرى.

ربما يكون السبب الرئيس وراء امتناع الديمقراطيين عن مهاجمة صناعة التكنولوجيا نابعًا من التمويل السياسي الضخم الذي ضخّته هذه الشركات في الحزب الديمقراطي. ففي الانتخابات النصفية للعام الحالي، كانت منصة جمع التبرعات الخاصة بالمرشحين التقدميين (الديمقطراطيين) "آكت بلو"، أكبر مستفيد من عطاءات الشركات التكنلوجية الكبرى، فجمعت نحو مليار دولار.

وكما يوضح تحقيق صحيفة "نيويورك تايمز"، فإنه لا يمكن فصل السلطة السياسية عن القوة الاقتصادية. وكلاهما ميال للإساءة.

لقد اعتبر قانون مكافحة الاحتكار وسيلة لمنع الشركات العملاقة من تقويض الديمقراطية. وقال السيناتور عن ولاية أوهايو،  جون أوهرمان، راعي أول قانون لمكافحة الاحتكار في البلاد عام 1890: "إذا لم نحتمل ملكًا كقوة سياسية، فلا ينبغي أن نحتمل وجود ملك على الإنتاج والنقل والبيع" لما أنتجه الشعب.

في عصر المذهب الثاني، كما في الأول، تعمل الشركات العملاقة في قلب الاقتصاد الأميركي على تشويه السوق والسياسة.

يجب علينا أن نُكافح الاحتكار من جديد.


روبرت برنارد رايش هو وزير العمل الأميركيّ الأسبق، بين عامي 1993 و1997، وهو معلق سياسي وأستاذ جامعي، ومؤلف. عمل في إدارات الرؤساء جيرالد فورد وجيمي كارتر وبيل كلينتون، بالإضافة إلى كونه عضوًا في المجلس الاستشاري للانتقال الاقتصادي للرئيس باراك أوباما، عند انتخابه.