عودة المدينة الدّولة... الجزء الثاني

عودة المدينة الدّولة... الجزء الثاني
توضيحية (pixabay)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصة بموقع "عرب 48"، لمقالِ مدير مركز تحليل وسائل التواصل الاجتماعي في مركز الأبحاث "ديموس" ومقرّه لندن، جيمي بارتلت، وهو صحافي مؤلّف يكتب في العديد من الموضوعات، وأصدر آخر كتاب له عام 2017 بعنوان "راديكاليون يطاردون اليوتوبيا".

وقرر "عرب 48" نشر المقالة المطوّلة في جزأين هذا ثانيهما، وللاطّلاع على الجزء الأول يمكن الضغط هنا.


لفترة طوية من الزمن، تواجدت السلّطة على مستوى المدينة في الغالب، فعلى مدار آلاف السنين، وفرت المستوطنات الحضرية ذات الحكم الذاتي والمُحاطة بأسوار، الحماية والخدمات مقابل العشور الضرائب، وسنّت مجموعة من القواعد لتنظيم العيش والتجارة.

ولنا في مدن الرابطة الهانزية التي امتلكت جيوشها وقوانينها الخاصة مثلًا، فقد كدّست وجمعت ثقلها الاقتصادي في رابطة لتحسين قوّتها التفاوضية مع الشعوب الأخرى في بدايات القرن الثالث عشر، وتحوّلت إلى مركز نفوذ اقتصادي في طريق البلطيق التجاري، إذ فهمت هذه المدن التي ضمّت كل من هامبورغ وبيرمن، أنها تتشارك الكثير وأنّها تستطيع أن تفيد مصالحها المشتركة بشكل أكبر بكثير بالعمل سويّة.

ولكونها مراكز الرأسمالية العالمية الحضرية، تبدو المدن الكُبرى أكثر تشابها ببعضها البعض من تشابهها بمقاطعات داخل دولها القومية، فجميعها عبارة عن محاور للمال، والابتكارية التكنولوجية، والثقافة، ناهيك عن تميّزها بقدر هائل من التعددية والهجرة الداخلية. وبينما صوّتت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي بنسبة 52% مؤيدين و48% رافضين للخطوة، فإن لندن صّوتت بنسبة 60% للبقاء في الاتحاد، وفي أعقاب هذا التصويت، عاشت لندن لحظات قصيرة كانت تستطيع فيها أن تعلن استقلالها عن بقيّة بريطانيا. ولندن، كما يصفها زوارها عادة، لا تشبه بقية البلاد في شيء. وبالتأكيد، يمكننا قول الأمر ذاته عن عمالقة الساحليْن الشرقي والغربي للولايات المتحدة.

وعند إلقاء نظرات عابرة على مدينة تلو الأخرى، كما أفعل أحيانًا، أشعر أنها أقرب إلى الرابطة الهانزية منها إلى عصبة الأمم؛ فهي تشكّل منظومة مدن قويّة تجارية مترابطة. ولم تكن الرابطة الهانزية ظاهرة منفردة في التاريخ، فقد جاءت قبلها البندقية بالطبع، وهذه الأخيرة لم تكن سوى أكثر المدن شهرة من بين العديد من دول المدن المستقلة المنتشرة عبر ما نعرفه اليوم كإيطاليا، بين القرنين العاشر والسادس عشر، ومنها فلورنسا وبولونيا وتورينو.

ولكن حتى تلك المدن تُعد "حديثة" في عمر الدول المدن القديمة، والتي تعود إلى القدس، وقبلها أثينا، وقبلها بابل وصولا إلى أور. ولا نزال اليوم نملك بعض المدن المعترف بها رسميًا كدول مثل موناكو وسنغافورة والفاتيكان، وهي دول مدن تتمتع بسيادة كاملة؛ وهناك مدن أخرى مثل هونغ كونغ، تتصرف مثل دولة ولكنها لا تتمتع بالسيادة الكاملة. والحقيقة أن المفارقة التاريخية تكمن بأن معظمنا لا يعيش اليوم في دول المدن.

الفاتيكان مُعترف بها دولة (أ ب)

من الواضح أن الدول القومية لن تسقط بسهولة، فاقتطاع شكل جديد للسلطة السيادية من سلطة قائمة بالفعل يُعد أمرًا بالغ الصعوبة، وهو ما لا ترغبه الأمم المتحدة غالبًا أيضًا.

وهناك سبب أكثر فظاظة أيضًا، ففي عام 2015 مثلًا، أيد 2.1 مليون من سكان البندقية في إيطاليا (89% من مجمل الأصوات) استقلال المدينة في استفتاء غير ملزم، بعد أن ذاق سكانها ذرعًا بأن مدينتهم تدفع 20 مليار دولار كضرائب لا تستردها. ولكن إيطاليا بالتأكيد لن تسمح لمدينة البندقية وضرائبها البالغة 20 مليار دولار بأن تختفي بسهولة.

