كيف ساهمت الفيزياء في حقل العلوم الاجتماعية؟

كيف ساهمت الفيزياء في حقل العلوم الاجتماعية؟
توضيحية (pixabay)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب ٤٨"، بتصرُّف:


في سلسلة روايات المؤلف الأميركي الروسي، إسحاق أزيموف، الخيالية العلمية، التي تحمل اسم "الأصل"، يتنبأ "هاري سلدون" بانهيار "الإمبراطورية المجريّة"، عن طريق استخدام "التاريخ النفسي"، وهو علم متخيّل عبارة عن حساب التفاضل والتكامل للأنماط التي تحدث في رد فعل الكتلة البشرية تجاه الأحداث الاجتماعية والاقتصادية. وبعد أن يحاكم "سيلدون" في البداية، بتهمة الخيانة بسبب الاعتقاد بأن توقعه سيشجع الانهيار المذكور، يُسمح له بتشكيل مجموعة بحثية على كوكب منعزل. هناك، يبحث في كيفية تقليل الدمار إلى حده الأدنى، والحد من فترة الفوضى التي ستتبعه من 30 ألف عام إلى ألف عام فقط.

لقد عرف أزيموف (الكاتب)، أن التنبؤ بالأحداث السياسية واسعة النطاق على امتداد آلاف السنين ليس أمرا معقولا في الواقع، لكننا جميعا نمتنع عن التفكير بذلك عند قراءة الروايات الخيالية. وكان أزيموف ذكيا إلى الحد الذي جعله يميز أن مثل هذا التنبؤ، مهما كان دقيقا، فهو عرضة لأي اضطراب كبير لم يكن متوقعًا، في أي لحظة، ولا حتى من حيث المبدأ، كما فهم أيضًا أن القراء الذين تفاعلوا بسعادة مع التاريخ النفسي، أدركوا الأمر ذاته. وفي المجلد الثاني من السلسلة، تتعرقل خطط سيلدون بحدث "البجعة السوداء"، ومع ذلك، فإنه يستخدم خطة الطوارئ التي وضعها، والتي تكشفها السلسلة لاحقًا مع مفاجآت إضافية.

وتتميز سلسلة "الأصل" التي ألفها أزيموف، بتركيزها على المكائد السياسية التي تُعدها مجموعات رئيسية، بدلا من الإفراط في وصف "المعارك الفضائية" بين الأساطيل الشاسعة فائقة التسلح، وفي حين يتلقى أبطال الرواية تقارير منتظمة عن مثل هذه المعارك، إلا أن الوصف أبعد ما يكون عن أن يكون هوليودي الطابع. هذه الحبكة، كما ذكر أسيموف بنفسه، صيغت على غرار كتاب إدوارد جيبون؛ "تاريخ تراجع وسقوط الإمبراطورية الرومانية"، وتحظى بمكانة الفئة الرئيسية بمعيار التخطيط الملحمي لعدم اليقين. يجب أن يُلزم كل وزير كبير وموظف حكومي بقراءتها.

ويتخذ "التاريخ النفسي"، وهو عبارة عن طريقة خيالية للتنبؤ بمستقبل البشرية، تقنية رياضية افتراضية إلى أقصى الحدود، لغاية درامية، لكننا نستخدم فكرته الأساسية في مهامنا اليومية الأقل أهمية، فعلى سبيل المثال، يُمكن رؤية ذلك عندما يقوم مدير متجر ما، بتقدير عدد أكياس الدقيق التي يجب وضعها على الرفوف، أو يقوم أحد المهندسين بتقييم الحجم المحتمل لغرفة الاجتماعات عند تصميم المبنى، واستوحى الكاتب شخصية سيلدون، إلى حد ما، من أدولف كويتيليت، وهو أحد أوائل العلماء الذين طبقوا الرياضيات على السلوك البشري. ووُلد كويتيليت في عام 1796 في مدينة غنت في البلدان المنخفضة، المعروفة باسم بلجيكا اليوم. وتُعد هواجس عصرنا، بوعود ومخاطر "البيانات الضخمة"، والذكاء الاصطناعي، استكمالا مباشرا لأفكار كويتيليت، لكنه لم يُطلق عليها اسم "التاريخ النفسي" بالطبع، بل سماها "الفيزياء الاجتماعية".

