أزمات تسبب بها الاستعمار البريطاني؛ هونغ كونغ وكشمير نموذجًا

أزمات تسبب بها الاستعمار البريطاني؛ هونغ كونغ وكشمير نموذجًا
مسلمون كشميريون يرددون شعارات تُنادي بالحرية خلال مظاهرة بعد صلاة الجمعة (أ ب)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب 48"، بتصرُّف:


في يوم من الأيام، كانت الشمس لا تغرب أبدا بالنسبة للإمبراطورية البريطانية التي كانت دائمة التوسع والنفوذ، لكن ذلك كان في زمن مضى، إلا إرثها الاستعماري الحقير لا يزال واضحا في آسيا، حيث تشترك أزمتان راهنتان متميزتان، هونغ كونغ وكشمير، حصة مشابهة من هذا الإرث.

(pixabay)

ودخلت هونغ كونغ أسبوع المظاهرات العاشر، ويُطالب مئات آلاف المشتركين فيها، وهم القادمون من مختلف فئات المجتمع، بتوسيع نطاق الحريات الديمقراطية في مدينتهم. وفيما واجهتهم الشرطة بوحشية، أصبحت بكين اليوم تصف المظاهرات بـ"الإرهاب".

خلال احتجاجات في هونغ كونغ (أ ب)

وفي جامو وكشمير، اللتين تبعدان عن هونغ كونغ نحو أربعة آلاف كيلومتر، قامت الحكومة الهندية وبشكل مفاجئ، بإلغاء الوضع الخاص التي تمتع به المنطقة، والذي كان محميا في السابق من قِبَل الدستور الهندي، وفرضت نيو دلهي، تعتيما رقميا، وحظرا للاتصالات، في جامو وكشمير، ولا يُعرف الكثير عما يحدث في المنطقة، لكن "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي)، نشرت مقطع فيديو، السبت الماضي، وثّق استخدام السلطات الهندية للغاز المسيل للدموع، والذخيرة الحيّة، ضد المحتجين الذين انطلقوا في مظاهرة بعد صلاة الجمعة مباشرة، في سريناجار، وهي أكبر مدينة في المنطقة.

وأفادت صحيفة "نيويورك تايمز" بأن المستشفيات حُرِمت من الطواقم الطبية، وتعرض السكان المحليون للضرب بسبب "مغامراتهم" المتمثّلة بالخروج من المنازل والذهاب لشراء الحليب! ووصف أحد الأطباء الوضع، بأنه "جحيم على الأرض"، وبينما احتفل المسلمون في جميع أنحاء العالم بعيد الأضحى بداية الأسبوع الجاري، أفادت قناة "إن دي تي في" أن المساجد في سريناجار قد أغلقت، وأن الإقليم بأكمله يخضع لحظر التجول، مع وضع بعض السياسيين البارزين تحت الإقامة الجبرية.

خلال احتجاجات في كشمير (أ ب)

ويُكافح سكان كل من كشمير وهونج كونج من أجل الحصول على رغباتهم، ضد حكومتين مركزيتين عدائيتين واستبداديتين. وُيفترض أن كلا المنطقتين تحظيان باستقلال جزئي لكنهما جزء من قوتين إمبرياليتين أوسع نفوذا، يحكمهما رجلان قوميان قويان، وأصبحت فكرة الهوية الإقليمية الجامعة بمثابة لعنة فيهما، وفي الحالتين، كان الاستعمار البريطاني هو الذي مهد الطريق للصراعات التي لحقته.

وبخلاف هونغ كونغ، تحولت الهند من بلاد مُستعمَرة إلى دولة مستقلة، لكن 40 بالمئة من الهند، في المرحلة ما قبل الاستقلال، كانت تُحكم على أنها "ولاية أميرية"، وهو تدبير مُبهم يتولى حاكم محلي عبره، قيادة السلطة، في ظل مستويات مختلفة من تدخل الراج البريطاني. وكذلك كانت كشمير. وطالما أن هذه الولايات لم تتحد الحكم الإمبريالي مباشرة، فهي تُترك إلى إدارة الأجهزة المحلية إلى حد كبير.

