كان انهيار بعض الحضارات ضروريًا... هل ما زال كذلك؟

كان انهيار بعض الحضارات ضروريًا... هل ما زال كذلك؟
تمثال أحد الفراعنة المصريّين (رويترز)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب ٤٨"، بتصرُّف:


هل يُعد انهيار الحضارات أمرًا كارثيًا بالضرورة؟ لقد رافقت انهيار المملكة المصرية القديمة في نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد، آفات كانتشار أعمال الشغب وسرقة المقابر وحتى أكل لحوم البشر. وبحسب مذكرات عنخ تيفي العام 2120 ق.م تقريبًا، التي تتناول حياته كحاكم المقاطعة الجنوبية لمصر القديمة، فقد "توفي جميع سكان مصر العليا من الجوع، ووصل كل فرد إلى حالة من الجوع دفعته لأكل أطفاله".

وأصبحت الرواية التاريخية التي تُخبرنا كيف يُمكن للحضارات أن تتضعضع بسرعة فائقة وبعنف إلى أن تنهار كليا، مألوفة لدى الكثيرين اليوم. ويبدو أن ذلك يحدث بالتاريخ الحديث، أيضًا، فقد شهد العراق في الفترة بعد انتهاء الغزو (الاحتلال) الأميركي، مقتل أكثر من 100 ألف شخص خلال عام ونصف فقط (بعد الانسحاب الأميركي عام 2011)، بعد أن نشأ تنظيم "داعش". وأدّت الإطاحة بحكومة معمر القذافي في ليبيا عام 2011 إلى فراغ في السلطة، ما أدى إلى عودة ظهور تجارة العبيد.

من الغزو الأميركي للعراق عام 2003 (أ ب)
من الغزو الأميركي للعراق عام 2003 (أ ب)

ومع ذلك، فالحقيقة من وراء وجهة النظر هذه تجاه الانهيار، أكثر تعقيدًا من ذلك. ففي الواقع، نادرًا ما انطوت نهاية الحضارات على كوارث أو فواجع فجائية. فعادة ما تكون عملية الانهيار تدريجية وتستمر على مدار فترات طويلة، وتخلّف وراءَها استمرارا للحياة البشرية والثقافية لسنوات طويلة.

فعلى سبيل المثال، انهارت حضارة المايا في أميركا الوسطى، على مدار ثلاثة قرون متتالية، في ما يُعرف باسم "انهيار المايا الكلاسيكي التدريجي"، وهي الفترة الممتدة ما بين العام 750 والعام 1050 ميلادي. وفي حين تميزت هذه الفترة بارتفاع معدل الوفيات بنسبة تتراوح بين 10 و15 بالمئة، والنزوح عن بعض المدن، فإنها سجّلت، أيضًا، ازدهارًا لمناطق أخرى، واستمرت الكتابة والتجارة والحياة الحضرية حتى بعد وصول الإسبان للقارة في القرن السادس عشر.

وحتى قصة حياة عنخ تيفي التي كتبها بنفسه، قد تكون محض مبالغة. فخلال عصر الاضمحلال الأول في مصر، الذي تلا المملكة القديمة، أصبحت المقابر غير المخصصة للنخبة أكثر ثراءً وانتشارا. وليس هناك دلائل مقنعة بشكل كاف، بأن المجاعة والموت اجتاحا مصر في تلك الفترة. وقد كانت لعنخ تيفي، مصلحة في تصويرها على أنها فترة كارثية، فلم يمض على صعوده إلى منصب الحاكم فترة طويلة عندما كتب سيرته الشخصية التي تُمجد مآثره العظيمة في ظل الأزمة.

بل أن بعض الانهيارات المعروفة لم تحدث أصلا، فلم يكن ما حصل في جزيرة "القيامة" نوع من أنواع "الإبادة البيئية" الذاتية، كما ادّعى المؤرخ الأميركي، جاريد دايموند، في كتابه "الانهيار" (2005). وفي الواقع، عاش شعب رابا نوي، الذي كان يسكن الجزيرة، بشكل متواصل حتى قيام الاستعمار والأمراض بتدميرهم في القرن التاسع عشر. وبحلول عام 1877، لم يبق منهم إلا 111 شخصا فقط.

