هل تنجو الحريّة وحقوق الإنسان من عصر الإنترنت؟

هل تنجو الحريّة وحقوق الإنسان من عصر الإنترنت؟
قبيل اقتحام أنصار ترامب لمبنى الكابيتول (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بموقع "عرب 48"، لمقالِ كاتب العمود في الشؤون الأميركية والسياسية في صحيفة "واشنطن بوست"، ديفد فون دريله.


إن أحد أهمّ الأسئلة التي تواجهنا في هذا العصر، بل وربما يكون السؤال الأهم حتّى، هو؛ هل تنجو الحرية وحقوق الإنسان من الثورة الرقميّة؟ قد يكون من الصعب التوصل إلى إجابات قاطعة على أسئلة بهذه الضخامة والتجريد، لكن حدثين في السادس من كانون الثاني/ يناير الجاري، وقع كل منهما على نصف آخر من العالم، يقدّمان خلاصة ملموسة ومؤلمة.

في واشنطن، دفعت تشكيلة من التحريفات والأوهام والأكاذيب الصريحة، حشدًا من آلاف الرعاع إلى اقتحام مبنى الكابيتول في تمرّد قصير ولكن دموي. ودُبّر هذا الحدث غير المسبوق داخل مجتمع رقمي تُقبل فيه مزاعم عجيبة بالاستناد إلى أوهن الترّهات؛ إذ أصبحت بضعة صور التقطها كاميرات مراقبة، وجرى تعديلها بشكل انتقائي، "دليلا" على حدوث تزوير هائل في الانتخابات الرئاسية. وتحوّلت شهادة القيل والقال إلى "حقيقة" مقدّسة. هناك، ما من ادّعاء غريب بما يكفي لعدم تصديقه أو اعتماده، إذ يستطيع لخاسر في انتخابات أن يشدد ويُصَّدق ليس على أنه فاز فحسب بل إنه انتصر "بأغلبية ساحقة".

قبيل اقتحام أنصار ترامب لمبنى الكابيتول (أ ب)

استرشد المئات، إن لم يكن الآلاف، من مثيري الشغب في الكابيتول بالتزامهم بالوهم بأن الحكومة الأميركية ما هي إلّا لُعبة إنترنت زرع فيها كاشف فساد مجهول أدلة غامضة كوسيلة لكشف مؤامرة ضخمة "يحيكها" مسؤولون منتخبون مجرمون.

ويدرك كل من درس طريقة عمل الطوائف الدينية أو الهوس الجماعي، أن الدماغ البشري بعيدًا عن كونه محركًا للشكّ الشديد، هو عُرضة للغاية لخلل وظيفيّ في حال دخل في حلقات من المعلومات المغلقة والمعززة بأفكار ذاتيّة. وأما التكنولوجيا الرقميّة، فتسهّل تكوّن مثل هذه الحلقات وضياع الأشخاص في داخلها.

لا شكّ في أنّ أسياد الاتصالات الرقميّة فهموا بالضبط حيثيات ما شاهدوه من أعمال شغب في الكابيتول، فإذا استطاع شخص بعدم انضباطِ وبسُخف ترامب، حشدَ هذا الكمّ من الرعاع المؤلف ليس فقط من بلطجية، بل من رجال أعمال ومعلمين ورؤساء بلديات صغيرة، لغرض مهاجمة الحكومة الأميركية، فما الذي يمكن أن يفعله شخص ذكيّ يدرك ما يفعله؟ لقد اتخذ رئيس "فيسبوك" التنفيذي، مارك زوكربيرغ، خطوة غير عادية بحظر رئيس الولايات المتحدة من أكبر شبكة اجتماعية في العالم. ويوم الجمعة الماضي، علقت "تويتر" حساب ترامب للأبد. ولن تتاح الحريّة لهذه المنصات، وبالتالي لن تجني الأرباح، إذا ما اُستخدمت تلك المنصات لقتل جوهر المجتمع المنفتح.