لكن تحت حكم الهند الموحدة والمستقلة اليوم، وخاصة في ظل النزعة القومية المتفشية التي يدعمها رئيس الوزراء الحالي، ناريندارا مودي، وضعت الحكومة المركزية، التجانس الثقافي في أولوياتها، وبشكل يوازي ذلك في هونغ كونغ، حيث تعمل حكومة بكين تدريجيا، على استبدال اللغة الكنتونية المحلية والنص الثقافي التقليدي، مع التركيز على لهجة الماندرين والرموز المبسطة.

في هونغ كونغ (أ ب)

ويُعد التشديد على التجانس الثقافي، أحد الخلافات الجوهرية بين ما تفعله الحكومة المركزية اليوم، مقارنة بالنهج الإمبريالي القديم، لكن مؤلف كتاب "الهند استُعمرت: الراج البريطانية وفوضى الإمبراطورية"، جون ويلسون، يوضح أنه رغم خلاف مشروع الحوكمة، الذي تتبعه الهند اليوم، عن أيديولوجية الحكم السابقة في ظل الاستعمار البريطاني، إلا أن أدوات السلطة التي يستخدمها مودي اليوم، هي مشابهة جدا له، حيث أن "الاحتلال العسكري، والقيود المفروضة على حرية التعبير، (هذه الأدوات) التي استخدمت في أوقات مختلفة من قبل الهند تبدو وكأنها إمبريالية".

ومن الناحية الدستورية، كان من المفترض أن تكون هناك بعض الاستمرارية بين إدارتي هونغ كونغ وكشمير، في الانتقال من الحقبة الاستعمارية إلى عصر ما بعد الاستعمار، واعتُرف بأن المنطقتين متميزتان عن الدول، وأصبحتا تشكلان أجزاء منها، وُمنحتا حماية خاصة على هذا الأساس، وكان يُفترض بنظام "دولة واحدة ونظامان" أن يضمن أسلوب حياة سكان هونغ كونغ حتى عام 2047.

وفي جامو وكشمير، كانت الحماية القانونية أكثر قّوة ومتانة، فقد نُصّ عليها في الدستور الهندي، فالمادة 370، نصت على أن كشمير تُسيطر على شؤونها الخاصة، باستثناء السياسة الخارجية والأمنية والاتصالات، كما تحظر المادة 35A على الغرباء شراء الأراضي.

في كشمير (أ ب)

وقال ويلسون في كتابه استنادًا للمادة 370، يمكن القول إن كشمير تتمتع باستقلالية أكبر من أي جزء من الهند. لقد منحت كشمير مزيدًا من الحكم الذاتي على شؤونها على أساس إقليمي"، لكن مودي ألغى المادتين الأسبوع الماضي، موفيا وعده الانتخابي بأن يُبطل الوضع الخاص لكشمير، الذي زعم أنه أعاق اندماج المنطقة مع بقية الهند.

وفي هونغ كونغ، لم تقم بكين بإلغاء "دولة واحدة ونظامان" بشكل صريح حتى الآن، لكن الأحداث الأخيرة أوضحت أن السعي لاندماج المدينة السريع في الصين يمثل أولوية للحزب الشيوعي الصيني، والاتفاقات التي أبرمتها الإمبراطورية البريطانية مع المناطق المختلفة في آسيا، والتي تصب في منحها نوعا من الإدارة لأنفسها؛ باتت غير مقبولة على القادة الذين ورثوا هذه الغنائم الإمبراطورية، فهم يهدفون إلى السيطرة الكاملة.

وبخلاف كشمير، لم تكن هناك إراقة للدماء في عملية تسليم هونغ كونغ للصين، لكن كثيرين تمكنوا من رؤية المفارقة في تحرير المدينة من الإمبريالية البريطانية التي استمرت لسنوات طويلة، بهدف تسليمها لقائد غير ودود وغير قابل للمساءلة. استذكر كريس باتن، آخر حاكم لهونغ كونغ قبل انتهاء السيطرة البريطانية عليها، قيامه بزيارة مؤسسة للأمراض العقلية قبل فترة وجيزة من عملية التسليم. سأله أحد المرضى: "أنت تخبرنا دائمًا أن بريطانيا هي أقدم ديمقراطية في العالم، فهل يمكنك أن تشرح لي لماذا تقوم بتسليم هونغ كونغ لآخر نظام شمولي كبير دون أن تسأل رأي سكان هونغ كونغ؟ وأكد باتن أن "هذا كان أكثر سؤال عقلاني يُسأل في هونغ كونغ".