التحوّلات في صراع تركيا التاريخي لإثبات "بياضها"

التحوّلات في صراع تركيا التاريخي لإثبات "بياضها"
توضيحية (Pixabay)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب ٤٨" بتصرّف:


يتأصل الانتماء للفوقية العنصرية البيضاء في تاريخ الولايات المتحدة، وهو مصحوب بذكرى طويلة من العبودية التي استُبدلت لاحقا بقوانين "جيم كرو" العنصرية (وهي قوانين شرّعت الفصل العنصري)، التي نرى أصداءها اليوم في موجة العنصرية الصاعدة مؤخرا. لكن في مناطق أخرى من العالم، اتخذت فكرة بياض البشرة منحى آخر تماما، ففي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، استعان المُجددون في إيران وأفغانستان واليابان وتركيا بعلم الأعراق الغربي لتدعيم جهودهم في إثبات "بياض" شعوبهم أمام الغربيين، وحقن جرعة من الثقة التي كانت شعوبهم بأمس "الحاجة" إليها في ظل نضالها ضد الاستعمار، بالإضافة إلى تعزيز توجههم الحضاري بأوراق اعتماد عرقية.

وفي حين أن علم الأعراق كان يهدف إلى تصنيف العالم على سلم عرقي تتواجد فيه الأعراق الغربية في المرتبة "العليا" مقابل بقية الأعراق، فإن المجددين حول العالم لجأوا إلى العلم ذاته في محاولاتهم لبسط نفوذ حملاتهم "الحداثية". وقد تكون التجربة التركية أكثرها جاذبية بسبب نطاق انتشار حملة "البياض".

عزمت المحكمة المتنقلة الأميركية في ولاية كنتاكي، عام 1909، على تحديد "ما إذا كان يُمكن اعتبار المواطن التركي شخصًا أبيض"، وتمت تغطية الحدث من قبل صحيفة "نيويورك تايمز" دون الإشارة إلى أن المدّعي الذي رفع القضية كان تركيًا. وتساءلت الصحيفة "هل التركي هو رجل أبيض؟"، وأجابت بالإيجاب والنفي على السؤال ذاته، إذ إنها أفادت أن "أصل الأتراك يعود إلى العرق الأصفر أو المنغولي. وهذه شعوب وحشية وقاتلة (...) لكنهم أيضا أوروبيون، ويُعتبرون من البيض تماما مثل الهون والفنلنديين والقوزاق".

لقد ساهمت مسألة بياض الأتراك، وردود الفعل المترددة تجاهها، في دفع جهود تركيا للتحديث، ودعمت الدولة أيضا في تشكيل عدة سرديات للهوية الوطنية، ونشرتها في التعليم لعقود من الزمن.

وبعد ذلك بـ20 عاما تقريبا، وتحديدا في عام 1928، وجد المجدد الأكبر الذي أسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، نفسه أمام مسألة "البياض"، فقد جلبت له ابنته المتبناة، آفين إينان، كتابا جغرافيا فرنسيا ينص على أن الأتراك ينحدرون من العرق الأبيض. واعترض أتاتورك على هذا الادعاء بشدّة قائلا: "إن ذلك مستحيل، لنشغل أنفسنا بهذا الموضوع"، طالبا من إينان ابنة العشرين عاما، العمل على هذه المسألة، وجاعلا منها ممثلة للدولة في حملة البياض التركي.

وأرسلت الحكومة التركية ابنة أتاتورك إلى جامعة جنيف في سويسرا بهدف استكمال مسارها نحو الدكتوراه في التاريخ، حيث أشرف عليها عالم الأنثروبولوجي الداعم لفكرة بياض الأتراك، أوجين بيتارد.

وأكملت إينان دراسات الدكتوراه في العلوم الاجتماعية عام 1939، بعد مسح الخصائص الجسدية لأكثر من 64 ألف تركي، واستخدمت هذه البيانات للادعاء أن الأتراك هم بيض العرق.

البحث عن التركية البيضاء

تأرجح البحث عن البياض التركي تارة بين العلم وتارة بين الخيال العلمي، وشمل التنقيب عن الجماجم، والبحث عن وثائق تاريخية، وتحليل عيّنات من الدم، ودراسة اللغات القديمة. ووصل الأمر ببعض علماء الآثار الأتراك الذين سعوا إلى إثبات أن شعبهم هو مهد الحضارات في العالم، إلى حد استكشاف أسطورة القارة الغارقة "مو"، آملين بأن تُثبت عملية اكتشافها ادعائهم بأن الأتراك ينحدرون من حضارة المايا.

