أمل الشعب السّلفادوريّ بالتغيير أوصل استبداديًّا للسُّلطة

أمل الشعب السّلفادوريّ بالتغيير أوصل استبداديًّا للسُّلطة
في أحد السجون السلفادورية (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال المراسلة في صحيفة "نيويورك تايمز"، نتالي كترويف.


كان انتخاب السلفادوريين لنجيب أبو كيلة (ناييب بوكيلي) لرئاسة بلادهم، العام الماضي، أشبه بالمقامرة، فقد كان هذا الشاب الثلاثيني خارج طرَفي الطيف السياسي للبلاد، وأدار معظم حملته الانتخابية باعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يقدّم ولم يعرض تفاصيل ملموسة ومحددة للطريقة التي ينوي أن يحكم بها البلاد.

ومع ذلك، أوصله الناخبون إلى المكتب الرئاسي على أمل التغيير الذي قد يُحدثُه لتحسين حياة الناس في دولة لطالما عانت من الفساد، والفقر وأحد أعلى معدلات جرائم القتل في العالم.

ولكن الخطوات التي اتخذها بوكيلي على مدار الأشهر الماضية، بثت الخوف في نفوس الكثير من المحامين، وأصحاب الشركات، ومناصري حقوق الإنسان، والصحافيين وغيرهم من المواطنين في البلاد، من أن الرئيس الجديد يتّجه اليوم نحو قيادة استبدادية أشبه بتلك التي خاضت البلاد حربا أهلية للقضاء عليها، ففي شباط/ فبراير الماضي، أرسل بوكيلي جنودا إلى الكونغرس لترهيب المشرعين لدفع مشروع قانون. وفي الشهر التالي، تجاهل الرئيس أوامر المحكمة العليا بالتوقف عن استخدام الجيش لاحتجاز منتهكي الحجر الصحي المفروض كإجراء احترازي ضد وباء فيروس كورونا. وفي وقت لاحق، دعا إلى استخدام القوة المميتة في حملة أمنية ضد العصابات الإجرامية والتي من شأنها أن ترفع معدل القتل في البلاد.

وقال الأب لويس كوتو، وهو كاهن كاثوليكي يقود أبرشيّةً تضم 15 ألف شخص في وسط البلاد: "يعتمد الرئيس بشكل أكبر على الجيش والشرطة، وعادت هذه القوات لتلعب دورا قمعيا مرة أخرى. نحن نخطو خطوة إلى الوراء في تراجع نحو زمن الحرب".

واكتسح بوكيلي (38 عاما) بانتخابه، الحزبين السياسيين الرئيسيين اللذين تناوبا على السلطة منذ انتهاء الحرب الأهلية الوحشية في السلفادور، في تسعينيات القرن الماضي، وأزاحهما جانبا. وعندما أعلن نصره مرتديا بنطال "جينز" ومعطفًا جلديًا، قال بوكيلي إن البلاد "طوت صفحة" مرحلة ما بعد الحرب.

ويواصل غالبية سكان البلاد الذين أنهكهم العنف، دعم بوكيلي الذي يحظى بشعبية ورضى هائلين. ورفض مكتب بوكيلي التعليق على هذا المقال. لكن أفعاله الأخيرة هزت ديمقراطية البلاد الهشّة.

عائلة سلفادورية فرّت للمكسيك هربا من العنف (أ ب)

خطوات على طريق الانفراد بالسلطة

عندما أظهر المجلس التشريعي بطئًا في الموافقة على تمويل إضافي للجيش في شباط/ فبراير الماضي، أمر بوكيلي جنودا مسلحين وضباط شرطة باجتياح قاعات الكونغرس السلفادوري للضغط على المشرعين لتسريع عملية اتخاذ القرار، وأثارت هذه الخطوة أزمة دستورية في إحياء لذكرى الديكتاتوريات العسكرية التي حكمت البلاد لما يقرب من نصف قرن.

وأرسل في الشهر التالي، الجيش إلى الشوارع لفرض إحدى أكثر عمليات الإغلاق شراسة وصرامة في المنطقة، لمنع انتشار فيروس كورونا، وحبس عناصر في الجيش والشرطة، آلاف المواطنين في مراكز احتواء لخرقهم قوانين الحجر الصحي، مبقين عليهم في هذه المرافق لأسابيع طويلة.

ورغم أن المحكمة العليا قضت بعدم دستورية هذه الاعتقالات وأمرت بوكيلي بإنهائها، إلا أنه رفض ذلك. وفي معرض تبرير رفضه هذا، كتب بوكيلي على "توتير" معلقا على حكم القضاة: "لن أسمح لخمسة أشخاص أن يقرروا وفاة مئات الآلاف من السلفادوريين. ولا تملك المحكمة سلطة تنفيذ أو إزالة تدابير الصحة العامة".

وفي نيسان/ أبريل الماضي، حطّم الارتفاع الهائل بعدد جرائم القتل، السلام النسبي الذي ساد في البلاد منذ أن ضربها الوباء، ملقيا بظلال الشك حول أبهى وأفضل إنجازات بوكيلي، وهو الحدّ من العنف.

وردا على ذلك، خوّل بوكيلي عناصر الشرطة والجيش، بأن يقتلوا أفراد العصابات إذا كان ذلك "ضروريا"، قائلا في تغريدة في "تويتر" أيضا إن "استخدام القوة المميتة مسموح للدفاع عن النفس، أو عن حياة السلفادوريين".

وأعلن مكتب الرئيس عن سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى معاقبة السجناء من أفراد العصابات، ونشَر صورًا تُصوّر معاملتهم القاسية على أيدي قوات الأمن.