وهذا ما يجعل بعض المساعي الأكثر إثارة يتمحور حول إنشاء مدن جديدة بالكامل. ولطالما كان كبير الاقتصاديين في البنك الدولي، بول رومر، من الداعمين لإنشاء المزيد من مدن الميثاق، وهي بالأساس عبارة عن مناطق إدارية بحجم مدن تعمل بشكل مستقل إلى حد ما، إذ يجادل بأن المدن بالحجم المناسب، فهي كبيرة بما يكفي لاختبار شيء جديد، لكنها ليست بالكبر الذي تضع فيه كل بيضك في سلة واحدة، إذ وصف رومر المدن في مؤتمر "تيد" حول هذا الموضوع في عام 2009 بـ"القاعدة لإنشاء قواعد جديدة".

ستتيح مدينة الميثاق المبنية على أرض غير مأهولة، تجربة قواعد وأنظمة جديدة لجذب الاستثمارات والناس. وتتلخص فكرتها بأن تعمل الدول معًا، مثل الصين وبريطانيا على هونغ كونغ، أي أن تُنشئ مناطق اقتصادية خاصة، التي كانت موجودة منذ عدة سنوات متشابهة من حيث أنها مناطق جغرافية آمنة ماديًا، وتطبق قوانين اقتصادية مختلفة عن البلد المضيف، وعادةً من أجل تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر.

لكن حتى هذا ليس بالأمر السهل، لأنه سيتطلب من دول أخرى تأجير أراضيه، بينما لن تحظى هذه المناطق باستقلالية كاملة حتى، ولكن هناك بعض النماذج التي لا تحتاج إلى ذلك. فمثلًا، تقع على الحدود الكرواتية الصربية المستنقعية منطقة جورنجا سيجا ذات السبعة كيلومترات مربعة. وعلى الرغم من أن هذه الرقعة الصغيرة من الأرض تخضع حاليًا للسيطرة الكرواتية، إلا أنها غير تابعة لأحد فنيًا، حيث تدعي كل من كرواتيا وصربيا ملكيّة المنطقة. ونظرًا لوضعها القانوني غير العادي، يعمل فيت جيدليكا، وهو ليبرالي يبلغ من العمر 32 عامًا من جمهورية التشيك، على محاولة لإنشاء جنة حرية وتجارة وازدهار بحجم مدينة تُدعى "ليبرلاند".

وتتمتع ليبرلاند غير المأهولة ولكن ينتظر مواطنوها الرقميون البالغ عددهم 100 ألف شخص، توقُّف كرواتيا عن منعهم من وصولها للانتقال إليها، بمعالم دولة مدينة، إذ لديها عُملة، ودستور، ورئيس، وحتى فريق كرة قدم، وصُمم كل شيء فيها لتحقيق أقصى قدر من الحرية الفردية.

كبداية، يمكن لأي شخص الانضمام والمغادرة كما يحلو له. وستكون أول دولة في العالم لا يُفرض فيها أي شيء بالإجبار، وحيث يمكنك أن تفعل ما تشاء طالما أنك لا تؤذي شخصًا آخر.

وأخبرني جيدليكا عندما أجريت مقابلة معه من أجل كتابي "راديكاليون يطاردون يوتوبيا": "إنها جنة ضريبية وليست ملاذًا ضريبيًا". ستوُفر المدارس والمستشفيات والمعاشات التقاعدية والطرق وأعمال الصرف الصحي وجمع القمامة، وغيرها إذا قرر الناس أن هذا هو ما يريدونه ووفروا المال من أجله.

ستوُفر المدن المدارس (توضيحية - pixabay)

مثل معظم الليبراليين، يحب جيدليكا التكنولوجيا الرقمية الحديثة، ويرى أنها مفيدة للغاية للمذهب الليبرتاري، حيث أنها تُضعف الدول القومية وتساعد النماذج الجديدة كالذي يطرحه. قد يبدو الأمر وكأنه حلم بعيد المنال، خاصة وأنه لم تعترف أي دولة بهذه الرقعة من المستنقعات، لولا حقيقة أن العديد من المستثمرين المؤثرين من أشباه أولئك الموجودين في "وادي السيليكون" يشاركون وجهة نظر جيدليكا الليبرتارية، ويقدمون التبرعات من أجلها.

ووصفت مجلة "شيكاغو للقانون الدولي" المحترمة ليبرلاند بـ"الوضع الجديد تمامًا" في فحص مفصّل أجرته لقضيّتها، مما يشير إلى أنها تملك "فرصة" في إقامة دولة.

تكمن مشكلة ليبرلاند في أن الشرطة الكرواتية يمكنها أن تداهم المدينة في أي وقت تريده، وهذا بالضبط ما واجهته عندما حاولت الوصول إلى الأرض أثناء تأليف كتابي. هذا هو السبب، كما أخبرني الناشط الليبرتاري الأميركي، باتري فريدمان، مؤخرًا عندما التقينا في "وادي السيليكون"، أن المدن الجديدة التالية لن تُبنى على الأرض على الإطلاق، بل ستطفو في المياه الدولية، بعيدًا عن متناول الدولة القومية وجيوشها.

