أزمة "مكافحة الفساد"

أزمة "مكافحة الفساد"
الرئيس الأميركي، جو بايدن (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بموقع "عرب 48" لمقال كتبه، بنجامين فوغل، وهو مؤرخ ومحرر مساهم في مجلتي "جيكوبين" و"أفريكا إز إيه كانتري".


ها قد عاد الناضجون لتسلم زمام الأمور. وأخيرًا، تسلم جو بايدن وفريقه إدارة البيت الأبيض متعهدين بأن يُصلحوا مصائب إدارة ترامب. وكجزء من استعادة "الحالة الطبيعية"، وعد بايدن أن يجعل مكافحة الفساد مركزية في إدارته للبلاد، أكان ذلك في الداخل أم في الخارج.

ووفقًا لما صرح به مستشار الأمن القومي في الإدارة الجديدة، جيك سوليفان، في مقابلة مع صحيفة "بوليتيكو"، إنهم يسعون جاهدين إلى "حشد حلفائنا لمكافحة الفساد والكليبتوقراطية، ومحاسبة المنظومات الرأسمالية الاستبدادية من أجل مزيد من الشفافية والمشاركة في نظام يستند للقواعد". والتزم بايدن بإصدار "توجيهات سياسة رئاسية تنص على مكافحة الفساد كمصلحة أمنية وطنية جوهرية ومسؤولية ديمقراطية".

ويكاد أن يكون من المحال أن نجد شخصًا يدعم الفساد، فحتى دونالد ترامب تسلم منصبه السابق متعهدًا بتجفيف هذا المستنقع. ولكن من الضروري أن نُفكك ما الذي تعنيه الإدارة بتحويلها مكافحة الفساد إلى "مصلحة أمنية وطنية جوهرية" على المستوى التطبيقي.

الفساد القانوني وغير القانوني

يقول البنك الدولي إن الفساد أضخم عقبة أمام التنمية الدولية. ووفقًا لبعض التقديرات، يبلغ العبء المالي السنوي للفساد على الاقتصاد العالمي نحو أربعة تريليونات دولار (بما يعادل 5% من إجمالي النتاج العالمي)، ويُصرف من بينها تريليون دولار على الرشاوى وحدها.

ولا شك أن ملاحقة المال الأسود، وغسيل الأموال، ومكافحة الكسب غير المشروع لأهداف جديرة بالثناء حقًا. إذ يستنزف الفساد الأموال العامة المخصصة لتقديم الخدمات للطبقة العاملة ويقوض قدرة الدولة على تقديم برامج إصلاح حقيقي. لكن هذا لا يعني البتّة أنه يتوجب علينا دعم سياسات مكافحة الفساد الخاصة ببايدن والرئيسة الجديدة للوكالة الأميركية للتنمية الدولية سامانثا باور.

حُدد ملف مكافحة الفساد، من قبل جميع اللاعبين الدوليين الكبار، بكونه مصدر قلق رئيسي للتنمية الدولية منذ أوائل التسعينيات. وفي كل عام منذ ذلك الحين، تجتر وكالات التنمية متعددة الأطراف والمنظمات غير الحكومية، وبشكل يكاد يكون طقوسيًا، الخطب ذاتها عن شرور الفساد، في حين أنه ما من دليل على تراجع الفساد منذ أن أصبحت مكافحته قضية دولية، على الرغم من كافة جهود هذه المؤسسات.

بايدن وهاريس (أ ب)

وعلى سبيل المثال، يُعرِّف البنك الدولي، الفساد، بأنه "سلوك (سلوكيات) يخالف القواعد التي تحكم الموظفين العموميين فيما يتعلق بالسعي وراء المصالح الخاصة، مثل الثروة أو السلطة أو المكانة". وهذا التناول للفساد هو قانوني الجوهر لأن "القواعد" التي يخالفها هذا السلوك، هي قوانين أو بروتوكولات دولية سنها البنك الدولي أو الأمم المتحدة.