وأراد العلماء الأتراك من مختلف التخصصات، كالتاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الآثار وغيرها؛ إظهار أن الغرب (والعالم بأسره) يَدين بحضارته للأتراك القدامى. وكان يجب إقناع الغربيين كما الأتراك بهذه النظرية.

ومن أجل التغلب على الإجحاف الغربي، عدلت الحكومة التركية النظام التعليمي مستغلة السلاح الأساسي في النمط الغربي للتعليم، وهو العلوم. كما دعت العلماء الغربيين إلى تركيا مرسلة في الوقت ذاته، طلابًا للتعلم في الخارج في أفضل الجامعات الأوروبية، إذ اعتقد المجددون الأتراك أن استيراد العلوم والحداثة من الغرب، هو مجرد استرداد لما كان أصلا تركيًا.

وبرز النقاش حول بياض الأتراك أيضا في القرن التاسع عشر، فبعد عام 1839، والذي صدرت فيه أوامر عليا بضرورة تحديث الإمبراطورية العثمانية، روّج المثقفون القوميون لحملات صغيرة النطاق تهدف إلى نسب الأتراك إلى الأعراق البيضاء. وقد حكم العثمانيون قطاعات واسعة من غير الأتراك والمسلمين، خصوصا في شرقي أوروبا. وقبل بداية القرن العشرين، بلغت نسبة غير المسلمين نصف إسطنبول عاصمة الإمبراطورية، وبالنسبة لمجتمع غير متعدد مثل هذا، فإن فكرة الهوية التركية نشأت في القرن الثامن عشر فقط. ويعود ذلك جزئيا إلى مواجهة فكرة القومية العربية واليونانية والبلغارية، التي بدأت تلاقي رواجا لها في بعض أنحاء الإمبراطورية.

ولقد استلهم العثمانيون ردهم على تعدد القوميات بـ"المركزية التركية" المستوحاة بشكل أساسي من المستشرقين الأوروبيين. وكان من بين هؤلاء الكاتب الفرنسي ليون كاهون الذي ادعى أن الأتراك هم أوروبيو الأصل. وفي عام 1930، نشر المجددون هذا الادعاء مترجما إلى اللغة التركية، إذ كتبت إينان في مقدمته: "الأتراك هم من أسسوا جميع الحضارات القديمة".

عندما تفككت الإمبراطورية العثمانية بعد هزيمة معسكرها التابع لألمانيا في الحرب العالمية الأولى، تسبب ذلك في انبثاق الجمهورية التركية، وبدأ الإصلاحيون عام 1930، بالتشديد على الحاجة إلى تغييرات ثقافية عميقة في المجتمع التركي، خصوصًا لأن فكرة "التركي الفظيع" كانت قد اجتاحت جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة كصورة نمطية لذكرى قمع العثمانيين للأقليات غير المسلمة ومطالبهم القومية، كما أن المصطلح استمدّ شرعيته الشعبية في الغرب، نتيجة للصراع العرقي بين الأتراك المسلمين والسكان غير المسلمين خلال السنوات المضطربة في الحرب العالمية الأولى.

ومال الأميركيون والأوروبيون في ذلك الزمان، إلى فهم الاختلافات بين الشعوب والمجتمعات استنادا إلى مفاهيم عرقية، فبالنسبة لهم، كانت الصفات الحضارية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالعرق، الأمر الذي دفع المجددين الأتراك للشروع في محاولة إقناع الغرب ببياض وأوروبية الأتراك، فقد رأوا فيها وسيلة لتحقيق الغاية وشرعنة أهدافهم "الإصلاحية"، وهي إنشاء دولة متجانسة عرقيا، وجعلها غربية من خلال التحول الثقافي، والإصرار على أن الأتراك هم أصحاب الحق في الحضارة الغربية.

