العنف الفاشي وسياسات العرق والعنصرية

العنف الفاشي وسياسات العرق والعنصرية
مظاهرة ضد العنف في ولاية أوهايو (أ ب)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب 48"، بتصرُّف لمقال لناشط وكاتب يساري أميركي، وهو الأمين العام لحزب "المساواة الاشتراكية" التروتسكي، في الولايات المتحدة، جوزيف كيشوري.


اعتبرت صحيفة "نيويورك تايمز"، في عنوان العدد الذي أصدرته يوم الإثنين الماضي، بعد أيّام قليلة من جريمتي إطلاق النار الجماعيتين، اللّتين وقعتا في الولايات المتحدة، أنّ الجريمتين قد قامتا بهز "أمّة مرتبكة في الصميم"، مشدّدةً على أن المجزرتين اللتين ارتُكبتا في مدينتي إل باسو في تكساس، ودايتون في أوهايو، "كانتا كفيلتين بصدم الجمهور وإخافته".

وليس من الواضح كيف استطاع محررو "نيويورك تايمز" أن يحددوا خلال بضعة ساعات، ما هو المزاج العام لـ340 مليون شخص يعيش في الولايات المتحدة، عبر توصيفهم هذا. وفي الواقع، قد يكون هناك قدر معين من الارتباك والاضطراب بين الجمهور الأميركي، كما يحصل دوما عندما تقع أحداث مروعة مثل هذه، إلا أن هذا "الارتباك" هو أبعد من أن يكون بمثابة رد الفعل الشعبي الوحيد أو المهيمن على المناخ العام تجاه الجريمتين؛ فقد وقعت الكثير من عمليات القتل الجماعي على مدى العقدين الماضيين، مما لم يترك مجالا للحيرة بين المواطنين، بل الغضب، وقدر كبير منه. فقد سئم الناس من الإصغاء لطريقة تناول السياسيين لجرائم القتل الجماعي المروعة، بالافتراءات المعتادة، فمثلًا، ليلة الأحد، رفض الجمهور المحتشد للصلاة على أرواح الضحايا، سماع كلمة حاكم ولاية أوهايو، مايك ديوين.

عنوان رئيسي في صحيفة "نيويورك تايمز" يخفف من عنصرية ترامب (أ ب)

على أي حال، على فرض أن هناك "ارتباكًا" بين الجمهور، أي حيرة عامة تجاه أسباب المجزرتين، فإن "نيويورك تايمز" وجميع المؤسسات الإعلامية الأخرى، عملت كل ما بوسعها لتضليل العامة وتشتيت آراء المواطنين، بدلًا من الفحص الجاد للبيئة الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى تجدد العنف الفاشي، شددت "نيويورك تايمز" والمؤسسات الإعلامية الرأسمالية الأكثر نفوذًا في الولايات المتحدة، على أن السبب الرئيسي لعمليات القتل الجماعي يتمثل في انتشار واسع وعضوي للعنصرية التي تشكل عنصرًا وراثيًّا لا ينضب ويتعذر استئصاله، من الهوية "البيضاء".

وفي عنوانها الرئيسي للافتتاحية التي صدرت الإثنين، أعلنت الصحيفة أن "لدينا مشكلة إرهابية قومية بيضاء". وظهر مصطلح "القومي الأبيض" أو "القومية البيضاء" 20 مرة في مقال افتتاحي مخصص لمطالبة السلطات بشن حملة شبيهة بحملة "الحرب على الإرهاب" ضد إرهاب اليمينيين المتطرفين. ومع ذلك، لا توجد سوى إشارة عابرة وعرضية إلى الفاشية والنازية. وبالتالي، يُستبدل التفسير السياسي لسبب الجريمتين، أو هذا النوع من العنف، بتقييم عرقي.

واحتوى العدد نفسه من الصحيفة على مقال رأي بقلم ميلاني برايس، مؤلفة كتاب "الهمس العرقي: باراك أوباما والاستخدامات السياسية للعرق". تحت عنوان "العنصرية هي مشكلة الجميع"، ادعت فيه برايس أن ترامب "اختار استخدام قضايا مثل الهجرة ومعدلات الجريمة، والإحصاء الرسمي للسكان، لإثارة مخاوف عرقيّة بين البيض". مشدّدة على أنّ العلاج الحقيقي للمشكلة، يتطلب "نقاشًا صريحًا مع من يمارسون العنصرية والّذين يستفيدون من السياسات العنصرية".

وأطلقت برايس على هؤلاء "المنتفعين" من السياسيات العنصرية، اسم "البيض"، معبّرة عن أملها بأن يبدأ المرشحون للرئاسة، بمناقشة "كيف شكّل الامتياز الأبيض والعنصرية هذه الدّولة، إلى درجة من العمق تمنع بعض البيض حتى، من رؤية ما يجعلهم حاصلين على فوائد عنصرية"، ولهذا فإن "البيض" هم المستفيدون العالميون من "الامتياز البيض" والعنصرية، حتى لو أعلنوا معارضتهم للعنصرية.