أنصار ترامب يقتحون مبنى الكابيتول (أ ب)

بموازاة الإجابة التي قدمَتها أحداث الولايات المتحدة عن هذه المسألة، جاءت في اليوم ذاته إجابة واضحة أخرى من الصين في هونغ كونغ، فقد انتشر أكثر من ألف شرطي في أنحاء المدينة التي كانت حرّة في السابق، ليعتقلوا أكثر من 50 ناشطا داعمًا للديمقراطية، إذ إنه ليس لدى الحزب الشيوعيّ في بكّين أي نيّة للسماح لأي شيء يُشبه شبكة إنترنت حُرّة، بالوجود في أي مكان يخضع لسيطرته، إذ تخضع التكنولوجيا الرقمية في الصين لضبط قاسٍ، وتُستَخدم للسيطرة على السكان بدلا من تحريرهم.

إذا مضت الصين في الأعوام المقبلة، في نهجها نحو فرض الاستقرار والنظام، بينما تستمرّ الحرية الرقمية في الولايات المتحدة بإحداث مثل هذه الفوضى التي رأيناها في مبنى الكابيتول، فستتوصل الحكومات الأخرى في العالم، لاستنتاجات يقينية حول النهج الأفضل، وسيبلغ النزوع إلى المزيد من الحرية وحقوق الإنسان الذي أنار نصف القرن الماضي ذروته، ليبدأ بعدها بالانحسار، بل يُمكن لهذا المدّ أن يجرف الاتجاه الماضي بسرعة كبيرة؛ فالأشياء تتحرّك بسرعة في العصر الرقميّ.

وهذا ما يلفتنا إلى ما حدث مع السيناتور الجمهوري الجديد عن ولاية ميزوري، جوش هاولي، والذي كلّفه دوره في أعمال الشغب الأخيرة صفقة كتاب كان يريد نشره، ما دفعه للاحتجاج على انتهاك حقوقه في حرية التعبير. لقد فقد أيضًا معلّمه، إذ قال السيناتور السابق، جون دانفورث إن تأييده لهولي كان "أسوأ خطأ في حياتي"، كما خسر أحد أكبر المتبرعين لحملته الانتخابية، إذ دعا رجل الأعمال، ديفيد همفريز، إلى توجيه اللوم إلى هاولي. فقد شعر كلا الرجلين، بالذهول من أن هاولي استمر في قيادة هجوم ديماغوغي على نتائج الانتخابات، حتى بعد تمرد الكابيتول الذي سلّط الضوء على المخاطر الدموية لهكذا خطوة. ووفقًا لكلمات همفريز، فإن هاولي "غير مسؤول، وتحريضيّ وخطير".

أثناء تنفيذ الاعتقالات في هونغ كونغ (أ ب)

تكمن مشكلة حريّة تعبير هولي في ديماغوغيّته. ومن خلال دعمه للفوضى في مبنى الكابيتول، تهدد حرية تعبير السيناتور حقوقنا جميعًا، لأنه، وكما يعلّمنا التاريخ، حيثما تكون الفوضى والقمع هما الثنائيّ الوحيد، يفوز القمع.

منذ مائة عام، تنبّأ القاضي، أوليفر ويندل هولمز جونيور، بمعضلتنا في أحد أشهر مقولاته. إذ قال إنه لا يمكن لحرية التعبير أن تتعايش مع سوء استخدام طائش لتلك الحرية، كما كتب هولمز: "إن الحماية الأكثر صرامة لحرية التعبير لن تحمي الرجل من إطلاق النيران في مسرح". بإمكاننا كما نفعل أصلا، أن نجادل حول متى تنتهي الحرية ويبدأ سوء الاستخدام المتعلّق بها، ولكن ما لم يتمّ رسم خط واضح لذلك، فلن تتمكن الحريّة من الصمود.

لا أريد أن أعيش في عالم ترسم فيه السلطة المركزية هذا الخط، كما هو الحال في هونغ كونغ الجديدة. كما أنني لا أتمنى عالمًا يُرسم فيه هذا الخط من قبل جبابرة الشركات، كما رأت "فيسبوك" و"تويتر" أنهما مضطرتان إلى اتخاذ إجراءات ضد ترامب. البديل الوحيد لأعضاء المجتمع الحرّ هو أن نرسم خطًا في سلوكنا، بدءا بقادتنا؛ وهو أن نكون مسؤولين عن المحتوى الذي نبثّه ونستهلكه؛ وأن نثبت أن حريتنا تتسق مع تقنياتنا.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص