المكسيك تتحدى النيولبرالية

المكسيك تتحدى النيولبرالية
مقطع حدودي بين أميركا والمكسيك (pixabay)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال الكاتبة إيلين براون وهي محامية ورئيس معهد "ببليك بانكينغ" (الخدمات المصرفية العامة)، ومؤلفة 13 كتابا من بينها "مصرف للناس: دمقرطة المال في العصر الرقمي".


في الوقت الذي يكافح فيه المرافعون الأميركيون، والسياسيون المحليون، لقوننة أولى بنوكهم العامة، بدأ الرئيس المكسيكي الجديد في بناء 2700 فرع لبنك مملوك للحكومة، من المتوقع أن ينتهي إنشاؤها في عام 2021، لتحوله إلى أكبر مصرف في البلاد. إذ قال في مؤتمر صحافي عقده في السادس من كانون الثاني/ يناير، إن النموذج النيوليبرالي باء بالفشل؛ فالبنوك الخاصة لم تخدم الفقراء والأشخاص خارج المدن، لذلك كان على الحكومة التدخل.

ويُقارَن الرئيس أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، والملقب اختصارا بـ"آلمو"، عادة، بزعيم المعارضة اليسارية البريطانية، جيرمي كوربين، مع اختلاف جوهري بينهما، وهو أن "آلمو" بات في السلطة، فقد فاز ائتلافه اليساري بأغلبية ساحقة في الانتخابات العامة المكسيكية عام 2018، متغلبا على "الحزب الثوري المؤسساتي" الذي حكم البلاد معظم أعوام القرن الفائت. ومهدت الانتخابات التي انتُخب فيها "آلمو"، والتي أُطلق عليها وصف "أول تجربة يسارية كاملة في المكسيك"، لتحول هائل في المنحى السياسي للبلاد.

آلمو (أ ب)

وكتب "آلمو" في كتابه الصادر عام 2018 تحت عنوان "أمل جديد للمكسيك": "في المكسيك، تشكل الطبقة الحاكمة عصابة من اللصوص... ولن تصبح المكسيك قوية إذا استمرت مؤسساتنا العامة في خدمة النخب الغنية".

ونجح الرئيس الجديد حتى الآن، بتحقيق وعود حملته الانتخابية، ففي 2019، وهو العام الأول من حكمه، فعل ما تعهد به نظيره الأميركي دونالد ترامب (لشعبه)، وهو "تجفيف المستنقع"، إذ طهّر حكومة التكنوقراط والمؤسسات التي اعتبرها فاسدة أو متهتكة، أو مساهمة في إعاقة تطوير المكسيك بعد 36 عاما من اتباع سياسات نيولبرالية فاشلة منكبة على السوق فقط. وشملت الإنجازات الأخرى رفع حقيقي للحد الأدنى من الأجور مع خفض الرواتب الحكومية المرتفعة وتقليص الرواتب التقاعدية بالغة الكبر؛ وتقديم قروض صغيرة ومنح مباشرة للمزارعين؛ وضمان أسعار المحاصيل للمحاصيل الزراعية الرئيسية؛ وإطلاق برامج لإعانة الشباب وذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين؛ وبدء خطة ترميم للبنية التحتية بقيمة 44 مليار دولار. وبسحب ما يقوله لوبيز أوبرادور، فإنه يهدف إلى بناء "نموذج جديد" في السياسة الاقتصادية التي تعمل على تحسين رفاهية الإنسان، وليس تلك التي لا تهتم إلا بزيادة الناتج المحلي الإجمالي.

نهاية العصر النيوليبرالي

ولكي يفي "آلمو" بوعده المطروح في ما سبق، قام في تموز/ يوليو الماضي، بتحويل بنك التوفير الفدرالي المملوك للقطاع العام، "بانسيفي"، إلى "بنك الفقراء" (أو "بنك الرفاه")، وقال في السادس من كانون الثاني/ يناير، إن العصر النيوليبرالي قضى على جميع المصارف المملوكة من قبل الدولة، ما عدا هذا البنك الذي حصل على موافقة لتوسيعه، وإضافة 2700 فرع له، ستُضاف إلى 538 فرعا، كان يعمل في الصيغة القديمة من البنك، ليملك "بنك الفقراء" بذلك، 3238 فرعا في غضون عامين، متخطيا بذلك عدد الفروع لدى أي مصرف في البلاد.