العنصرية موجودة بطبيعة الحال، تمامًا كما يوجد أشخاص بيض مؤمنون بـ"الفوقية العرقية البيضاء"، لكن لا معنى لمفهومي "العرق الأبيض" أو "الأمّة البيضاء" سواء من الناحية البيولوجية أو من الناحية التاريخية. فليست هناك مصالح تُوحد جميع "الأشخاص البيض"، وهي فئة تخفي الانقسامات الطبقية الهائلة التي تميّز المجتمع الأميركي.

وفي حين أن المنظمات الفاشية لا تحظى إلّا بدعم محدود للغاية، فإن السّردية العرقيّة التي تستخدمها الصحيفة، توفر لهذا النوع من المنظمات، شرعية سياسية، وتعرضها كممثّلة حقيقيّة عن "البيض"، ويرافق ذلك الترويج لأسطورة "الامتياز الأبيض"، التي تهدف إلى تقويض الإحساس بالتضامن القائم على الطبقة.

وهذه ليست ثيمة جديدة بالنسبة للصحيفة، على الرّغم أنها تطورت بتسارع مخيف على مدار الأعوام الخمسة الماضية. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، أي قبل خمسة أيام من انتخاب ترامب لرئاسة الولايات المتحدة، كتبت المؤلفة أماندا تاوب، في الصحيفة، أن حملة ترامب هي نتاج "الأزمة في الهوية البيضاء" التي نشأت عن حقيقة أن "البيض من الطبقة العاملة"، الذين كانوا في السابق "مباركين بشكل مضاعف"، باتوا يرون الآن أن امتيازاتهم أُلغيت.

واعتمدت هيلاري كلينتون في حملتها الانتخابية لعام 2016 على سياسات الهوية العنصرية الرجعية، إلى جانب المزاعم المرتبطة بالانقسامات غير القابلة للتوفيق على غرار الجنس والتوجه الجنسي، إذ أن المزاعم حول "ثقافة الاغتصاب" السائدة بين الرجال، من الأبوية، والتي تطورت إلى حملة #MeToo، تخدم وظيفة مماثلة، فهو منظور يزدري مصالح الطبقة العاملة ككل. وكان رفض كلينتون تقديم أي توجه لمصالح الطبقة العاملة خلال انتخابات عام 2016 هو الّذي مهد الطريق لانتخاب ترامب، وبالتالي عاد عليهم التوجه العرقي بالخسارة في عام 2016، لكنه يتضاعف الآن.

اليمين هو المنشأ السياسي للغة التي تستخدمها الصحيفة، وليس اليسار. وكما علقت "وورلد سوشاليست ويب سايت"، في ذلك الوقت، على هذه الموضوع، فإن مقال تاوب "يقدم تأكيدات، متعجرفة ومتهورة، حول 'البياض'، ومعتقدات ومخاوف 'البيض'، بطريقة تشبه إلى حد كبير تفوهات ألفريد روزنبرغ، الإيديولوجي النازي، بدل من أن تشبه أيّ تقليد ديمقراطي في الولايات المتحدة".

وفي مرحلة سابقة من الليبرالية الأميركية، عبر مارتن لوثر كينغ، عن وجهات نظر متداولة على نطاق واسع عندما أشار في عام 1961 إلى أن فكرة "الاختلافات الجوهرية" بين الأعراق "ابتُدعت من قبل غرباء يسعَوْن إلى فرض الانفصال عن طريق تقسيم الأخوة لأن لون بشراتهم له ظلال مختلفة".

الأفكار لها عواقب، ويتحول الترويج لسياسة العرق، من كلا جانبي المؤسسة السياسية، في النهاية، إلى أعمال عنف علنية. وفي حال كانت "نيويورك تايمز" على حق، وأن العالم ينقسم إلى أعراق منفصلة ذات اهتمامات مختلفة وعدائية، فإن الاستنتاج المنطقي سيكون شكلًا من أشكال الانفصاليّة العنصريّة، وهو بالضبط ما يقترحه باتريك كروسيوس، مطلق النار الفاشي في إل باسو.

ويندفع الترويج للسياسة العرقية، من قبل أجندة سياسية واعية للغاية، وأُعدت نظريًا على مدار عقود، وتعود أصولها إلى المفكرين المعادين للماركسية، والمفكرين الما بعد حداثيين الذين أصروا على استبدال الطّبقة بالعرق والجنس كآليات محورية للقمع. إن إنكار الرجعيين لـ"الأسبقية الأنطولوجية للطبقة العاملة" لم يثبت خطأه من الناحية السياسية فحسب، بل إن العداوات الطبقية أصبحت أكثر حدة الآن من أي وقت مضى، بل أصبحت مركزية في أداء السياسة البرجوازية.

السياسة العرقية هي سياسة الأوليغارشية. ولا تمثل عنصرية ترامب ولا سياسة هوية لدى "نيويورك تايمز"، على حد سواء، مصالح الطبقة العاملة أيا كان العرق الذي تنتمي إليه. بل هي سياسة الطبقة الحاكمة التي تسعى، بشكل أو بآخر، إلى تقسيم العمال ضد بعضهم البعض. إن المعركة ضد الفاشية والعنصرية هي الكفاح من أجل توحيد جميع شرائح الطبقة العاملة ضد الرأسمالية. كل الجهود المبذولة لإنكار هذه الحقيقة الأساسية هي رجعية سياسية.