لقد اختُرعت الأدوات والتقنيات الأساسية للإحصاء، في العلوم الفيزيائية، وخاصة علم الفلك، ونشأت بطريقة منهجية لاستخراج المعلومات من الملاحظات الخاضعة لأخطاء لا يمكن تجنبها، ومع تطور استيعاب نظرية الاحتمال، قام عدد قليل من الرائدين في هذا المجال العلمي بتجاوز حدودها الأصلية، وأصبح علم الإحصاء جزءا أساسيا لا غنى عنه في البيولوجيا والطب والحوكمة، والعلوم الإنسانية، وحتى الفنون في بعض الأحيان، لذلك فإنه من المناسب أن الشخص (كويتيليت) الذي أشعل فتيل هذا العلم، هو عالم رياضيات أصيل تحول إلى عالم فلك، ومن ثم استسلم للعلوم الاجتماعية.

وأورث كويتيليت للأجيال اللاحقة، الإدراك بأنه على الرغم من كل تقلبات الإرادة الحرة والظروف التي يخضع لها البشر، فإنه من الممكن تنبؤ السلوك البشري إلى حد أكبر مما يُعتقد بشكل عام، ومع أن هذه العملية لا تجري بطريقة مثالية بتاتا، إلا أنها، وكما تقول المقولة الدارجة: "جيدة بما فيه الكفاية للعمل الحكومي".

لقد ترك لنا كويتيليت أيضًا، فكرتين محددتين: "الرجل العادي"، والتواجد المطلق للتوزيع الاحتمالي الطبيعي، المعروف باسم "منحنى الجرس"، وكلاهما أداتين مفيدتين فتحتا طرقًا جديدة للتفكير، ولديهما عيوب خطيرة إذا تم تناولهما بشكل حرفي، أو تطبيقهما على نطاق واسع جدا.

وحصل كويتيليت على أول دكتوراه له من جامعة "غنت" التي كانت حديثة التأسيس في ذلك الوقت، وكانت أطروحته عن القطع المخروطي، وهو موضوع افتتن به علماء الهندسة الرياضية في اليونان القديمة أيضًا، الذين صنعوا منحنيات هامة، كالقطع الناقص، والقطع المكافئ، والقطع الزائد، عن طريق تقطيع المخروط بالمستوى. وأمضى كويتيليت بضعة سنوات في تدريس الرياضيات، إلى أن دفعه انتخابه للأكاديمية الملكية لبروكسل في عام 1820، للعمل لمدة 50 عامًا على الغلاف الجوي الطبقي (الستراتوسفير) باعتباره الشخصية المركزية في العلوم البلجيكية.

وفي ذلك الوقت تقريبا، انضم كويتيليت إلى حركة لتأسيس مرصد جديد، ولم يكن يعرف الكثير عن علم الفلك، لكنه كان رائدا بالفطرة وكان يعرف طريقه حول متاهات الحكومة، وكانت خطوته الأولى هي ضمان الوعد بتمويل حكومي، ثم اتخذ التدابير اللازمة لعلاج جهله بالموضوع الذي كان المرصد يدرسه، وفي عام 1823، توجه على نفقة الحكومة، إلى باريس للدراسة مع كبار علماء الفلك والأرصاد الجوية وعلماء الرياضيات. لقد تعلم علم الفلك والأرصاد الجوية من فرانسوا أراغو وأليكسيس بوفارد، ونظرية الاحتمال من جوزيف فورييه.

وفي تلك الفترة، اعتُبر الفلكيون روادًا في استخدام نظرية الاحتمال لتحسين قياسات مدارات الكواكب على الرغم من أخطاء الملاحظة الحتمية،وأدت دراسته لهذه التقنيات من الخبراء إلى إثارة هاجس لديه، بتطبيق الاحتمالية على البيانات الإحصائية، استمر معه طوال حياته، وبحلول عام 1826، أصبح كويتيليت مراسلا إقليميا للمكتب الإحصائي للمملكة الهولندية.