وستُطور الخدمات المصرفية الإلكترونية أيضا، فقد قال "آلمو"، في مؤتمر لمجموعة محلية في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، إن هدفه أن يبلغ عدد فروع "بنك الفقراء"، 13 ألف فرع، أي أكثر من عدد جميع فروع البنوك الخاصة في البلاد، مجتمعة.

وفي مؤتمر صحافي عقده في الثامن من كانون الثاني/ يناير الماضي، شرح "آلمو" الحاجة لهذا البنك الجديد على النحو التالي:

"تفتقر أكثر من ألف بلدية لفروع بنكية. ونحن (الدولة) نوزع الموارد (الرفاهية) ولكن ليس لدينا طريقة للقيام بذلك... ويضطر الناس للسفر إلى الفروع التي تبعد ساعتين وثلاث ساعات عنهم. إذا لم نقم بجعل هذه الخدمات قريبة من الناس، فلن نجلب التنمية لهم... والفروع قيد البناء، سأدعوكم في غضون شهرين، أو ثلاثة على الأكثر، إلى افتتاح الفروع الأولى لأنها باتت تعمل بالفعل... لأنه يتعين علينا القيام بذلك بسرعة".

(pixabay) توضيحيّة

وقال الرئيس إن 10 المليارات من البيزو (أي ما يعادل 530.4 مليون دولار) اللازمة لبناء فروع جديدة ستأتي من المدخرات الحكومية؛ وقد تم بالفعل تحويل 5 مليارات إلى "بنك الفقراء"، والذي سيحول الأموال إلى سكرتارية الدفاع، والتي تقع مسؤولية بناء الفروع الجديدة على عاتق مهندسيها. وسُيستخدم الجيش أيضا، لنقل الأموال النقدية المخصصة لمدفوعات الرفاه الاجتماعي، إلى الفروع. وأضاف "آلمو" في المؤتمر، الجيش يساعدني، ويدعمني، ولقد تصرف جيدا ولم يتراجع مطلقا. ودائما ما يقولون (مسؤولوه) لي، 'نعم، يمكنك ذلك، نعم نحن نفعل، انطلق'".

أما بالنسبة للمخاوف من احتمال أن يقوم البنك المملوك للحكومة بسحب الودائع من البنوك التجارية، والتنافس معها بطرق أخرى، مثل تقديم قروض معفاة من الفائدة للشركات الصغيرة، فقد قال "آلمو" ما يلي:

"ليس هناك ما يدعو للقلق من بنائنا لهذه الفروع... فللمصارف الخاصة الراغبة ببناء فروع (جديدة)، الحق الكامل في التوجه للبلدات وبناء فروعها فيها، ولكن لأنها لن تفعل ذلك انطلاقا من إيمانها بأن ذلك ليس مفيدا لأعمالها، تقع علينا مسؤولية فعل ذلك... هذه مسؤوليتنا الاجتماعية، ولا يمكن للدولة أن تتنصل من مسؤوليتها الاجتماعية".

مشاكل مع البنك المركزي

في حين أن البنك الجديد حصل على موافقة السلطة التشريعية، إلا أنه بإمكان البنك المركزي في المكسيك، أن يمنع عمله في حال وجد فيه خرقا للوائح البنوك. وقال الموظف في شركة المحاسبة الدولية "كي بي إم جي"، ريكاردو دلفين، لصحيفة "لا رازون" المحلية، إنه إذا ما جاءت الأموال المخصصة لتمويل البنك، على شكل قرض من الحكومة الفدرالية، وليس من رأس المال الخاص، فستؤثر سلبًا على "معدل الرسملة" للبنك. لكن "آلمو" يؤكد أن البنك سيموّل ذاته. وأن التمويل المخصص لبناء الفروع سيأتي من المدخرات الفيدرالية من برامج أخرى، وستُغطى نفقات تشغيل البنك من خلال عمولات صغيرة يدفعها زبائن البنك عن كل معاملة يقومون بها، ومعظمهم من متلقي الرعاية الاجتماعية. وستُبنى الفروع على أراض تملكها الحكومة أو أخرى مُتبرع بها، كما وعرضت شركات البرمجيات تقديم المشورة مجانا.