ولا يُمكن لعملية مكافحة الفساد أن تكون حيادية أبدًا، فهي دائما سياسية، لا سيما عندما ترتدي عباءة من العبارات المبتذلة التي لا تجد من يعارضها، كتلك التي تتحدث عن الحكم الرشيد والشفافية والمساءلة. ولكن تلخيص الفساد بكونه أفعال تنتهك قوانين أو بروتوكولات دولية لا يساهم في التستر على جذور الفساد الممنهج فحسب، بل يساهم أيضًا في تمكين النخب ذاتها التي تردد مجموعة من المواعظ عن مكافحة الفساد، من الإفلات بالكسب غير المشروع (قانونيًا).

في غالبية الأحيان، تُستخدم المعايير الدولية لمكافحة الفساد لتبرير الهجوم على دولة الرفاه، بينما يروَّجُ لسياسات التقشف والخصخصة وكأنها إجراءات لمكافحة الفساد.

خطة بايدن

على الرغم من عيوب إدارة بايدن العديدة، ناهيك عن تاريخه السياسي الشخصي، إلّا أنها لا تضغط اليوم لتقليص سياسات دولة الرفاه. ولكن تركيزها على المقاربات القانونية والتقنية لمقارعة الفساد تتستر على الطريقة الحقيقية التي يعمل بها الفساد في الولايات المتحدة. فكثير مما كانت ستعتبره ديمقراطية فعّالة، فسادًا، قوننته الولايات المتحدة بشكل أو بآخر. ففي نهاية المطاف، من ذا الذي سيضطر إلى ارتكاب فعل بفظاظة تسليم مظروف وضيع مليء بالأموال القذرة في زقاق مُعتم، بينما يتمتع بالقدرة على إطلاق "لجنة عمل سياسي"؟ على الأقل كان يستطيع العمال في زمن نشاط "قاعة تاماني"، أن يحصلوا على الدجاج وبضعة كؤوس من الجعة للمشاركة في يوم الانتخابات.

وفي نواح عديدة، ليس الحزب الديمقراطي سوى آلة جمع تبرعات ضخمة تضمن حصول كوادره على أعمال مربحة، سواء في مؤسسة بحثية يموّلها، مايكل بلومبرغ، أو في شركة استشارية تولم على عقود حكومية. صحيح أن نومينكلاتورا (صفوة الأجهزة العليا) التي قاومت ترامب، أمضت الأعوام الأربعة الماضية غاضبة من الفساد المرتبط بالرئيس السابق، لكنك لن تجد أيًا من أفرادها يرفض أجرًا سخيًا من القطاع الخاص، مقابل إلقاء خطاب.

ويكفي أن نلقي نظرة على التعيينات التي قامت بها إدارة بايدن لنرى ذلك. إذ تبدو وزارة الدفاع وكأنها قسم في شركة "ويست إي زك للاستشارات"، بينما حصل العديد من أمهر شخصيات عملت في شركة "بلاك روك" على ضوء أخضر ليعيشوا أحلامهم المرتبطة بـ"الجناح الغربي" للبيت الأبيض. وحتى شخصيات كالتي خدمت في إدارة أوباما السابقة ولم يحصلوا على مناصب في الإدارة الجديدة، تمكنوا من الحصول على عمل كأعضاء في جماعات ضغط بناء على علاقتهم ببايدن. وعلى سبيل المثال، وظفت جماعة الضغط "لايفت" مدير الشؤون التشريعية الذي كان يعمل مباشرة مع بايدن عندما كان لا يزال نائب رئيس، سودافي هنري.

(أ ب)

بل أن بايدن شخصيًا، وصل إلى واشنطن في السبعينيات متعهدًا بتنظيف السياسة من المال الخاص، وعادة ما يستشهد بكل ما هو صائب عندما يتحدث عن الفساد. ولكن، وبقدر ما تحمل العبارة من ابتذال، فإن الأفعال أبلغ من الأقوال، فنجاح بايدن السياسي، استند إلى قدرة استعراض الصورة الزائفة لـ"ابن الطبقة الوُسطى"، بالتوازي مع جمعه مبالغ ضخمة من مانحين من القطاع الخاص.