التعداد السكاني

هناك رقم أساسي واحد له تأثير قوي على كل ما يحدث وسيحدث في بلد ما، وهو عدد سكانه، فإذا لم تعرف السلطة (الدولة) عدد الأشخاص الذين تحت رعايتها، فمن الصعب إجراء تخطيط، وفي حين أنه يُمكنها تخمين هذا العدد، إلا أنه قد ينتهي بها الأمر إلى إهدار الكثير من الأموال على البنية التحتية غير الضرورية، أو التقليل من شأن الطلب والتسبب بأزمة، ولا تزال جميع الأمم اليوم تتصارع مع هذه المشكلة.

إن الطريقة الطبيعية لمعرفة عدد الأشخاص الذين يعيشون في دولة ما، هي إجراء تعداد سكّاني، لكن إجراء التعداد ليس بالأمر السهل كما يبدو، فالناس في حركة تنقل دائمة، ويخفون أنفسهم لتجنب إدانتهم بارتكاب جرائم أو لتجنب دفع الضرائب، وفي عام 1829، كانت الحكومة البلجيكية تخطط لإجراء تعداد جديد وانضم كويتيليت، الذي كان يعمل على الأرقام السكانية التاريخية، إلى المشروع، وكتب أن "البيانات التي لدينا في الوقت الحالي لا يمكن اعتبارها إلا مؤقتة، وهي بحاجة إلى تصحيح".

يُعد إجراء الإحصاء الكامل عملية مُكلفة، لذا فمن المنطقي تقدير التغيرات السكانية بين التعداد والآخر، ومع ذلك، لا يمكن الاعتماد على التقديرات لفترة طويلة، وأصبح إجراء تعداد سكاني كل 10 أعوام أمرا شائعا، وحث كويتيليت الحكومة على إجراء إحصاء جديد، للحصول على خط أساس دقيق للتقديرات المستقبلية، لكنه عاد من باريس مع فكرة مثيرة للاهتمام، وهي فكرة حصل عليها من عالم الرياضيات الفرنسي الكبير بيير سيمون دي لابلاس. وفي حال نجاحها، من المتوقع أن توفر الكثير من المال على الحكومة.

كان لابلاس قد حسب تعداد سكان فرنسا من خلال ضرب رقمين معًا؛ الأول كان عدد المواليد في العام الذي يسبق العام المُراد إحصاء التعداد فيه، والذي يمكن العثور عليها من سجلات المواليد، والتي كانت دقيقة جدا، أما الرقم الآخر، فهو نسبة إجمالي عدد السكان من العدد السنوي للمواليد، أي التبادل في معدل الولادة، وبضرب عدد المواليد بنسبة السكان، نحصل على إجمالي التغير السكاني، ومع ذلك، من أجل أن تعمل المعادلة بشكل دقيق، يبدو أن الباحث بحاجة إلى معرفة إجمالي السكان للعثور على معدل الولادة. وكانت فكرة لابلاس هي أخذ العينات، إذ يمكن الحصول على تقدير معقول باستخدام طرق أخذ عينات دقيقة، تلخصت بتحديد بعض المناطق النموذجية إلى حد معقول، وإجراء إحصاء كامل في تلك المناطق، ومقارنتها بعدد المواليد في تلك المناطق . استطاع لابلاس أن يحسب أنه بإدخال معطيات نحو 30 منطقة في المعادلة، فإن ذلك سيكون كافيا لتقدير عدد سكان كل فرنسا.