في عام 2008، أسس فريدمان معهد "سي ستيدنغ" (ويعني التملك البحري بالاستيلاء)، مدعومًا بنصف مليون دولار تبرع بها بيتر ثيل، الملياردير الليبرتاري الذي شارك في تأسيس "باي بال"، ومدعّمًا بخطة لبناء مدن على جزر في البحر لتجربة كيفية العيش فيها، وأخبرني أن مؤسسته "هي سوق للدول، ولا يمكنك سوى أن ترقّع النظام القديم". مضيفًا أنه: "عندما لا يكون لديك قطاع شركات ناشئة، فإن الدول الموجودة سيئة، وتقدم لك خدمات سيئة. أنت بحاجة إلى قطاع شركات ناشئة يهددها"، ففي عالم مليء بالمناطق البحرية غير المياه الدولية، إذا كنت لا تحب نظام حكومتك، فإن كلّ ما عليك فعله هو الإبحار إلى حكومة أخرى تفضلها، بالسهولة التي تختار بها مشاهدة مسلسل عبر "نتفليكس"، أو طلب سيارة أجرة "أوبر" أو مقابلة شخص جديد على "تيندر".

"كلّ ما عليك فعله هو الإبحار إلى حكومة أخرى تفضلها" (توضيحية - pixabay)

يعتقد فريدمان أن كل مسكن بحري دائم سيختلف عن المساكن الأخرى، وهذا من شأنه أن يخلق سوقًا لأنواع مختلفة من أنظمة المعيشة التي ستجبر الجميع على تحسين أدائهم. خاصة إذا بدأت تنهار الدولة القومية.

مرة أخرى، التكنولوجيا هي أساس هذا التفكير ومفتاحه، إذ يأخذ فريدمان عقلية "وادي السيليكون" ويطبقها على الدولة القومية، فقد أخبرني أن هناك الكثير من الأمور التي يُمكن أن نفعلها اليوم والتي لم تكن موجودة عندما تم اختراع نظام الحكم الحالي، مثل التصويت الديمقراطي المباشر عبر الإنترنت، وبناء المدن الذكية، واستخدام العملات المشفرة. ومع ذلك ما زلنا نستخدم نموذج حكم القرن التاسع عشر.

يكفي أن تبحث عن الكلمات "المسكن البحري" أو "التملك البحري بالاستيلاء" على محرّك بحث "جوجل" لتجد العديد من التصميمات الخيالية لحواضر عائمة وعوالم خيالية مصممة على أجهزة الكمبيوتر المحمولة. إنه حلم بعيد المنال، إذ حتى مؤسسة "سي ستيدنغ" أخفقت في هدفها المتواضع المتمثل في توطين 150 شخصا في مساكن بحرية بحلول عام 2015.

ومع ذلك، أصدر فريدمان هذا العام بالشراكة مع مدير الاتصالات في معهده جو كويرك كتابًا شاملاً عن التملك البحري بالاستيلاء، ووقعا مذكرة تفاهم مع بولينيزيا الفرنسية لإنشاء أول مستوطنة بحرية شبه مستقلة في المياه الضحلة قبالة سواحلها لتكون النموذج الأولي لمدينة البحر. وأخبرني فريدمان أنهم سيبدؤون تشييدها قريبًا جدًا، وأنه يتوقع أن يتمكن بضع مئات من الأشخاص أن يعيشوا في هذه المدينة العائمة قبالة ساحل تاهيتي، في غضون عامين. سألته عما إذا كان هذا احتمال واقعي، ليخبرني "بالطبّع". ويكفي أن تلقي مجرد نظرة على أسعار العقارات في سان فرانسيسكو؛ إذا كان بإمكانك العيش في بلد جديد تمامًا بسعر أقل، فإن الكثير من الناس سيفعلون ذلك. أخبرني أن لديه قائمة انتظار "بالآلاف"، والكثير من الداعمين، ومعظمهم من رواد الأعمال في مجال التكنولوجيا الذين يرون فيها فرصة استثمارية. "هؤلاء هم الأشخاص الذين ينظرون إلى نظام معطل ويقولون ماذا لو صممنا شيئًا أفضل؟".

من غير المرجح أن تنهار الدول القومية بين عشية وضحاها، ولا برابرة عند بابها، وحتى روما لم تنهار في يوم واحد. لكن الدولة القومية تطورت خلال فترة التصنيع، والبيروقراطيات المركزية "للقيادة والسيطرة" والولاء الوطني، ولكن التكنولوجيا الحديثة تنحو باتجاه معاكس؛ فهي موزعة ولامركزية ولا يمكن السيطرة عليها. وإذا افترضنا أن ترتيباتنا ومفاهيمنا السياسية هي مرآة لأنماط الإنتاج والافتراضات التي سادت في ذلك العصر، فإن المستقبل لا يبدو ورديًا بالنسبة لهذا المفهوم القادم من القرن التاسع عشر، فهو يبدو أكثر إشراقًا بالنسبة للمدينة الحديثة والمتصلة وانسيابية الحركة، سواء كانت على الأرض أو على الحدود أو في المحيط. وعلى أي حال: ألا يُجدي إجراء بعض التجارب، تحسبا على الأقل؟

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص