لمنع "بريكست" دون اتّفاق... يجب على المحافظين "طرد" جونسون

لمنع "بريكست" دون اتّفاق... يجب على المحافظين "طرد" جونسون
بوريس جونسون (أ ب)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب 48"، بتصرُّف:


سأل بوريس جونسون، أعضاء الحزب المحافظ البريطاني فور انتخابهم له رئيسا للحزب، وبالتالي رئيسا للحكومة: "هل تبدون متوجسين؟ هل تشعرون بالريبة؟"، في سؤال استنكاري بالطبع، لكن التوتر بدا، بالفعل، على عدد غير قليل منهم، وهو شعور مبرر. تسلم رئاسة حكومة بريطانيا الآن، المحافظ، أو "التوري"* الثالث على التوالي منذ تصويت الشعب على استفتاء مغادرة الاتحاد الأوروبي (بريكست) قبل ثلاثة أعوام، ويرأس برلمانا مأزوما يأبى مساندة اتفاق الخروج المبرم مع الاتحاد الأوروبي، برغم اقتراب الموعد النهائي في 31 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل. ودخل الجنيه الإسترليني في حالة "ذبول" مستمرة في ظل احتمال انهياره في حال خرجت بريطانيادون صفقة، ويتطلب توجيه مسار هذه الفوضى لمسة سياسية بارعة للغاية. ومع ذلك، قام المحافظون بالمقامرة، واختاروا زعيمًا شعبويًا لا فكرة له عن معنى القيادي في موقع الثقة.

ويشبّه جونسون، الذي كتب سيرة وينستون شرشل، ويتوق لأن ينظر إليه الآخرين على أنه من هذا النوع من القياديين، نفسه، ببطله (تشرتشل) بمعنى أنه ورث أسوأ أزمة في بريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية. ويبشر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والخروج منه بلا صفقة على وجه الخصوص، بضرب الاقتصاد وترك البلاد معزولة دبلوماسيا في عالم تتعرض فيه مصالحها للتهديد، كما يحدث الآن معها في مضيق هرمز. تُعد هذه مخاطرة وجودية لبريطانيا، إذ إن بريكست يخيم على الروابط مع إسكتلندا وإيرلندا الشمالية أيضا.

وفي وقت يسود فيه اكتئاب عام على المستوى الوطني، يأمل حزب المحافظين أن تكون حماسة جونسون كافية "للتغلب على حبال الشك الذاتي"، كما قال مبتسما في خطاب قبوله (استلامه لرئاسة الحكومة)، ونأمل أن يكونوا محقين. لكن في الواقع، يبدو أن أسلوبه المرح ليس تشرشليا (نسية لتشرشل) جريئا بقدر ما هو محض تهور غير مدروس، فقد قدم وعودا لا يُمكنه تحقيقها حول ملف بريكست بهدف الوصول إلى منصبه الجديد.

ويعني نهجه الأحمق هذا، أنه يسير بسرعة نحو عدم التوصل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي، وبالتالي فتح مواجهة مع البرلمان، الذي يبدو أنه مصمم على منع تلك النتيجة، وعلى بريطانيا أن تستعد لإحدى الحكومات التي قد تكون الأكثر تعثرا في تاريخها الحديث، كما أنها قد تكون الأقصر أيضا.

(أ ب)

وكما كان البريطانيون العاديون ينتظرون قرار أعضاء حزب المحافظين حول من سيخلف رئيسة الحكومة السابقة، تيريزا ماي، دون أن يكون لهم رأي في ذلك، فإنهم تُركوا اليوم أيضا ليتساءلوا عن أي نسخة من جونسون سترأس حكومتهم، فهل سيكون بوريس الليبرالي الاجتماعي المؤيد للهجرة؟ أم أنه سيكون بوريس الذي انبعث من جديد ليبشر بالشكوكية الأوروبية؟، ورغم اتسامهِ بشخصية متقلبة كالحرباء، إلا أن جونسون حاكى السياسات المتشددة المتزايدة لأعضاء حزب المحافظين، وفي تعديل وزاري مثير للدهشة، عيّن يمينيين في حكومته، وهما؛ الداعمة السابقة لعقوبة الإعدام، بريتي باتل، في منصب وزيرة الداخلية، والمؤيد بشدّة لبريكست، دومينيك راب، في منصب وزيرة الخارجية، كما أن اعتقاد جونسون أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يمكن أن يوفر "حبل نجاة" لبريطانيا في تخليها عن الاتحاد الأوروبي، مَنَعَه من انتقاد الثاني، حتى عندما قلل ترامب من شأن السفير البريطاني في واشنطن. وتُعد هذه المحاولة لإرضاء ترامب بأي ثمن كان، أمرا خطيرا خصوصا في الوقت الذي يجب أن تعارض بريطانيا السياسة الأميركية تجاه إيران.

أما الموضوع الأكثر إثارة للقلق، فهو خطّة جونسون الخيالية لبريكست. لقد قضت ماي على نفسها كرئيسة للحكومة، في أعقاب تقديمها وعودا غير واقعية حول الصفقة التي ستحصل عليها بريطانيا، وهي تعهدات قضت عامين بائسين في محاولة التراجع عنها، أما جونسون فقد ارتكب الخطأ ذاته على نطاق أوسع، فقد أقسم أنه سيتخلص من "شبكة الأمان" المصممة لتجنب الحدود الفعلية مع إيرلندا، وهو ملف يصر الاتحاد الأوروبي على أنه غير قابل للتفاوض، ويقول إنه لا يجب على بريطانيا دفع فاتورة الخروج التي وافقت عليها كما أنه تعهد بالمغادرة في 31 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، بعدما قال "أفعل ذلك أو أموت". وقال إنه إذا لم يقدم الاتحاد تنازلات، فلن "يكون مكلفا البتة" على بريطانيا تركه دون أي صفقة، وبينما وجدت ماي أن الواقع صعب جدا مقارنة بالتصريحات، فإن جونسون سيواجه واقعا أكثر "وحشية" بكثير.