لكن الحكومة البلجيكية تجنبت أخذ العينات وأجرت تعدادا كاملا، ويبدو أن كويتيليت رفض الدقة بأخذ العينات بسبب انتقادات منهجية ذكية ومستنيرة من قبل مستشار الدولة آنذاك، بارون دي كيفيربرغ، وبعد ملاحظة أن معدلات المواليد في مناطق مختلفة تعتمد على مجموعة متنوعة من العوامل المحيرة/ المربكة، خلص البارون إلى أنه سيكون من المستحيل إنشاء عينة تمثيلية، فالأخطاء سوف تتراكم، ما سيؤدي إلى استخلاص نتائج عديمة الفائدة، لكنه ارتكب خطأين بمنهجية تفكيره تلك؛ أحدهما السعي للحصول على عينة تمثيلية، بدلا من الاعتماد على عينة عشوائية، أما الخطأ الآخر فهو افتراض الحالة الأسوأ (تراكم أخطاء أخذ العينات) بدلا من الحالة النموذجية (معظم الأخطاء تلغي بعضها البعض من خلال اختلاف عشوائي)، ومن الجدير بالذكر أن لابلاس افترض أيضًا أن أفضل طريقة لأخذ عينات من السكان هي اختيار المناطق التي تُعتبر ممثلةً للكل، إلى حد ما، بشكل مسبق، واختيار مزيج مماثل من الأثرياء والفقراء، والمتعلمين وغير المتعلمين، والذكور والإناث. واليوم، غالبا ما تكون استطلاعات الرأي مصممة على هذا النحو، في محاولة للحصول على نتائج جيدة من عينات صغيرة، ومع ذلك، اكتشف علماء الإحصاء في نهاية المطاف أن عينة عشوائية كبيرة بما فيه الكفاية هي بنفس فعالية عينة تم اختيارها خصيصا لتكون ممثلة، والحصول عليها أبسط بكثير، ولكنهم حصلوا على ذلك بعد وفاة لابلاس بفترة طويلة، أما بلجيكا، فقد حاولت في ذلك الوقت، أن تعد كل سكانها.

الانهماك بالتفاصيل أدى إلى الابتكار

كان لنقد البارون دي كيفيربيرغ لخطط كويتيليت للتعداد البلجيكي لعام 1829 أثر مفيد واحد؛ فقد شجع كويتيليت على جمع كميات هائلة من البيانات وتحليلها حتى الموت، وسرعان ما تفرع كويتيليت من عد الأشخاص إلى قياس الأشخاص، وعلى مدارة ثمانية أعوام متتالية، جمع كويتيليت بيانات عن معدلات المواليد ومعدلات الوفاة والزواج، وتاريخ الحمل، والطول، والوزن، والقوة، ومعدل النمو، والثمالة، والجنون، والانتحار، والجريمة، وحقق في اختلاف هذه المعايير بين الفئة العمرية، والجنس، والمهنة، والموقع (أماكن التواجد)، والوقت من السنة، والسجن، والوجود في المستشفى، ودائما ما قارن عاملين فقط في كل مرة، مما سمح له برسم رسوم بيانية لتوضيح العلاقات الثنائية، وقد نشر استنتاجاته في كتاب عام 1835.

واستخدم كويتيليت في كلّ مرّة تطرق فيها لكتابه، مصطلح "الفيزياء الاجتماعية"، وفي عام 1869، وفي سبيل التجديد، استبدل عنوان كتابه بهذا المصطلح، فقد كان يعرف قيمة ابتكاره، فقد صنع تحليلا رياضيا لما يعنيه أن تكون إنسانا، أو على الأقل، لخصائص البشر التي يمكن قياسها كميا.

استحوذ مفهوم "الرجل العادي" الذي طرحه الكتاب، على الخيال العام، ولم يتركه أبدا، وأدرك كويتيليت جيدا، أنه لكي يكون لمفهومه أي معنى على الإطلاق، كان من الضروري أيضًا مراعاة المرأة العادية والطفل العادي، ومختلف المجموعات من هذه الحالات، ولاحظ في وقت مبكر أن بياناته المتعلقة بسمات مثل الطول أو الوزن (والتي كانت مقيدة بشكل سطحي بنوع جنس واحد وفئة عمرية واحدة) تميل إلى التجمع حول قيمة واحدة، وإذا ما قمنا برسم البيانات على شكل مخطط شريطي، فسيكون الشريط الأطول في المنتصف، بينما ينحدر الآخرون منه على كلا الجانبين. ويعرض الشكل الذي يميّز "منحنى الجرس"، المعروف بالفعل لدى علماء الرياضيات، كما أقر كويتيليت، والشكل بأكمله يبدو متماثلا تقريبًا، لذا فإن الذروة المركزية، التي تأتي في الوسط، التي تمثل القيمة الأكثر شيوعًا، هي القيمة المتوسطة أيضا، وتُظهر العديد من أنواع البيانات هذا النمط، وكان كويتيليت هو من أدرك أهميتها في العلوم الاجتماعية.

