هل احتضن كوكب الأرض أوّل حضارة صناعيّة في التّاريخ؟

هل احتضن كوكب الأرض أوّل حضارة صناعيّة في التّاريخ؟
هل احتضن كوكبنا أوّل حضارة صناعيّة؟ توضيحية (Pixabay)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقالِ مجلة "MIT Technology Review"، العلمية الصادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.


في أحد أشهر مسلسلات الخيال العلمي البريطانية، الصادر عام 1963 باسم "دكتور هو"، ظهرت كائنات تُشبه السحالي ويُفترض أنها اكتسبت خبرةً في ما يتعلّق بالصناعة منذ نحو 450 مليون عام، أي قبل أي أثر لإنسان على كوكب الأرض، بملايين الأعوام.

وبالطبع، هذه كائنات خيالية، ولكن فكرة وجود حياة متطورة ما قبل التاريخ، أثارت فضول بعض العلماء ليطرحوا مجموعة متنوعة من الأسئلة المثيرة للاهتمام، ولا سيما السؤال التالي: إذا ما عاشت حضارة صناعية في الماضي الغابر، فما الأثر الذي قد تُخلّفه اليوم؟

وحصلنا اليوم على إجابة لهذا السؤال بفضل الباحثين، غافين شميت من "معهد جودارد لدراسات الفضاء" التابع لوكالة الفضاء الأميركية "ناسا"، وآدام فرانك من جامعة روتشستر. وضع الباحثان اسمًا لفكرة وجود حضارة صناعية ربما سبقت البشرية، وهو "الفرضية السيلورية"، تيّمنًا باسم المخلوقات التي تشبه السحالي في المسلسل البريطاني. وشرعا في دراسة الأثر الذي من المرجح أن تخلفه حضارتنا البشرية في المستقبل، وتساءلا ما الذي سيكون بالإمكان رصده بعد انتهاء الحضارة البشرية بملايين الأعوام؟ وتوصّلا إلى استنتاج مفاده أن تأثيرنا المحتمل على الكوكب سيكون ملموسًا ولكن يصعب في بعض الحالات تمييزه عن الأحداث الأخرى المختلفة في السجل الجيولوجي للكوكب.

وهناك بعض الانعكاسات المدهشة لعملهما، على كيفية دراسة الأرض وتأثيرنا عليها، كما تساعد دراستهما، الباحثين في مجال علم الأحياء الفلكي، في تحديد الأمور التي يبحثون عنها في بقاع أخرى من الكون.

ويبدأ فرانك وشميت بالتشديد على الكمّ الضئيل جدا من المعلومات التي نملكها عن طبيعة كوكب الأرض في الماضي السحيق، إذ إن أقدم جزء مكشوف من سطح الأرض، هو صحراء النقب، والتي بقي جزء منها كما هو دون أي تغيير يُذكر منذ 1.8 مليون عام. ولا توجد الأسطُح الأرضية القديمة إلا في المناطق المكشوفة أو حينما يُعثر عليها نتيجة عمليات التعدين والحفر. وبأخذ هذه القيود بعين الحسبان، يعود الدليل على نشاط الإنسان العاقل، لنحو 2.5 مليون عام، وهذا وليس قديما من الناحية الجيولوجية.

ولا يزال قاع المحيط في مقتبل العمر نسبيا، بالمقارنة مع عمر الكوكب، لأن قشرة المحيط يُعاد تدويرها باستمرار. ونتيجة لذلك، فإن جميع رواسب المحيطات تعود إلى العصر الجوراسي، وبالتالي يقل عمرها عن 170 مليون عام.

وعلى أي حال، إن الباحثيْن يؤكدان أن النسبة التي تتحجّر من الكائنات الحية ضئيلة جدا. وعلى سبيل المثال، جابت الديناصورات سطح الأرض لما لا يقل عن 180 مليون عام، ومع ذلك، لا توجد سوى بضعة آلاف من العينات المتحجرة شبه المكتملة لها. أما البشر في أحدث صيغة لهم، فيعيشون على كوكب الأرض منذ بضع عشرات الآلاف من الأعوام فقط. ويقول فرانك وشميت إن "الكائنات الحية التي لم تعِش لفترات طويلة مثل الإنسان العاقل، قد لا تكون ممثلةً في السّجِل الأحفوريّ الموجود على الإطلاق".

