النميمة: سلاح الضعفاء القوي في اليونان القديمة

النميمة: سلاح الضعفاء القوي في اليونان القديمة
لوحة "موت سقراط" بريشة جاك لوي دافيد (عام 1787)

توجد الأعمال الانتقامية الجبارة، في قلب أعظم أعمال الأدب اليوناني القديم، والتي يقوم فيها المنتقمون، بالتغلب على أعدائهم باستخدام قوى جسدية خارقة، كما يفعل "أخيل" عندما يقتل "هكتور" في قتال فردي، انتقاما لمقتل رفيقه "باتروكلوس"، أو يقومون باستخدام الحيل والخداع من أجل هذه الغاية، كما تفعل "ميديا "عندما تقتل "كريون" وابنته، بتسميم ملابسهما انتقاما من زوجها الخائن "جيسون". لكن كيف لأي شخص يفتقد للقوة البدنية، أو القدرات السحرية أو الأصدقاء الداعمين، أن ينتقم من خصومه؟

لقد كانت النساء منخفضات المكانة الاجتماعية (على سلم الطبقية)، واللاتي افتقدن لروابط عائلية قوية، من بين أضعف الفئات في مجتمع اليونان القديمة، لكنهن استخدمن سلاحا قويا في ضمان زوال أعدائهن، وهو النميمة. 

وتجسدت النميمة الخاملة والإشاعات في أعمال الشعراء القدامى، وفي "ملحمة هومري"، تُعتبر الشائعات مرسال "زيوس"، التي تندفع مع احتشاد الجنود، مستحضرة صورة للطريقة التي تتسارع بها من فم إلى آخر، لتنتشر عبر الحشود (وترعبهم). فيما يصورها "هيسيود" على أنها مقدسة (إلهية) بطريقة ما، مع التأكيد على ضرورة الحذر منها بقدر قدسيتها، فهي "خبيثة وخفيفة ويمكن خلقها بسهولة، لكن تحملها صعب، والتخلص منها أكثر صعوبة".

وذكر الخطيب الأثيني أسينش، الذي عاش في القرن الرابع ميلادي، النميمة المرتبطة بالمسائل الخاصة، والتي انتشرت على ما يبدو بشكل عفوي في المدينة. وساد الاعتقاد بأن اليونانيين القدماء القادمين من كافة مجالات الحياة، رجالا كانوا أم نساء، أحرارا أم عبيدا، صغارا أم كبارا، أفرطوا في النميمة التي ضمنوا انتقالها السريع إلى جميع أنحاء المدينة، فقد ساهم ميل شرائح واسعة جدا من المجتمع إلى النميمة، في فتح قنوات بين أضعف الضعفاء وأقوى الأقوياء.

وفيما رأى أرسطو أن النميمة كانت تسلية ممتعة لكنها تافهة في معظم الأحيان، فإنه أوضح أيضا، أنه يُمكن لها أن تتضمن نوايا خبيثة عندما تُنتشر على لسان شخص تعرض للظلم. إن هذا التقييم للكلمات على أنها أسلحة بيد المظلومين، هو أمر بالغ الأهمية عند التفكير بكيفية استغلال سكان أثينا للنميمة في محاكم القانون في المدنية، لأن قضايا المحاكم القديمة ارتكزت بشكل أساسي على تقييم شخصية الأفراد المتورطين في القضية بدل الاستناد إلى الأدلة الدامغة التي تدينهم.

وفي غياب القضاة المحترفين، كان هدف المتحدثين الذين دأبوا على عرض أنفسهم على أنهم مواطنين شرفاء، تشويه شخصيات خصومهم في أعين هيئة المحلفين. وكان المتقاضون القدماء يخشون قوة النميمة، ولذا فقد كانوا يعرضون بعناية، زيف القصص السلبية التي سمعها المحلفون عنهم، لتوضيح أنها انتشرت بشكل مقصود من قبل خصومهم الكاذبين.

ويُطلعنا خطباء ذلك العصر، أن الأماكن العامة كالمتاجر والأسواق، كانت مناطق خصبة لنشر الإشاعات الكاذبة التي تسعى إلى تشويه خصم معين، بسبب أعداد الحشود التي تواجدت فيها.

وفي إحدى القضايا التي كتبها "ديمونثينس"، يدعي "ديودروس" أن أعدائه نشروا معلومات كاذبة عنه، عبر إرسال مروج للإشاعات إلى الأسواق على أمل حرف الرأي العام إلى مصلحتهم. بل أن "ديمونثينس" بنفسه، اتهم خصمه "ميدياس" بنشر إشاعات مزيفة عنه. ويُقال إن "كاليماكوس" أخبر الجماهير التي تجمعت في ورشات العمل، مرارا وتكرارا، حكاية مؤسفة عن المعاملة القاسية التي يتعرض لها على يد منافسه. وغاية هؤلاء الأشخاص من نشر الشائعات، هي نشر معلومات كاذبة عبر المدينة لتوليد انطباعات عن الأفراد المتورطين، تُساعدهم في كسب قضاياهم القانونية.