وكما حدث في كثير من البلدان، ساعد ما سُمِّي بـ"علم تحسين النسل" في تشكيل القومية التركية، وهو علم "مزيف" سعى من خلال التلاعب بالتطور البشري إلى تشجيع "استنساخ الأجناس المتفوقة" و"منع نمو الأجناس السفلية". ووصلت الحركة إلى ذروتها خلال النظام النازي في ألمانيا مع نتائج كارثية، وأراد بعض العلماء الأتراك أن يؤسسوا لادعاء بناء الأتراك للحضارة القديمة، باستخدام منهج علمي مفترض وهو تحسين النسل البيولوجي، لكن هذا العلم "المزيف" ربط طوال فترة النصف الأول من القرن العشرين؛ تفوُّق البيض بالأوروبيين، ووضع الأتراك في فئة الأعراق السفلية. وحاول القوميون الأتراك تغيير هذا عبر البحث العلمي.

وصل تحسين النسل إلى ذروته في شمالي أميركا وأوروبا، وعبّر العلماء الأتراك البارزين في هذا المجال عن دعمهم العلني لهذا "العلم"، وكان سعدي إرماك أبرزهم. وبعد دراسته الطب والبيولوجيا في برلين، بدأ إيرماك في الترويج لعلم تحسين النسل عندما أصبح أستاذًا لعلم وظائف الأعضاء في جامعة إسطنبول عام 1933. واستخدم إرماك، متخطيا التحفظ الأكاديمي، وسائل الإعلام الشعبية بكثرة، مثل المقالات الصحافية والمحادثات العامة والكتب، لتعميم معرفة تحسين النسل. وفي إطار عدم إخفاء افتتانه بسياسات التعقيم والإبادة النازية، رأى إيرماك أن الهولوكوست (المحرقة النازية) هي امتداد للحكم العقلاني ضد الخليط العنصري. وفي سبعينيات القرن العشرين، تولّى لفترة قصيرة منصب رئيس الوزراء في تركيا.

كما وساهم علماء أتراك آخرون في نشر علم تحسين النسل، وامتلأت الصحف بمقالات مع عناوين مستوحاة منه مثل "هل يجب تعقيم المجنون، ضعيف التفكير، والمريض؟".

وشمل البحث عن بياض الأتراك، مقاربات كثيرة وأخذ منعطفات إبداعية، فقد حشد مجموعة واسعة من التخصصات العلمية التي شملت علم الآثار والأنثروبولوجيا والتاريخ والطب والجغرافيا، وكل ذلك كان في سبيل محاولة استكشاف جوهر البياض القديم الثمين في التاريخ التركي، وجاءت أهم نقاط التحول في هذه الحملة عام 1932، في أول "مؤتمر تركي للتاريخ في إسطنبول".

وحضر المؤتمر معلمو مدارس وأساتذة جامعات، وبعض أعضاء البرلمان. واستعرض المؤتمر بعض الأفكار الأساسية لارتسام التعديلات التي أجراها نظام أتاتورك على التعليم العالي لتقريبه من الحملة العلمية لإثبات بياض الأتراك، وتم إقالة عدد كبير من الأساتذة في الجامعات وتوظيف العلماء الألمان الهاربين من الاضطهاد النازي.

وحدد وزير التعليم في خطابه الافتتاحي، هدفين للمؤتمر، وهما تعلم جذور الحضارة التركية وتصحيح تحريفات الغرب لها، إذ ادعى مجددا أن الأتراك أثّروا على تاريخ حضارات العالم قائلا: "لقد أسس الأتراك الحضارات الصينية والهندية في آسيا، والحضارة الحثية في أرضهم المباركة الأناضول، والسومرية والعيلامية في بلاد ما بين النهرين، وأخيرا كل من الحضارة المصرية والمتوسطية والرومانية. لقد أنقذوا أوروبا، التي نقدرها ونتبعها في حضارتها اليوم، من حياة الكهوف في تلك الأيام".

وتعهدت إينان (ابنة أتاتورك) باستخدام أحدث العلوم الغربية من أجل إظهار نقاء العرق التركي، من أجل دحض "الأساطير الملفقة" التي ألفها العلماء الغربيون عن آسيوية الأتراك.

وأوضحت مداخلتها في المؤتمر، أنها المسيطرة على الحملة القومية التركية من أجل إثبات بياض العرق، وكانت تبلغ من العمر 24 عاما آنذاك ولم تكن لديها شهادات تخولها لكي تكون باحثة، لكن عندما انتقد محاضران جامعيان، الأساس التجريبي لنظرية "البياض" الجديدة، ببراعة لكن بتوجه اعتذاري، قادت إينان عملية قمع معارضتهما المعتذرة. وكان المعارضان هما محمد فوات كوربولو، وزكي فيليدي توجان، وكلاهما حاصل على بروفسوراه في التاريخ، واعترضا بشكل رئيسي على تجاوز ادعاءات حملة "البياض" للأدلة. وقالا إن العلماء يحتاجون إلى مزيد من الأدلة لإثبات بعض الادعاءات التي كان المؤتمر يحاول ترويجها.