لقد وجد كويتيليت أن جميع الجداول والرسوم البيانية الموجودة جيّدة جدا، لكنه أراد الحصول على ملخص سريع، وهو ملخص ينقل النقطة الرئيسية بطريقة حية لا تنسى، لذا بدلا من أن يقول "متوسط ​​قيمة منحنى الجرس بالنسبة لارتفاع فئة من الذكور من البشر الذين تزيد أعمارهم عن 20 عامًا هو 1.74 متر"، فضل أن يستخدم الوصف التالي: "الرجل العادي (في تلك الفئة) يبلغ طوله 1.74 متر".

وهذا مكّنه من مقارنة فئة "الرجل العادي" في المجموعات البشرية المختلفة، فمثلا، كيف يُقاس جندي المشاة البلجيكي العادي، بالنسبة للفلاح الفرنسي العادي؟ هل "هو" أقصر، أم أطول، أم أخف وزنا، أم أثقل وزنا من الآخر، أم أنه يُشبهه كثيرا؟ وكيف نقارنه بالضابط العسكري الألماني العادي؟ وكيف نقارن الرجل العادي في بروكسل، بنظيره اللندني؟ وماذا عن المرأة العادية؟ أو الطفل العادي؟ أي رجل عادي من الدول المختلفة أكثر ترجيحا لأن يُصبح قاتلا أو ضحية؟ أو طبيب كرس حياته من أجل حياة الآخرين، عوضا عن ميله للانتحار وعزمه على إنهاء حياته الخاصة؟

هناك حاجة إلى رجل عادي مختلف (أو امرأة أو طفل) لكل سمة، وكما قال الباحث، ستيفن ستيجلر، في "تاريخ الإحصاء" (1986)، اعتبر كويتيليت أن "الرجل العادي كان أداة قياس لتهدئة التغيرات العشوائية في المجتمع والكشف عن الانتظامات التي كان من المفترض أن تتحول لقوانين 'الفيزياء الاجتماعية' خاصته".

"منحى الجرس" كأداة بحثية

بعد عام 1880، بدأت العلوم الاجتماعية تستفيد بشكل هائل من الإحصاءات، وخاصة "منحنى الجرس". كان فرانسيس غالتون رائدًا في تحليل البيانات في التنبؤ بالطقس، واكتشف وجود الأعاصير العكسية، وأنتج أول خريطة للطقس، نُشرت في صحيفة "ذي تايمز" عام 1875، وكان مفتونًا بالبيانات الرقمية في العالم الحقيقي والأنماط الرياضية المخبأة داخلها.

وعندما نشر تشارلز داروين، كتاب "أصل الأنواع" (1859)، بدأ غالتون دراسة علم الوراثة الإنسانية، وكيف يرتبط طول الطفل بطولي الوالدين؟ ماذا عن الوزن، أو القدرة الفكرية؟ اعتمد غالتون منحنى الجرس من كويتيليت، إذ استخدمه لفصل المجموعات المتميزة، وادعى غالتون، أنه إذا ما أظهرت البيانات ذروتين، بدلا من الذروة الواحدة في "منحنى الجرس"، فإن السكان المعنيين يجب أن يتألفوا من مجموعتين فرعيتين متميزتين، تتبع كل منهما "منحنى الجرس" الخاصة بها.

أصبح غالتون مقتنعا بأن الصفات البشرية المرغوبة تنتقل بالتوارث، وهو استنتاج من النظرية التطورية ولكنه الجزء الذي رفضه داروين. وبالنسبة لغالتون، كانت نظرية "الرجل العادي" التي ابتكرها كويتيليت ضرورة اجتماعية، واعتمد في كتابه "العبقرية المتوارثة" (1869) على الإحصائيات لدراسة توارث العبقرية والعظمة، مع ما يبدو اليوم مزيجًا غريبًا من أهداف العدالة: "يجب أن يكون لدى كل فتى فرصة لإظهار قدراته، وتمكينه، إذا كان موهوبًا للغاية، من تحقيق تعليم من الدرجة الأولى والدخول في الحياة المهنية". وتشجيع "فخر العرق".