وأظهرت إحدى الصور مئات السجناء مكدسين ومتلاصقين على الأرض، مُجبرين على ضغط رؤوسهم الحليقة بظهور رفاقهم العارية، بينما كان الحراس يحومون فوقهم بأسلحة شبه آلية، في مشهد بيّن مدى الاهتمام الذي توليه إدارة السجون لقواعد التباعد الاجتماعي التي تفرضها الدولة بشكل صارم خارج السجن، والتي تستهدف منع انتشار المرض!

حفاظ على التباعُد! (أ ب)

وقال الخبير في الجريمة المنظمة السلفادورية من جامعة فلوريدا الدولية، خوسيه ميغيل كروز: " تُعد التعرية شبه التامة للجميع (السجناء)، وإجبارهم على لمس بعضهم البعض، إذلالا في الرأي العام".

وأعلن بوكيلي أنه سيضع أفراد عصابات متنافسة، والتي تخوض معارك ضارية في ما بينها، في الزنازين ذاتها وسيغلقها بألواح معدنية ملحومة بالأبواب، قائلا: "سيكونون في الداخل (الزنزانة) مع أصدقائهم من العصابة الأخرى في عتمة".

ووفقا لخبراء أمنيين سلفادوريين، فإن عكس سياسة فصل أعضاء العصابات المختلفة عن بعضهم البعض في السجون، يبعث برسالة واضحة مفادها بحسب كروز: "أنها دعوة لهم لقتل بعضهم البعض".

ولاقت إجراءات الرئيس إدانة من قبل المحامين ومجموعات الأعمال التجارية، والمراكز الفكرية البارزة، وحذر الكثيرون من الفاعلين في مجال حقوق الإنسان محليا ودوليا، من أن بوكيلي ينزلق نحو الديكتاتورية. وكتب نائبان من كبار النواب في الحزب الديمقراطي، يعملان في لجنة الشؤون الخارجية، رسالة إلى الرئيس السلفادوري يدينون صور السجناء "المهينة بلا داع".

وقالت الناشطة الحقوقية، سيليا ميدرانو، إن "الأشخاص الذين أثنوا عليه ووثقوا به في الماضي يدركون الآن أننا نواجه رئيسا سلطويا وغير مسؤول ولا ناضج، ويمكنه أن يلحق أضرارا غير قابلة للإصلاح بالبلاد".

وذلك يحدث بينما تحافظ إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على صمت تجاه إجراءات بوكيلي. وفي مؤتمر صحافي عقده مؤخرا، قال مايكل كوزاك، وهو مساعد الوزير بالإنابة المسؤول عن مكتب شؤون النصف الغربي بوزارة الخارجية، إن تحدي بوكيلي للمحكمة العليا يرقى إلى "اختلافات في الرأي حول أفضل طريقة للتعامل مع الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي في البلاد". مشيدا بـ"شعبية الرئيس المرتفعة للغاية".

وبالفعل، تُظهر الاستطلاعات أن أكثر من 85 في المئة من السكان راضون على الرئيس الذي تلقى سياساته القاسية ضد الجريمة إعجاب السلفادوريين الذين ضاقوا ذرعا بإرهاب العصابات.

من أحد السجون السلفادورية (أ ب)

وفي مدينة كوجوتيبيك التي تُعد معقل اليمين المتطرف، يقول العديد من السكان أنهم سعداء بالطريقة التي تعالج بها الحكومة الجرمية المنظمة.

وقال الأب كوتو الذي يقود أبرشية في المدينة: "تعرضت الأُسَر للضرب بسبب العنف. ويقول الناس للسلطات 'اقتلوهم إذا أردتم'"، مضيفا أن رعاياه سئموا من الحزبين اللذين أدارا سلطة البلاد على مدار العقدين الماضيين، وأعضائهما الذين اختلسوا أموال البلاد وفشلوا في جعلها أكثر أمنًا. ووُجهت تهمة الفساد لثلاثة رؤساء سابقين للبلاد، وحُكم على أحدهم بالسجن لعشرة أعوام.

وقال الكاهن إن أبناء المدينة يثقون ببوكيلي الذي أسس حزبا جديدا أطلق عليه اسم "أفكار جديدة" تحت شعار: "هناك مال كافٍ إذا لم يسرقه أحد"، ناهيك عن أن الحكومة قدمت أيضا، 300 دولار للأسر المتضررة من الوباء في المدن الفقيرة مثل كوجوتيبيك.

وشدد الأب كوتو على أن بوكيلي يملك "الشخصية المسيحية للمُخلص، وفي واقع يعاني نصف السكان فيه من الفقر، فلن ينتقدوا قمع الحكومة".

ومع ذلك، أكد الكاهن أن الوجود المستمر للجنود المسلحين قد أزعج المدينة. وأشار إلى أنه كان يوصل امرأة إلى منزلها بعد قدّاس أحد أيام الأحد في أواخر آذار/ مارس الماضي، عندما أوقفتهما مجموعة عسكرية استجوبهما أفرادها وهددوهما بالاعتقال إثر انتهاك قوانين الحجر الصحي.

وقال الأب كوتو: "لقد شعرنا بالرعب لأننا اعتقدنا أنهم سيأخذوننا إلى مركز احتجاز، وكنت أحاول أن أشرح لهم الموقف، لكنهم كانوا يشهرون بنادقهم". وفي حين أن الجنود سمحوا لهما بالمرور مع تحذير، فإن الكاهن لم يغادر كنيسته منذ ذلك الحين.