وكانت إنان أول من انتقد محاولتهما، وأجبرت قوتها السياسية كوربولو وهو عالم تاريخ يدرس الفترة العثمانية باستخدام تحليل دقيق للمواد الأرشيفية، على القدوم إلى المسرح، ليُقرّ بوجود سوء فهم. وأقدم باحث آخر كان يحظى بدعم ورعاية إينان له، على تحدي كوربول، مدعيا مرّة أخرى أن الأول أساء فهم النظرية، بل إنه وبخ كوربولو بتحذيرات أكاديمية، على مرأى من الجمهور الذي صفق للإهانة التي تعرض لها كوربولو بعد أن أُجبر على الاعتذار عدّة مرات.

أما توجان والذي كان مؤرخا وشخصية مرموقة في القومية التركية، كان العالم الآخر الذي أكد على غياب الأساس العلمي لنظرية "بياض الأتراك". وانتقد توجان محاضرة ريشيت غالب، التي كانت بعنوان "نظرة عامة لتاريخ العرق التركي وحضارته"، إذ اعترض على غياب المعلومات الكافية لدعم التعميمات الواسعة حول وجود حضارة تركية ما قبل التاريخ. لكن الثاني تمتع بأفضلية سياسية، بل إنه كان في طريقه ليصبح وزير التعليم في عام 1933. لكنه تعرض لإهانة علنية أيضا خلال المؤتمر، فقد قدم غالب مداخلة طويلة دحض فيها ادعاءات الأول والتي انتهت بالتقليل من شأنه أيضا، ما دفعه إلى الاستقالة من منصبه في الجامعة في اليوم ذاته.

وقدم غالب في مداخلته، دليلا رائجا، مستخدما رواد المؤتمر أنفسهم، فبعد انتقاده لأحد العلماء الغربيين لتصنيف الأتراك في خانة الأعراق الصفراء، طلب غالب من الحاضرين أن يتغاضوا عن الحديث العلمي لعدة لحظات وأن ينظروا إلى بعضهم البعض، قائلا: "من أجل دحض النظرية التصنيفية المتبعة في هذا العمل بما لا يدع مجالاً للشك؛ يكفي أن ينظر الحاضرون تركيو العرق إلى بعضهم البعض".

وهذا بالضبط ما كانت عليه الأساليب العلمية لحملة "البياض" التركي، لكن افتراضات باحثيها، انتشرت على نطاق واسع.

الترويج للأتراك على أنهم أصل الحضارات البشرية

وبدأ هؤلاء المجددون الأتراك النخبويون في العقدين اللذين جاءا أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، بتعليم الفلاحين عن عرقهم، خصوصا من خلال حملات التعليم الشامل ومحو الأمية. وعبرت هذه الحملة بكتاب صغير وأساسي عن فحواها، وهو "المواضيع الأساسية في التاريخ التركي" والذي أُصدر عام 1931، وكان لإينان دور في تأليفه. ورغم طباعة ونشر 100 نسخة من الكتاب فقط، والذي عرض الحجج الأساسية ومواضيع التعليم العامة للدولة، لكنه كان بمثابة مخطط لتحديث التعليم في تركيا. ويبدأ الكتاب بمهاجمة العلوم الغربية لمفاهيمها الخاطئة عن الأتراك، وهدف مؤلفوه إلى ما يسمى بـ"كشف أسرار العبقرية والشخصية التركية، وإظهار خصوصية الأتراك وقوتهم، والإعلان بأن تقدمنا الوطني مرتبط بجذور عرقية عميقة".

وتضمن الكتاب عدّة مزاعم عجيبة لكنها جديرة بالذكر، خصوصًا لأنها وصلت إلى مناهج التعليم المدرسية، وتم عرضها على أنها معتقدات مسلّم بها درسها الباحثون والمعلمون. وشملت أربعة نقاط وهي أن الأتراك هم أصل العرق الأبيض، وأنهم ينحدرون من حضارة آسيا الوسطى القديمة ويُفترض أنها الأقدم والأكثر تطورا في العالم ما قبل التاريخ، وأن الأتراك نشروا الحضارة إلى بقية شعوب العالم بعد أن هاجروا من آسيا الوسطى (وطنهم الأسطوري)، كما أنهم قاموا بـ"أتركة" الأعراق الأخرى واستيعابها.