توضيحية (Pixabay)

وماذا عن "المصنوعات" البشرية، مثل الطُّرق، والأبنية، والمعلّبات وغيرها إذا؟ فهذه أيضا، يقول الباحثان إنه من غير المحتمل أن تدوم آثارها لفترات طويلة. وحتى لو بقيت، فإن احتمال العثور عليها يؤول إلى الصفر أيضا. ويعلل الباحثان ادعاءَهما بقولهما إن "مساحة التحضّر الحالية تُشكل أقل من 1 بالمئة من سطح الأرض. ونستنتج بالتالي أنه بالنسبة للحضارات المحتملة التي يزيد عمرها عن 4 ملايين عام، فإن فُرَص العثور على دليل مباشر على وجودها عبر الأغراض أو الشواهد المتحجرة لسكانها ضئيلة".

ولكن هناك نوع آخر من الأدلة، فحضارتنا تخلّف بصمة كيميائية أيضا.

المجتمعات الصناعية

يصبُّ شميت وفرانك اهتمامها على المجتمعات الصناعية بشكل خاص، إذ يعرفونها بكونها المجتمعات القادرة على استخراج الطاقة من الطبيعة. وبهذا المعنى، فإن البشرية تحولت لهذا الشكل من المجتمعات منذ 300 عام. وقال الباحثان إنه "منذ منتصف القرن الثامن عشر، أطلق البشر أكثر من 0.5 تريليون طن من الكربون الأحفوري عن طريق حرق الفحم والنفط والغاز الطبيعي".

وخلّف هذا آثارا هائلة على الكوكب. ولأن معظم الكربون بيولوجيٌّ بطبيعته، فهو يحتوي على مقدار من الكربون-13، يُعدّ أقلّ من تجمُّع الكربون غير العضوي الأكبر بكثير، وبالتالي، إن انبعاثاته تُغيّر منسوب الكربون-13 والكربون-12، وهي بصمة لا بُدّ أن تكون ملحوظة في السجل الجيولوجي لكوكب الأرض.

ناهيك عن أن الزيادة بدرجات الحرارة التي خلفتها هذه الانبعاثات حتى الآن، هي بمقدار درجة مئوية واحدة. وهذه بصمة ملحوظة أخرى في السجل الحراري للكوكب، وذلك يكمن بالطريقة التي تغير بها النسبة النظائرية للأوكسجين-18 في الكربونات. كما أن الزراعة وتدوير النيتروجين في الأسمدة يغير أيضا من البصمة النظائرية للنيتروجين.

وتزيد الزراعة وإزالة الغابات من تآكل التربة، وكذلك يفعل هطول الأمطار المتزايد بسبب الاحتباس الحراري. لذا لا بد أن تتغير رواسب المحيط أيضا، وذلك بفضل غسل التربة المنجرف نحو البحر.

علاوة على ذلك، ازداد استخدام معادن مثل الرصاص والكروم والرينيوم والبلاتين والذهب بفضل أنشطة التعدين، ومن المتوقع أن تُلقى في المحيطات بمعدلات أعلى مما كانت عليه قبل التصنيع.

ويُبدل البشر السّجل الأحفوري أيضا، فقد شهد الكوكب زيادة كبيرة في أعداد الحيوانات الصغيرة مثل الفئران والجرذان، والتي لا بد أن تكون ملحوظة مستقبلا، شأنها شأن زيادة معدل الانقراض للأنواع الأخرى. وقال شميت وفرانك إن "الانقراضات للثدييات الكبيرة التي طرأت في نهاية العصر الجليدي الأخير ستترافق أيضًا مع ظهور حقبة الأنثروبوسين".

ومن ثمّ تأتي الكيماويات التي يصنعها الإنسان، إذ إنه ضخَّ إلى البيئة كميات هائلة من المواد المُكَلوَرَة الاصطناعيّة (المعالجة بالكلور)، إضافة إلى كميات هائلة من البلاستيك. ولكن لا يزال من غير الواضح، ما هي المدة الزمنية التي سيبقى رصد هذه المواد، أو ما تُخلّفه، ممكنًا.

توضيحية (Pixabay)

بل وهناك احتمال بأن نُخلّف بصمةً نوويةً ربما، في حال اندلعت حرب نووية مدمرة للحضارات مستقبلا، ولكن الغريب في الأمر، هو أن آثار حرب كهذه، قد لا تستمر طويلا من الناحية الجيولوجية. إن أعمار النصف لمعظم هذه العناصر قصيرة جدًا بحيث لا تكون ذات صلة بالنطاق الزمني الضخم للأثر الجيولوجي. باستثناء محتملٍ لمادتَي؛ البلوتونيوم-244، والتي يبلغ نصف عمرها المحتمل 80.9 مليون عام، والكوريوم -247، والتي يبلغ نصف عمرها المحتمل 15 مليون عام.

وقال الباحثان إنه يمكن رصد هاتين المادتين في" الفترة الزمنية ذات الصلة إذا ما استُخدمتا بالكمية الكافية، نتيجة لحرب بالأسلحة النووية مثلا".