لا يمكن تجنب ورطة بريكست إلا باتخاذ مسلك واحد ووحيد، لكن جونسون يتميز بقدرة كبيرة على التقلب بحيث يمكن للمرء أن يتصور أن بمجرد وصوله إلى السلطة ومواجهة عواقب وعوده، فإنه سيتخلى عنها ببساطة، ويستطيع تألقه أن يساعده على إنجاز صفقة معدلة قليلا من خلال البرلمان، كما أن أوروبا مستعدة لمساعدته على ذلك، لكن فرص تقديمه تنازلات تبدو ضئيلة. وبينما حظيت ماي بعامين للتراجع عن وعودها الخيالية (وفشلت بذلك)، فإن جونسون ليس لديه سوى ثلاثة أشهر للتراجع عن تصريحاته الفضفاضة، هذا بالإضافة إلى أن الأغلبية الحاسمة للمحافظين بالبرلمان، تقف عند ثلاثة أعضاء فقط (وقد ينحدر هذا العدد لواحد فقط بعد الانتخابات الفرعية في الأسبوع المقبل)، مع وجود الكثير من المتمردين في جناحَي المؤيدين لبريكست، والرافضين له.

لذا، فإن التوصل إلى صفقة مع الاتحاد قد تعني على الأرجح، العمل مع حزب العمال من أجل تحقيقها، الأمر الذي سيكلف الحكومة بقيادة جونسون، إجراء استفتاء جديد (بحسب مطلب المعارضة)، وهذا قد يؤدي إلى نتيجة جيّدة للدولة، وهو خيار يستحق منحه الفرصة لتوضيح ما إذا كانت حزمة بريكست بمساوئها وحسناتها، تتساوى مع الصيغة الخيالية الجميلة التي سُوقت للناس عام 2016، لكن الخطوط الحمراء التي ورط فيها جونسون نفسه، قد تبقي صفقة مماثلة بعيدة المنال.

وهذا يعني أن خطورة توجه جونسون في مسار الخروج من الاتحاد دون صفقة، في تزايد مستمر، والتي سيصفها بالخطوة الشجاعة والتشرشيلية، وبعض داعمي بريكست يحذون حذوه في التبجح بأن التحذيرات من أضراره على الاقتصاد والموقع الدولي لبريطانيا والاتحاد على حد سواء، هي محض "أخبار مزيفة"، فيما يدعي آخرون أن هذه هي التكلفة "الضرورية" لتنفيذ بريكست، إلا أن الخروج دون اتفاقية لن يرقى لتحقيق هذا حتى. فستستمر المحادثات مع الاتحاد الأوروبي حول الجوانب غير المحلولة للعلاقات المتبادلة بعد الخروج، مع تغير موقع بريطانيا لأنها ستصبح خارج المعادلة فقط، وستضطر بالتالي للتفاوض على شروط أسوأ من ذي قبل.

أما بالنسبة للحفاظ على الديمقراطية البريطانية، فليس هناك تفويض لعدم وجود صفقة، وهو ما لم يكن في النشرة التمهيدية لبريكست، ولم ينادي به أي حزب في الانتخابات الأخيرة، وفي الواقع، تعارضه أغلبية البرلمان والجمهور على حد سواء، ويقول بعض مؤيدي الخروج المتشددين إنه يجب تعليق البرلمان حتى لا يتم فرض أي صفقة، باسم الديمقراطية، وهذه بشاعة تتحدث عن نفسها، ومع ذلك، لم يستبعد جونسون ذلك.

وإذا ما قرر أن يخوض مناورة متهورة كهذه، فيجب على البرلمان أن يقف في طريقه. قد يكون المسار الوحيد هو التصويت على حجب الثقة عنه، سيحتاج ذلك على الأقل إلى بعض أعضاء البرلمان المحافظين للتصويت لإسقاط حكومتهم، وهو أمر لم يحدث منذ أن ساعد حزب المحافظين المتمردين على طرد نيفيل تشامبرلين في عام 1940، وذلك قد يعني الغوص إلى أعماق انعدام اليقين لتظهر استطلاعات الرأي اليوم انقسامًا بين الأحزاب الأربعة، ما يجعل النتائج المتوقعة لأي انتخابات ناتجة عن هذا، أشبه باليانصيب.

لكن ينبغي أن يعلم المحافظون المترددون، دون أدنى شك، أنه إذا ما سُمح لجونسون بتعليق الديمقراطية لفرض بريكست دون صفقة، الذي من شأنه زعزعة الاقتصاد والمخاطرة بالاتحاد، فإن ذلك لن يكون خيانة للبلاد فحسب، بل قد تكون نهاية المحافظين، ويجب أن يكون جونسون على يقين تام أنه ما لم يتخلَّ عن الوعود الخيالية، ويتحول إلى تبني خطاب جدي بشأن القيام بصفقة، فقد ينتهي به الأمر إلى المقارنة ليس بتشرتشل، بل بتشامبرلين.


*"التوري": هو شخص يؤمن بـ"التورية" كمذهب سياسي يستند إلى الصيغة البريطانية للتقليدية والمحافظة، والتي تدعم فوقية النظام الاجتماعي الذي تطور في الثقافة البريطانية على مدار التاريخ. وتُلخص الروح "التورية" بعبارة "الله، والملكة، والدولة"، فيؤمن أتباع هذا التوجه السياسي بدعم الملكية، وكانوا تاريخيا تابعين للكنيسة الإنجليكية، وعارضوا ليبرالية "حزب الأحرار البريطاني".