وشكل الادعاء الأخير تحريفًا مثيرا للاهتمام، لقاعدة "نقطة الدم الواحدة" التي استخدمتها الولايات المتحدة في القرن العشرين في العنصرية الشديدة ضد الأميركيين من أصل أفريقي، والتي تنص على أنه "يكفي" أن يكون لدى الشخص أصل أفريقي واحد فقط لكي يتم اعتباره بموجب القوانين العنصرية أسود البشرة. ففي نموذجها التركي؛ لم يكن التخالط العرقي عنصرا يُهين "التفوق العرقي" للأتراك، بل على العكس تماما، كان استيعابا للأعراق "السفلية" ورفعا من مكانتها. وتعلم الشعب التركي أن مهد البياض والحضارة الغربية قادم من آسيا.

التّعامُل مع الأصل العثماني والإسلامي

لم يَرَ المجددون الأتراك أي تناقض بين التطلع شرقا نحو آسيا بحثًا عن الإنجازات والصفات التي يعتقدون أنها ستجعلهم بيضًا وأوروبيين، وبين حقدهم على الإسلام في الوقت ذاته. وفضلوا تحديد الإنجازات الحضارية الملائمة لهم والسعي إلى نسب جذور تركية لها، فقد رأوا عملية التحديث كخاصية جماعية متأصلة في الهويات العرقية والتي تقود الطريق إلى مجتمع متقدم ومتجانس. أما الإسلام، فلم يجدوه حاضرا في هذه العملية التحديثية، بل نظروا إليه على أنه قوة "أجنبية" تسببت بـ"تآكل" الحضارة التركية بعد وصولها.

ونصبوا أمام أعينهم هدف قلب التصنيف العرقي الغربي رأسا على عقب، فقد فهموا في مرحلة ما، أن علم الأعراق كان بمثابة بدعة بشرية تخدم أهدافا سياسية. فقد قاموا بأنفسهم أيضا، باستغلاله لبرهنة أن عرقهم هو "المبتكر المتفوق للحضارة الإنسانية". ولقد تمتعت هذه الحملات والجهود التعليمية بالقوة في تركيا لعدة عقود، وامتدت حتى منتصف القرن العشرين على الأقل، مُخلِّفة علامة عميقة في الهوية الجماعية في البلاد.

لكن في تسعينيات القرن الماضي، تم تصحيح حملات العلوم العرقية في تركيا بشكل كامل، وشهدت العقود القليلة الماضية، ازدياد الحنين إلى الإمبراطورية العثمانية والتاريخ الإسلامي، والذي يظهر من خلال شعبية الأعمال الفنية والتجارب الثقافية العثمانية، مثل الخط العثماني، والمطبخ والحمام التركي. واتخذت الدولة التركية أيضا مسارا مختلفا تماما عن السعي السابق نحو البياض والغرب، محتضنة ماضيها العثماني، وهو ما ظهر في السياسة التركية الخارجية المتسمة بعلاقات قوية مع الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، على حساب تحالفات غربية وثيقة وسابقة، وتجسّدت إحدى نقاط هذا التحول في عام 1988، عندما افتتح الرئيس التركي الأسبق، تورجوت أوزال، معرضًا في لندن سُمي باسم سليمان العثماني، وقام بتمجيد هذا السلطان ما دفع بالإعلام التركي إلى تسليط الضوء على التراث العثماني.

إلى حد ما، يبدو أن "عَثمَنة" تركيا المعاصرة، هي بمثابة رد فعل شعبوي ضد منهج "الغربنة" القديم في التحديث، الذي فرضته نخبة علمانية قوية من الأعلى. فقد تنكرت حملة البياض التي صاحبت عملية التحديث، للإمبراطورية العثمانية باعتبارها انحرافًا في تاريخ تركيا الطويل. ويعمل تنامي العثمنة في تركيا اليوم، على إعادة إحياء الماضي العثماني الذي يستمد جذوره من الهوية التركية، وبذلك بدأت تسود في البلاد فكرة أن الأتراك هم أحفاد العثمانيين، وليسوا أبناء حضارة متفوقة من عصور ما قبل التاريخ في آسيا الوسطى.