وقد يوفر زوال الحضارة، أيضًا، مساحة للتجديد. فلم يكن ظهور الدولة القومية في أوروبا ممكنا لولا انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية قبل قرون عديدة. وقد دفع هذا بعض العلماء إلى التكهن بأن الانهيار هو جزء من "الدورة التكيّفية" لنمو وتراجع الأنظمة. وعلى نمط يُشبه حرائق الغابات، فإن التدمير الخلّاق الذي يحدثه الانهيار يوفر الموارد والمساحة للتطور وإعادة التنظيم.

ما تبقى من حضارة المايا (أ ب)
ما تبقى من حضارة المايا (أ ب)

إن أحد الأسباب التي تجعل تقدير الإنسان لهذه الفروق الدقيقة، نادرًا، يكمن في أنّ علم الآثار يستعرض بشكل رئيسي التغييرات التي طرأت على حياة النخب، وهي نظرة للتاريخ من خلال عيون المجموعة السكانية التي لا تتعدى الواحد بالمئة من المجتمعات. وقبل اختراع الآلة الطابعة في القرن الخامس عشر، اقتصرت كتابة المؤلفات والوثائق، وحفظها، على البيروقراطيين الحكوميين والأرستقراطيين في معظم الأحيان. وفي الوقت ذاته، كانت بصمة الجماهير العريضة، مثل الصيادين وجامعي الثمار، والعلّافين والرّعاة، غير المنتمين للدول، قابلة للتحلل.

وتنبع رؤيتنا النمطية لانهيارات الحضارات القديمة من خلال أعين ضحايا أصحاب الامتياز، بسبب هذه الهرمية. وتُوصف العصور المظلمة، بهذه الكنية، انطلاقا من الفجوة في سجلاتنا عنها، لكن هذا لا يعني أن المجتمعات والثقافة توقفت عن النمو أو الوجود في تلك الفترة. وبالطبع، قد تؤدي الانهيارات إلى نشوب عدد أكبر من الحروب والانحدار الثقافي والتجاري، لكن السجل الأثري غالبا ما يكون شحيحًا جدًا لاستخلاص عبر واستنتاجات حول حقيقة ما جرى في تلك الأزمنة الغابرة، خصوصًا مع وجود أمثلة مضادة قوية للادعاءات السائدة، فمثلا، في القرون الممتدة بين فترة تشو الغربية (1046-771 ق.م) وسلالة تشين الحاكمة (221-206 ق.م) في الصين، ازدهرت الكونفوشية وأنواع أخرى من الفلسفة.

أما بالنسبة لفلاحي الحضارة السومرية في بلاد الرافدين، فإن الانهيار السياسي الذي وقع مع مطلع الألفية الثانية ما قبل الميلاد، كان أفضل ما حصل لتلك المنطقة. ويشير الباحث الأنثروبولوجي والسياسي من جامعة ييل الأميركية، جيمس سي سكوت، في كتابه "ضد التيار" (2017)، إلى أن الدول الأولى "اضطرت إلى السيطرة على معظم سكانها عن طريق فرض أشكال من العبودية". ومع نهاية نظام الدولة السومرية، وهروب النخبة الحاكمة من المدن، أدّى ذلك إلى تخلص الفلاحين من العمل الشاقّ لساعات طويلة جدا في الحقول، والضرائب الشديدة، والأمراض المتفشية، والعبودية.

وتُظهر البقايا العظمية للصيادين وجامعي الثمار الذين عايشوا تلك الفترة، أنهم عاشوا حياة أكثر صحية، وأقل جهدا، واتبعوا أنظمة غذائية أكثر تنوعًا ونمط حياة نشطًا. وذلك يُعزا إلى أنّ خراب الدولة كان مريحًا لهؤلاء الناس.

لكن كل ما سبق لا يعني البتّة أننا يجب أن نشعر بالرضى تجاه إمكانيات حدوث انهيارات مستقبلية. لماذا؟ أولا، نحن اليوم أكثر اعتمادا على البنى التحتية للدول من أي وقت مضى، الأمر الذي يعني أنه من المرجح أن تؤدي خسارتها إلى تعطل أو للفوضى. ولنأخذ على سبيل المثال، الانقطاع الكهربائي شبه الكامل الذي ضرب نيويورك في تموز/ يوليو 1977، والذي ارتفعت فيه معدلات الجريمة وإحراق المباني وتخريب الممتلكات العامة والخاصة؛ وأُصيب فيها أكثر من 550 شرطيا بجراح، واعتُقل أكثر من 4500 لص. ونتج ذلك عن الركود المالي في الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي، وفقدان محدود التأثير للكهرباء. وعلى النقيض من ذلك، فربما لو انقطعت الكهرباء عن مدينة نيويورك عام 1877، ما كان ذلك سوف يؤثر على حياة معظم سكانها، على الأرجح.