وفي استفساراته التي ظهرت في كتاب "القدرة الإنسانية وتطورها (1883)"، صاغ غالتون مصطلح "تحسين النسل"، داعيا إلى منح المكافآت المالية لتشجيع الزواج بين العائلات ذات الرتب العالية أو الثقافة، فقد أراد أن ينمّي أشخاصا يتمتعون بقدرات متفوقة، ووصلت فكرة "تحسين النسل" لفترة رواجها الأكبر في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، لكنه سرعان ما اندثرت بسبب الانتهاكات واسعة النطاق والتعقيم القسري للمرضى العقليين، والوهم النازي بالتفوق العرقي، أما اليوم، فيعتبر "تحسين النسل" نهجا عنصريا، يُخالف اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها وميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، ومع ذلك، فإن الفكرة لم تنته تماما.

بغض النظر عن طريقة رؤيتنا لشخصية غالتون، فإنه لا يُمكن إنكار مساهمته في علم الإحصاء، فبحلول عام 1877، كان قد اخترع "تحليل الانحدار"، والذي يحسب العلاقة الأكثر احتمالا بين الكميات المختلفة، وهو ما أدى إلى مفهوم مركزي آخر في علم الإحصاء، وهو الارتباط الذي يقيم درجة العلاقة بين مجموعات البيانات، أي على سبيل المثال، المقارنة بين مستوى التدخين واحتمال الإصابة بسرطان الرئة، فقد قاس غالتون أمثلة، مثل العلاقة بين طول الساعد وطول الشخص في عام 1888، ثم قام عالم الرياضيات وعالم الإحصاء الحيوي، البريطاني، كارل بيرسون، بتحويل الفكرة إلى معادلة رياضية، وهي مُعامِل الارتباط (مُعامِل بيرسون). وكما أُشير كثيرًا، فإن العلاقة ليست سببية، لكنها غالبًا ما تكون مؤشرًا مفيدًا على السببية المحتملة.

استطلاعات الرأي

في عام 1824، أجرى آرو بنسلفينيان، استطلاعا للرأي للحصول على فكرة عما إذا كان الناخبون الأميركيون سينتخبون أندرو جاكسون، أم جون كوينسي آدمز، لمنصب رئيس الولايات المتحدة، وأظهر الاستطلاع 335 صوتا لجاكسون و16 صوتا لآدمز. فاز جاكسون في التصويت الشعبي (والانتخابي)، ومنذ ذلك الحين، جذبت الانتخابات استطلاعات الرأي، ولأسباب عملية، تمثل استطلاعات الرأي عينة صغيرة فقط من الناخبين، ويبقى السؤال الرياضي الواضح هو: كم يجب أن يكون اتساع العينة لإعطاء نتائج دقيقة؟ وهو سؤال مهم في إجراء التعدادات، والتجارب الطبية لعقار جديد والعديد من الأبحاث الأخرى.

ومنذ فترة ليست بالبعيدة، كان معظم المستطلعين يستخدمون عينات عشوائية، ويُطلعنا "قانون الأعداد الكبيرة"، الذي اكتشفه جيكوب برنولي، في عام 1684، ونُشر في ملحمته "فن التخمين" 1713، أنه إذا كانت العينة كبيرة بما يكفي، فإن متوسط قيمة تلك العينة هو بـ"التأكيد تقريبا" أقرب إلى المتوسط الحقيقي، لكن هذا لا يخبرنا كيف يجب أن يكون الحجم "الكبير بدرجة كافية"، هناك نتيجة أكثر تطورا، وهي "مبرهنة النهاية المركزية"، والتي تستخدم "منحنى الجرس" لربط متوسط العينة بالمتوسط الفعلي، وعلى الأرجح يكون ذلك صحيحا في حساب أصغر حجم للعينة أيضا.

لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة التي يتم بها إجراء العديد من الاستطلاعات. فقد عادت استطلاعات الرأي على الإنترنت، المصممة بشكل جيد، إلى نهج لابلاس. فهذه المواقع تستخدم جدول تمثيلي من الأفراد المختارين بعناية. لكن العديد من استطلاعات الرأي تسمح فقط لأي شخص يريد التصويت أن يفعل ذلك، أي أنه ليس عشوائيا ولا ممثلا. إن هذه الاستطلاعات سيئة التصميم، لأن الأشخاص الذين يتمتعون بآراء قوية هم أكثر عرضة للتصويت، والكثير من الناس لا يعرفون حتى عن استطلاع الرأي، وقد لا يكون لدى البعض اتصال بالإنترنت. ومن المحتمل أيضًا أن تكون استطلاعات الرأي عبر الهاتف منحازة لأن العديد من الأشخاص لا يجيبون على المتصلين، أو يرفضون الرد على استطلاعات الرأي عندما يُطلب منهم الإدلاء بآرائهم. وفي هذه الحقبة الزمنية التي يعصف بها الاحتيال، قد لا يشعر الأشخاص المستطلعة آرائهم بالثقة بأن الدعوة عبارة عن استطلاع رأي حقيقي. ثم أن بعض الأشخاص لا يمتلكون هاتفا. ولا يفصح بعضهم عن آرائه أو نواياه الحقيقية، فعلى سبيل المثال، قد لا يكونوا مستعدين لإخبار شخص غريب أنهم يخططون للتصويت لصالح حزب متطرف. حتى طريقة صياغة السؤال يمكن أن تؤثر على كيفية استجابة الناس.

وتستخدم المنظمات المسؤولة عن استطلاعات الرأي مجموعة متنوعة من الأساليب لمحاولة تقليل مصادر الخطأ هذه، ورغم أن العديد من هذه الأساليب رياضية، لكن العوامل النفسية والعوامل الأخرى تؤخذ في عين الاعتبار أيضا. معظمنا يعرف قصصا عن استطلاعات للرأي توصلت لنتائج خاطئة تماما، ويبدو أن ذلك يحدث في كثير من الأحيان.

يتم الاستعانة بعوامل خاصة في بعض الأحيان "لشرح" أسباب مثل التحول المفاجئ المتأخر في الرأي، أو الكذب المتعمد لجعل المعارضة تعتقد أنها ستفوز وتصبح راضية، ومع ذلك، عند إجراء الاقتراع بكفاءة، يتمتع الاقتراع بسجل أداء جيد إلى حد ما، ويوفر أداة مفيدة للحد من عدم اليقين. غالبًا ما تكون استطلاعات الرأي التي تتم بعد فترة وجيزة من إدلاء الناس بأصواتهم، دقيقة جدًا، إذ إنها تعطي النتيجة الصحيحة قبل فترة من كشف الأصوات الرسمي.

واليوم، اكتسب مصطلح "الفيزياء الاجتماعية" معنى أقل مجازية من السابق، فقد أدى التقدم السريع في تكنولوجيا المعلومات إلى ثورة "البيانات الضخمة"، إذ يمكن الحصول على كميات هائلة من المعلومات ومعالجتها، ويمكن استخراج أنماط السلوك البشري من سجلات مشتريات بطاقات الائتمان والمكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني، وأصبحت بعض الكلمات الأكثر تداولا على مواقع التواصل الاجتماعي، كـ"الديماغوغية"، خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016، بشكل مفاجئ، دلائل محتملة لقضايا سياسية خلافية.

ويتمثل التحدي الرياضي في إيجاد طرق فعالة لاستخراج أنماط ذات معنى من مجموعات من المعلومات غير المهيكلة، ويتم تطبيق العديد من الأساليب الجديدة، بما في ذلك بعض الأساليب التي نشأت في الفيزياء نفسها، على سبيل المثال، تم تكييف نظريات كيفية ارتداد جزيئات الغاز عن بعضها البعض للتنبؤ بكيفية تحرك حشود الناس في المباني أو المجمعات الكبيرة كالحدائق وغيرها، وتتمثل التحديات الاجتماعية والسياسية في ضمان عدم إساءة استخدام هذه الأساليب، ومع تزايد استخدام أساليب جديدة وقوية، قطعت الفيزياء الاجتماعية شوطًا كبيرًا منذ تساءل كويتيليت لأول مرة عن كيفية معرفة عدد الأشخاص الذين يعيشون في بلجيكا، دون عدهم واحدًا تلو الآخر.


Ian Stewart: أستاذ فخري في الرياضيات بجامعة وارويك في المملكة المتحدة.

اقرأ/ي أيضًا | ماذا تريد اليابان من الشرق الأوسط؟