واستنتجا أن وجود البشرية سيبقى مرأيًّا في السّجل الجيولوجيّ لكوكب الأرض على الأرجح، كما أوضحا أن "طبقة الأنثروبوسين في رواسب المحيطات، ستكون مفاجئة ومتنوعة، وتتكون ظاهريا من قمم محددة مترابطة في العديد من الوسائط الجيوكيميائية، والمؤشرات الحيوية، والتركيبات الكيميائية، والمعادن".

ومع ذلك، قد لا تكون هذه البصمة فريدة من نوعها، فقد رصد الباحثان عددًا من الأحداث في السجل الجيولوجي التي تبدو مشابهة للتأثير الذي يحدثه البشر اليوم. وعلى سبيل المثال، طرأ تغير عالميّ مفاجئ في مستويات نظائر الكربون والأوكسجين قبل حوالي 56 مليون سنة في حدَث يُعرف باسم الحدّ الحراريّ الأقصى بين العصريْن الإيوسيني والباليوسيني.

توضيحية (Pixabay)

وتزامن هذا الحدث مع زيادة كبيرة في مستويات الكربون وارتفاع في درجة الحرارة يتراوح بين خمسة وسبعة درجات مئوية طوال نحو 200 ألف عام، وهو ما يعادل بوطأته على الكوكب من حيث السجل البيولوجي، عطسةَ إنسان!

ولا أحد يعلم ما الذي تسبب بهذا الحدث بالضبط، ولكن تشير إحدى النظريات إلى أنه في ذلك الوقت، توسعت الصخور النارية في شمال المحيط الأطلسي إلى رواسب عضوية، وانبعث الكربون نتيجة تسخينها. وتحولت هذه القطعة من الأرض في شمال الأطلسي في ما بعد، إلى جزيرة آيسلندا التي نعرفها، وكتل الأرض المحيطة بها.

وليس هذا التغيير الوحيد غير المُفَسّر في السجل الجيولوجي للكوكب، فهناك شتى التغيرات الأخرى في درجة الحرارة، ورواسب الكربون، وملوحة المحيطات، التي لا تزال في انتظار تفسيرات.

وقال شميت وفرانك: "هناك أوجه تشابه بلا شكّ بين الأحداث المفاجئة السابقة في السجل الجيولوجي وبصمة الأنثروبوسين المحتملة في السجل الجيولوجي في المستقبل".

وبالطبع، ما من أمرٍ يُشير في هذه الأحداث إلى وجود حضارة صناعية سابقة للبشرية، بل وشدد الباحثان الحريصان على تجنب التكهنات غير المضبوطة، على أنه "لا يمكن اعتبار الفرضية السيلورية مُحتملةً لمجرد عدم وجود أي فكرة أخرى صحيحة".

توضيحية (Pixabay)

ومع ذلك، يثير عملهما بعض الأسئلة المثيرة للاهتمام، ويشير إلى قيمة البحث الإضافي حول مدة بقاء المركبات الصناعية في البيئة. وأوصى شميت وفرانك "بمزيد من التوليف والدراسة حول استمرار المنتجات الثانوية الصناعية الفريدة في بيئات رواسب المحيطات"، متسائليْن: "هل هناك فئات أخرى من المركبات التي قد تترك آثارًا فريدة في جيوكيمياء الرواسب على مدارٍ زمنيٍّ يمتد لملايين الأعوام؟".

وهذا عمل مثير للاهتمام كُتب في ورقة بحثية مُسلية تستكشف فكرة غير مألوفة لديها القدرة على تغيير الطريقة التي نفكر بها في البشرية، وتضع تأثيرنا في منظور أوسع. كما يوفر خلفية لعلماء بيولوجيا الفلك الذين يدرسون الكواكب الأخرى.

كان المريخ مرة أكثر رطوبة ودفئًا مما هو عليه اليوم، وإذا ما كان الكوكب قد شهد مجتمعا صناعيا في الماضي السحيق، فإن هذه الورقة تحدد بعض البصمات التي قد تظهر في السجل الجيولوجي هناك. كما أن كوكب الزهرة كانت تضاريسه في الماضي أكثر ميلا لاستضافة كائنات حية. ولا يجب أن ننسى محيطات قمر زحل، يوروبا، والكواكب الأخرى التي تدور حول نجوم أخرى.

توضيحية (Pixabay)

وعلى الرغم من ذلك، قد تكون حضارتنا الصناعية مميزة في الكون. ولكن الاحتمال بكونها حضارة واحدة فقط من بين حضارات شتّى، يبقى أكثر تشويقا من مجرد تميُّزها. ويقدم شميت وفرانك، بعض الأُسُس التمهيدية للعثور عليها.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"