بريكست حصل.. الآن وقت تداعياته

بريكست حصل.. الآن وقت تداعياته
توضيحية (Pixabay)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال الكاتب لوك ريدر، وهو مؤرخ وأستاذ مساعد في قسم التاريخ في جامعة كيس وسترن ريسرف الأميركية. ويُذكر أن المقال كُتب قبل تنفيذ بريكست، وهو تحليل لما بعد خروج بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي.


تُغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي، إذًا فالأمر قد انتهى أليس كذلك؟ لا. واقتباسا من كلمات رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، وينستون تشرتشل، والذي يبدو أن جميع داعمي بريكست البارزين يريدون اتباع خطاه: "هذه ليست النهاية. إنها لا تصل حتى إلى بداية النهاية، لكنها قد تكون نهاية البداية".

ورغم أن بريطانيا ستغادر الاتحاد الأوروبي رسميًا، في 31 كانون الثاني/ يناير الجاري، إلا أنّه لن تتغيّر أمور كثيرة حتى نهاية العام الحالي. فستستمر بريطانيا بالالتزام بالحريات الأربع للسوق المشتركة الخالية من الرسوم الجمركية، وهي حرية حركة البضائع، والخدمات، ورأس المال، والناس، كما أنها ستخضع للأحكام الصادرة عن محكمة العدل الأوروبية. والمراد من هذه الفترة الانتقالية، هو منح بريطانيا والاتحاد الوقت الكافي لإعادة ترتيب علاقتهما ما بعد بريكست.

ويرغب الاتحاد الأوروبي، بتمديد الفترة الانتقالية حتى عام 2022، من أجل ضمان صفقة تجارية شاملة. لكن رئيس الوزراء بوريس جونسون، تعهد بإنهاء المفاوضات قبل حلول عيد الميلاد في كانون الأول/ ديسمبر المقبل.

كمؤرخ يدرس تأثير بريكست على المجتمع البريطاني وثقافته، من الواضح بالنسبة لي، أن جونسون والبلاد يواجهان مشكلتين. الأولى، تكمن في أن أنصار بريكست يريدون تنفيذه بسرعة، أما الثانية، فهي أن هؤلاء يضعون أمامهم أهدافًا مختلفة ومتضاربة أحيانًا، يريدون أن يحققها لهم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

صيغ مختلفة للمستقبل الاقتصادي

يأمل النقاد البريطانيون الذين يعتقدون أن الاتحاد الأوروبي ينظم الشركات في البلاد، بأكثر ما ينبغي، أن ينقل بريكست دولتهم إلى اقتصاد مزدهر، ومغامر، ومحرر من القيود التنظيمية، ومنخفض الضريبة، وحر للجميع، يطلقون عليه اسم "بريطانيا العالمية".

فيما يرغب داعمون آخرون لبريكست، الذين لطالما شعروا بالقلق من أن بريطانيا استغنت عن سيادتها لصالح لاتحاد الأوروبي، بإعادة تثبيت سياسة البلاد تجاه المهاجرين، ووقف الأحكام الصادرة عن محكمة العدل الأوروبية التي تضع قانون الاتحاد الأوروبي فوق القانون البريطاني.

أما أبناء الطبقة العمالية البيض الداعمين لبريكست، وخصوصًا أولئك الذين اعتادوا التصويت لحزب العمال اليسار مركز، في الماضي، فلديهم توقعات مختلفة. فهم يأملون عودة اقتصاد الأجور المرتفعة المدفوع بالتصدير، كالذي شهدته البلاد في الفترة ما بين عام 1945 وعام 1979، بدعم من الصناعات المؤممة والإعانات الحكومية للمشروعات الخاصة، والتي عززت العمالة الكاملة ودولة الرفاه الشاملة.

وفي انتخابات كانون الأول/ ديسمبر 2019، العامة، التقى هؤلاء المصوتون على منح حزب المحافظين اليمين مركز، 80 مقعدًا إضافيًا في البرلمان (كان يحصل عليها العمال تقليديًا).

لكن هذا التحالف الانتخابي لم يكن عمليًا، فهو لا يعكس إلا كيف تحدد آراء الناخبين حول بريكست، أنماط تصويتهم.

وفي عام 2019، دعمت أغلبية بسيطة من الناخبين البريطانيين الأحزاب التي أرادت منع بريكست أو الحفاظ على علاقة وثيقة مع الاتحاد. وتقاسم حزب العمال، والحزب الوطني الأسكتلندي، وحزب الخضر، وحزب الديمقراطيين الليبراليين، هذه الأصوات.

لكن الناخبين الذين أرادوا خروج بلادهم من الاتحاد، لم يكن هناك أمامهم سوى خيار التصويت للمحافظين، بغض النظر عن طريقة التصويت، التي اعتادوا عليها في السابق.

وجهات نظر متضاربة حول الاتحاد الأوروبي

لقد حاولت الحكومة البريطانية، موازنة المصالح المتنافسة في ائتلافها الانتخابي. وقدم الوزراء وعودًا، بدفع سياسيات يمكنها أن تجذب ناخبي حزب العمال السابقين، الذين صوتوا العام الماضي إلى المحافظين، مثل ضح المزيد من الأموال في خدمة الصحة الوطنية، والاستثمار في المناطق الصناعية الآخذة بالتدهور.

لكن إن كانت هذه خطة المحافظين لاجتذاب ناخبي حزب العمال السابقين، فإنه يبدو أن ما من أحد أطلع وزير الخزانة في الحكومة الحالية، ساجيد جافيد، عليها، فقد صرح مؤخرا أنه يتعين على بريطانيا الابتعاد عن "المتطلبات التنظيمية" للاتحاد الأوروبي المصممة لمعالجة المخاوف المتعلقة بالصحة، والسلامة، والبيئة. الخطوة التي قد تدفع الاتحاد إلى الرد بإخراج المنتجات البريطانية من أسواقها، مما يعظم احتمال حدوث أضرار اقتصادية كارثية من بريكست، على بريطانيا. الأمر الذي سيصعّب على الحكومة توليد الإيرادات لدعم وعود الإنفاق.

قوة التوازن

تعكس المصاعب التي تواجهها بريطانيا، الطريقة التي عرضت بها الأصوات المؤيدة لبريكست، في الحكومة والإعلام، العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، للناخبين.

كانت السياسة البريطانية التقليدية تجاه أوروبا، تنصب بهدف واحد وواضح، ويتلخص منع أي قوّة من السيطرة على القارة. ورغم الاختلافات الحقيقية حول نتائج الانسحاب من الاتحاد، فإن مؤيدي بريكست، يرون الاتحاد الأوروبي عموما قوة منفردة تهيمن على القارة، مما يهدد مصالح بريطانيا وسيادتها.

وينتج عن هذا التحليل قراءة خاطئة للتاريخ، حيث أنه يقدم بريطانيا على أنها منفصلة عن أوروبا. لكن الواقع يظهر أن بريطانيا لطالما انخرطت في الشؤون الأوروبية، ولو كان ذلك بهدف تشكيل القارة حسب رغباتها.

وعلى سبيل المثال، في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كان الاقتصاد البريطاني ينمو بسرعة، بعكس اقتصادات الأوروبية المتعثرة. وادعت إدارة رئيسة الوزراء حينها، مارغريت تاتشر، أن تجارب بلدها في إلغاء القيود المالية وخصخصة الصناعات المؤممة، هو ما ميّز اقتصادها عن دول أوروبا الأخرى.

وحثت بريطانيا جيرانها الأوروبيين على اتباع مثل هذه السياسات، الأمر الذي أفضى إلى تأسيس السوق الموحدة الأوروبية، الخالية من الرسوم الجمركية، عام 1993.

واستفادت بريطانيا من هذه السوق. وحاليا، تتماثل صادرات السلع والخدمات للاتحاد الأوروبي، نحو 45% من نظيرتها البريطانية. وتبيع بريطانيا إلى في الأسواق الأوروبية ما يعادل 350 مليار دولار من الأغذية والأدوية والمركبات والخدمات المالية وغيرها من المنتجات على مدار سنوي.

لكن، وبشكل متناقض، قد يترك بريكست بريطانيا مقيدة في مأزقها الذي تخشاه منذ زمن طويل؛ وهو الارتهان إلى قوّة أكبر.

وما أن تخرج من الاتحاد الأوروبي، وبغض النظر عن مدى قرب بريطانيا من سوقه الموحدة، فإن تأثيرها سيتلاشى. ومن أجل التجارة، سيتعين على بريطانيا قبول قواعد الاتحاد الأوروبي، ولكن لن يكون لها دور في إرساء هذه القواعد. وإذا ابتعدت عن لوائح ومعايير الاتحاد الأوروبي، فإنها تغلق نفسها عن الأسواق الأوروبية.

فرص جديدة؟

يزعم أحد مهندسي بريكست، أن تجديد الروابط مع الإمبراطورية البريطانية السابقة، وخاصة الهند وما يسمى بدول الـ"أنجلوسفير"، والذي يشمل أستراليا وكندا ونيوزيلندا، يمكن أن يعوض خسارة أسواق الاتحاد الأوروبي.

وتعتمد هذه الفكرة على مشاعر راسخة وعميقة لدى البريطانيين، من الفخر والحنين للإمبريالية. لكن لسوء حظ الحكومة البريطانية، فإنه ليس شعورًا متبادلًا مع أولئك الذين يعيشون في مستعمراتها السابقة.

لقد تعثرت المحادثات الأخيرة مع أستراليا بسبب المطالب البريطانية لحرية تنقل الأشخاص بين البلدين. فتشعر الحكومة الأسترالية بالقلق من أن تؤدي مثل هذه الاتفاقية، إلى محاولة بريطانية لسلب العمال المهرة، وخاصة الأطباء والممرضين الذين يمكنهم تشغيل الخدمة الصحية الوطنية التي تعاني من نقص دائم في الموظفين.

أما كندا، فتحظى بالفعل، بسوق كبيرة غنية على عتبة أبوابها، وهي الولايات المتحدة.

ومن جانبها، أوضحت الهند أنه على أي صفقة تجارية مقبلة، أن تكون مصحوبة بتقليل القيود البريطانية المفروضة على الهجرة. وهناك ما يبرر مسعى الدول الأخرى، في إحباط خطط "بريطانيا العالمية"، عند أخذ الفظائع الإمبريالية التي ارتُكبت في بلدانهم، بعين الحسبان.

ولا تعتبر هذه الأسواق مربحة بشكل خاص. ويبلغ الحجم الكلي لاقتصادات أستراليا وكندا ونيوزيلندا، نحو 3.3 تريليون دولار. أي بما يتخطى الناتج المحلي الإجمالي البريطاني السنوي بـ500 مليار دولار. فيما يتماثل حجم الاقتصاد الهندي مع نظيره البريطاني. وفي المقابل، فإن الاتحاد الأوروبي يولد 18.7 تريليون دولار من نشاطه الاقتصادي سنويا.

ولا شيء مما ذُكر أعلاه يدعي أنه لا يُمكن لبريكست أن يكون نجاحا بالنسبة لبريطانيا. لكن البلاد في مأزق "جيوسياسي". إنها تعيد تأكيد نفسها كدولة قومية في اللحظة التي يعيد فيها العالم تنظيم نفسه إلى تحالفات قوية، وكتل تجارية متعددة الجنسيات.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