ثانيا، قد تكون الحضارات الحديثة، أقل قدرة على التعافي من انهيار عميق، من قدرة سابقاتها. وفي حين أن الصيادين وجامعي الثمار في العصور الغابرة، ربما امتلكوا المعرفة للعيش من الأرض، فإن الأفراد في المجتمع الصناعي يفتقرون إلى ما هو أكثر من مهارات البقاء الأساسية، وهو المعرفة لكيفية عمل الأدوات "الأساسية" مثل سحّابات الملابس. وتنحصر المعرفة بشكل متزايد اليوم، لدى المجموعات والمؤسسات بدل الأفراد، وليس من الواضح إن كان الإنسان المعاصر يملك القدرة على التعافي من انهيار المجتمع الصناعي.

من المظاهرات التي سبقت انهيار الاتحاد السوفياتي (أ ب)
من المظاهرات التي سبقت انهيار الاتحاد السوفياتي (أ ب)

أما السبب الثالث لذلك، فهو أن انتشار الأسلحة أدى إلى مضاعفة مخاطر الانهيار. فعندما انهار الاتحاد السوفييتي، خلّف وراءه 39 ألف سلاح نووي، ومليون ونصف المليون كغم من البولونيوم واليورانيوم فائق التخصيب. ولم يتم احتواء هذه الكميات كلها والسيطرة عليها، فتُظهر البرقيات الدبلوماسية التي كشفت عنها "ويكيليكس" عام 2010، أنه عُرض على مصر علماء وأسلحة ومواد نووية بأسعار رخيصة.

والأسوأ من ذلك هو أن العلماء الروس الذين تم تجنيدهم خلال التسعينيات ربما يكونون قد دعموا برنامج الأسلحة الناجح لكوريا الشمالية. ومع نمو القدرات التكنولوجية البشرية، لم يعد بوسع تهديد الانهيار الذي يتحول إلى نتيجة مظلمة وانتشار الأسلحة على نطاق واسع، إلّا أن يزداد.

نهايةً، إن تحول العالم لمكان أكثر تشابكا وتعقيدا، أمر مهم، فهذا يعزز قدرات الإنسان، ولكن يجعل الفشل النظامي أكثر احتمالا. ووجدت دراسة نظم رياضية في مجلة "نيتشر" عام 2010 أن الشبكات المترابطة أكثر عرضة للفشل العشوائي من الشبكات المعزولة. وعلى نحو مشابه، فبينما قد يعمل الترابط في الأنظمة المالية واقيًا من حيث المبدأ، إلا أنه يبدو أنه وصل إلى نقطة تحول حيث أصبح النظام أكثر هشاشة، وانتشرت الإخفاقات بسهولة أكبر. ومن الناحية التاريخية، هذا ما حدث لمجتمعات العصر البرونزي في بحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط، وفقًا لما وثقه المؤرخ وعالم الآثار إرين كلاين، في كتابه "1177 ق.م: انهارت الحضارة" (2014). صُنع الترابط بين هؤلاء الأشخاص من أجل ازدهار المنطقة، ولكنه أنشأ، أيضًا، صفًا من الدومينو الذي يمكن ضربه بمزيج قوي من الزلازل والحروب والتغيرات المناخية والثورات.

إذن، فالانهيار هو سيف ذو حدين، فقد يكون في بعض الأحيان، بمثابة هبة للسكان وفرصة لإعادة إحياء المؤسسات الفاسدة. إلا أنه قد يؤدي، في المقابل، إلى فقدان السكان والثقافة والهياكل السياسية التي تطلب إحلالها مجهودا كبيرا.

وتعتمد تبعات الانهيار جزئيا، على كيفية توجيه الناس للاضطراب الناجم عنه، وعلى مدى السهولة والأمان اللذين سيحظى بهما المواطنون من أجل العودة لأشكال مجتمعية بديلة. ولسوء الحظ، تشير هذه الميزات إلى أنه على الرغم من أن الانهيار له سجل حافل بالتفاوت بين الحضارات المختلفة، إلا أن حدوثه في العالم الحديث قد يؤدي إلى مستقبل مظلم فقط.


الكاتب باحث مشارك في مركز دراسة المخاطر الوجودية بجامعة كامبريدج ومحاضر فخري في السياسة البيئية في الجامعة الوطنية الأسترالية.