وبما يتعلق في البنك المركزي، قال "آلمو": سنتحدث مع الأشخاص من بنك المكسيك محافظين على استقلاليته. وعلينا أن نثقفهم حول هذه الخطوة، لأنها بالنسبة لهم، بمثابة مفارقة تاريخية، بل انتهاك محرّم أيضا، لأن أفكارهم مختلفة. لكننا وصلنا إلى هنا (الحكومة) بعدما قلنا للناس أننا سنغيّر السياسات الاقتصادية النيولبرالية... ليس من المفترض أن تكون هناك عقبات أمامنا. كيف لبنك المكسيك أن يمنعنا من إنشاء فروع مصارف لتوزيع الموارد في ما يصب بمصلحة الناس؟ ما الضرر الذي سيسببه هذا؟ ومن سيؤذي؟".

لقد تعهد "آلمو" في عدّة مناسبات، بألا يتدخل بأعمال البنك المركزي الذي حافظ على استقلاليته على مدار ربع القرن الماضي. ولكنه قال أيضا إنه يريد توسيع صلاحياته من مجرد الحفاظ على قيمة البيزو عبر مكافحة التضخم، لتشمل تعزيز النمو أيضا. لكن هناك قلق بحسب صحيفة "ذي فايننشال تايمز"، من أن يستخدم الرئيس المكسيكي البنك المركزي لتمويل مشاريع حكومية، على خطى الرئيسة الأرجنتينية السابقة كريستينا فرنانديز دي كيرشنر، والتي "أدت سياساتها غير التقليدية إلى ارتفاع التضخم، وأزمة البلاد الحالية، بحسب ما يعتقده الكثير من الاقتصاديين" (مُقتبس عن الصحيفة).

البنك المركزي في المكسيك (أ ف ب)

لكن مارك فايسبروت يقول في المقابل، في مقال نشره بصحيفة "نيويورك تايمز"، إن مشاكل الأرجنتين الحالية، سببتها الديون الخارجية الهائلة، وليس طباعة الأموال بهدف تمويل التطوير المحلي. وفي الحقيقة، فإن التضخم المفرط حدث في عهد الرئيس الذي خلف دي كيشنر، وهو موريسيو ماكري، والذي وصل إلى السلطة عام 2015. ومنذ ذلك الحين، ارتفع الدين العام من 53% إلى أكثر من 86% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفع التضخم من 18% إلى 54%، وارتفعت أسعار الفائدة قصيرة الأجل إلى 75%، وازدادت معدلات الفقر من 27% إلى 40%.

وفي انتخابات مضطربة في آب/ أغسطس الماضي، أعادت الجماهير الأرجنتينية الغاضبة انتخاب فرنانديز دي كيرشنر نائبة للرئيس ألبيرتو فرنانديز، والذي شغل في السابق منصب رئيس مجلس الوزراء في فترتها الرئاسية، ليُستعاد إرث عائلة كيرشنر الذي دام 12 عاما والذي بدأه زوجها نيستور كيرشنر في عام 2003، ويعتبرها فايسبروت من بين أكثر الفترات الرئاسية نجاحًا في نصف الكرة الغربي.

لكن النموذج الأكثر ملاءمة من الأرجنتين، لما يمكن تحقيقه من قبل حكومة تعمل في شراكة مع بنكها المركزي، هو اليابان، حيث مول رئيس الوزراء شينزو آبي برامج التحفيز الاقتصادي من خلال بيع السندات الحكومية مباشرة إلى بنك اليابان. ويمتلك بنك اليابان الآن نحو 50% من ديون الحكومة، ومع ذلك يظل تضخم أسعار المستهلك منخفضًا، بل في انخفاض إلى حد لا يستطيع بنك اليابان رفع الرقم حتى يصل إلى هدفه البالغ 2%.

إمكانيات تمويل أخرى

من غير المرجح أن يسعى "آلمو" للحصول على التمويل من البنك المركزي، خصوصا أنه تعهد بأنه لن يتدخل بأعماله؛ لكن المحللين يقولون إنه يحتاج إلى تقديم نوع من أنواع التحفيز الاقتصادي، لأن الناتج المحلي الإجمالي للمكسيك انخفض بشدة في العام الماضي. وانتقد الرئيس المكسيكي اعتبار الناتج المحلي الإجمالي المعيار النهائي لمدى قوة اقتصاد البلاد، داعيا بدلا من ذلك إلى تبني نموذج للتنمية يتضمن توزيع الثروة وإتاحة التعليم والصحة والإسكان والثقافة، في قياساته لاقتصاد البلاد.

لكن وكما حذر كورت هاكبارث في مجلة "جيكوبن" في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، فإن "تطبيق برنامجه بالكامل دون القيام بسلب بنود أخرى لتسديد ثمنه، يتطلب القيام بشيء استبعده "آلمو" حتى الآن بشكل قاطع؛ وهو رفع الضرائب على الأثرياء والشركات والكبيرة الذين، وبشكل غير مفاجئ، يُعتبرون اللصوص المطلقين في نظام المكسيك المالي المزيف".

لكن "آلمو" تعهد أيضا بعدم رفع الضرائب على الأثرياء. بدلاً من ذلك، جند ملوك الأعمال التجارية في المكسيك، للاستثمار في الشراكات بين القطاعين العام والخاص، مما سمح له بتجنب "مصيدة السيولة" التي أطاحت بالأرجنتين والمكسيك نفسها في أعوام سابقة، عندما تورط البلدان في ديون للمستثمرين الأجانب وصندوق النقد الدولي. ويبدو أنه يسر أقطاب الأعمال التجارية في المكسيك، الاستثمار في البلاد، على الرغم من بعض الانخفاض في الناتج المحلي الإجمالي.

(أ ف ب)

وكما أشار أغنى رجل في المكسيك، كارلوس سليم، في وقت سابق، إلى أن "الدين لم يرتفع، ولا يوجد عجز مالي، وتراجع التضخم"، ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، أعلنت سكرتارية الاقتصاد (وزارة الاقتصاد)، ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 7.8% في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الذي سبقه، 2018، لتبلغ بذلك ثاني أعلى درجة تصل إليها في تاريخ المكسيك؛ وفي نهاية العام الماضي، ارتفع البيسو بنحو 4%، كما صعدت الأسهم بـ4.5%، وانخفض التضخم من 4.8% إلى 3%.

إن الشراكة مع عمالقة الأعمال التجارية، أمر مفيد سياسيا، لكن الشراكات بين القطاعين العام والخاص يمكن أن تكون مكلفة؛ وكما يوضح البروفيسور البريطاني ريتشارد فيرنر، فإن استغلال المستثمرين من القطاع الخاص، بالكاد يعيد تداول الأموال الموجودة في الاقتصاد. ومن الأفضل الاقتراض مباشرة من البنوك، التي تخلق أموالا بنكية جديدة عندما تقوم بعملية الإقراض، كما يؤكد بنك إنجلترا. ومن ثم تنتشر هذه الأموال الجديدة في الاقتصاد، محفزة الإنتاجية.

واليوم، تُعد الصين المثال الأبرز لمثل هذا التوجه، إذ أنها تمول البنية التحتية عن طريق الاقتراض من بنوكها المملوكة للدولة. ومثل جميع المصارف، تقوم هذه البنوك بخلق قروض كائتمان بنكي في دفاترهم، والتي يتم سدادها بعد ذلك بعائدات المشاريع التي تم إنشاؤها باستخدام القروض. وليست هناك حاجة للاعتماد من البنك المركزي أو المستثمرين الأثرياء أو القاعدة الضريبية. فيمكن للمصارف الحكومية أن تصنع أموالاً في دفاترها مثلما تفعل البنوك المركزية والبنوك الخاصة.

أما بالنسبة للمكسيك، فإن استخدام بنوكها العامة بنموذج مشابه لذلك الذي تتبعه الصين، سيكون أمرا مستقبليا على الأرجح، هذا في حال استطاعت أن تفعل ذلك. أما في الوقت الحالي، يُعد "آلمو" رائدا في إظهار كيف يمكن إنشاء نظام مصرفي وطني عام، بسرعة وكفاءة عاليتين. ويبدو أن المفتاح إلى ذلك، يكمن فقط في الإرادة السياسية، إلى جانب الدعم الهائل من الجمهور والسلطة التشريعية وقادة الأعمال المحليين والجيش.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