وكانت المحاكمة القانونية في أثينا حكرا على الرجال، لذا اعتمدت النساء على أحد أقربائها، لينوب عنهن في المحاكم. لكن المصادر القديمة توضح أن المرأة استطاعت استخدام النميمة لمهاجمة خصمها أيضا. 

وبهدف استعراض مركبات شخصية عدوه في المحكمة، صوّر خطيب "ضد أريستوجيتن 1"، حادثة تتعلق بسلوك "أريستوجيتن" العنيف والمُجحف تجاه امرأة أجنبية مقيمة تدعى "زوبيا"، والتي يبدو أنها ساعدته عندما كان في مأزق، ولكنه سرعان ما أعتدى عليها جسديا بعدما استعاد قوته، وهددها ببيعها للعبودية.

ولأن "زوبيا" لم تكن مواطنة، فلم تتمكن من الوصول إلى القنوات القانونية الرسمية في أثينا. لكنها عوضا عن ذلك، استغلت جميع القنوات غير الرسمية عبر إخبار معارفها بالإساءة التي تعرضت لها على يد "أريستوجيتن"، ورغم جنسها ومكانتها الاجتماعية المنخفضة، أدى استخدام زوبيا للنميمة ضد معاملة "أريستوجيتن" لها، إلى انتشار سمعة سيئة له وجعله محط شك في المدنية.

وتم تسخير هذه النميمة في المحكمة باستخدام متقاضي ذكر، لعرض شخصية "أريستوجيتن" السيئة أمام هيئة محلفين المكونة من رجال. لذا، كان يُمكن للمرأة استخدام النميمة لتشويه سمعة خصمها في المحكمة بشكل فعال، وبالتالي فقد حققت المرأة منعدمة المكانة الاجتماعية، والتي افتقرت لمتطلبات الوصول إلى الأساليب القانونية، شكلا من أشكال الانتقام من خصومها.

قوة الكلام في وعي الأثينيين

ويظهر في خطاب "ليساس 1 - حول مقتل إراتوستينس"، مثل آخر على توظيف المرأة للنميمة في المحكمة، ففي خطابه، يزعم المدافع عن "إيوفليتوس"، أن قتله لـ"إراتوستينس" كان في إطار القانون، فقد ادعى أنه أمسك به متلبسا بارتكاب الزنا مع زوجته. ويروي لإثبات ذلك، توجه امرأة مُسنة إليه، على مقربة من منزله، والتي كشفت له علاقة زوجته بـ"إراتوستينس".

وتعتمد القصة التي رواها جزئيا، على إقناع هيئة المحلفين بسذاجة "إيوفليتوس" المفترضة، فهو بريء لدرجة يحتاج فيها إلى من يُعلمه بخيانة زوجته بشكل مباشر، وفي جزئها الآخر، تعرض الرواية سلوك "إراتوستينس" المروع على أنه "زاني متسلسل". فبحسب قصة "إيوفليتوس"، فإن المرأة العجوز لم تأتي من تلقاء نفسها، بل أُرسلت من قبل عاشقة هجرها "إراتوستينس" في السابق.

وفي تأليف هذا الجزء من خطابه، يضع ليساس المفردات المرتبطة بالتصرفات الانتقامية في الأدب اليوناني القديم، عندما يُصنف المرأة المهجورة على أنها غاضبة وعنيفة تجاه عشيقها، ومظلومة من سلوكه تجاهها. 

وهذا يعني أن هذه المرأة (المهجورة) نشرت الإشاعات عن علاقة "إراتوستينس" بزوجة " إيوفليتوس "، بشكل متعمد، بهدف حث شخص ما، لديه القدرة لمواجهة "إراتوستينس"، سواء من خلال القنوات القانونية الرسمية أو من خلال قوته الخاصة. لذا فإن المرأة غير القادرة على التماس العقاب لخطأ كهذا، وليست لديها القدرة على التصدي لغريمها، يمكنها أن تحقق الانتقام من خلال قوة الكلام.

كان الأثينيون يعرفون بشدة، استخدام النميمة المحسوب بهدف شن هجمات على أعدائهم، واستخدموها بشكل حذر في مرافعاتهم للافتراء على خصومهم في المحاكم. ويُظهر اعتماد القضايا القانونية على النميمة، بما في ذلك النميمة التي نشرها أبناء الطبقة المتدنية في المجتمع، أن اليونانيين القدماء، لم يميزوا بين مصادر النميمة، بل استغلوا جميع أنواع الثرثرة والإشاعات في محاولاتهم للتغلب على خصومهم. ومن خلال استخدام النميمة المحسوبة (المدروسة)، امتلك غير المواطنين، أو العبيد، أو النساء، الذين يجمعهم عدم إمكانية الوصول إلى القنوات القانونية الرسمية بسبب "تدنيهم" الاجتماعي، سلاحا فعالا، استطاعوا ممارسته لتحقيق الانتقام ضد أولئك الذين ظلموهم. 

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019