ولكن خطر نهج محاربة الفساد هذا، يبرز على الجبهة الدولية أكثر من أي شيء آخر. إذ ستُستخدم مكافحة الفساد لمعاقبة الحكومات والأحزاب السياسية التي تجرؤ على تحدي إمبراطورية الولايات المتحدة ونظامها "الذي يستند للقواعد". ولزيادة الطين بلة، فإن صقور السياسة الخارجية "المستنيرين" مثل سامانثا باور، باتوا يقترحون اليوم استخدام مكافحة الفساد لفتح جبهة جديدة في حرب باردة ضد الصين.

وزعمت باور في مقال نشرته في مجلة "فورين أفيرز"، أن "مكافحة الفساد هي مجال آخر تتمتع فيه الولايات المتحدة بميزة تنافسية على الصين". صحيح أنه لا مجال للمقارنة بين الولايات المتحدة والحملة الصورية الشرسة التي يشنها شي جين بينغ ضد الفساد، يجب ألّا نتوقع أن يأمر بايدن بإعدام رود بلاغوييفيتش القادم. ولكن في ضوء الحقيقة الصارخة بأن الجميع تقريبًا مجبرون على استخدام المؤسسات المالية الأميركية للقيام بأعمال تجارية، وأن قدرًا كبيرًا من المال الأسود في العالم يتدفق حول البنوك الأميركية، فإن تجميد الأصول أو مراقبة معاملات أي شخص تعتبره المؤسسة الأميركية "شريرًا" هو أمر سهل نسبيًا.

حتى الآن، اقتصرت أجندة مكافحة الفساد على تمرير قانون "إقرار الدفاع الوطني"، والذي يتضمن قانون "شفافية الشركات" الذي سيفرض على ملايين الشركات المسجلة في الولايات المتحدة الإبلاغ عن أصحابها المستفيدين إلى قسم الجرائم المالية في وزارة الخزانة. وتملك وزارة الخزانة حتى العام القادم لإصدار لوائحًا تتماشى مع هذا القانون.

(أ ب)

وفي اقتراح آخر قدمته باور، تقول إنه "يمكن للولايات المتحدة أن تصر على أن تقدم دولة ما مجموعة من الالتزامات الحد الأدنى لمكافحة الفساد من أجل دخول ترتيبات تجارية تفضيلية، وتكثيف المساعدة التقنية لتلك البلدان التي تتوق إلى فعل المزيد". وليست هذه بفكرة جديدة، إذا غالبًا ما استخدمت الولايات المتحدة بروتوكولات مكافحة الفساد للتنمر على البلدان لقبول التنازلات مع الحفاظ على مظهر الاستقامة الأخلاقية.

باستثناء الصيغة العجيبة من قرع طبول حرب باردة ضد الصين، فإن ما من جديد بالأفكار المطروحة أعلاه؛ بل هي مؤشر للعودة إلى خرافة "الزعيم العالمي المستنير" الذي يرقى إلى الصورة الذاتية التي قدمتها الإمبراطورية الأميركية عن نفسها، قبل أن تنتخب الدولة نجم برامج "الريالتي" (ترامب). وبهذا، من المرجح أن تُمارس الهيمنة الأميركية مرة أخرى باسم حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية التي تختبئ جميعها في الغطاء البرّاق لمكافحة الفساد.

استيراد "حملة أميركا اللاتينية الصليبية لمكافحة الفساد"

مع كل ما ذُكر أعلاه، من الذي يقرر حقًا أي القادة شرير وأي الدول سيئة؟ غالبًا ما تحصل الأنظمة الاستبدادية الفاسدة المتحالفة مع الولايات المتحدة على ضوء أخضر مجاني، بينما تتعرض أي دولة تقرر تجربة سياسات إعادة التوزيع، للعقاب وتُصادر أصولها في البنوك الأميركية. ولمعرفة أسلوب عمل هذه الممارسة عمليًا، لا يحتاج المرء سوى للتمعن بالمثال الذي أعلن كل من بايدن وسوليفان وباور نيّتهم الاحتذاء به كنموذج يجب اتباعه: "الحملة الصليبية لمكافحة الفساد" في أميركا اللاتينية التي شُنت في العقد الماضي.

ويمكن تلخيص قصتها إلى حد ما، بما يلي: تولى المدعون العامون والقضاة المفوضون، بدعم من طبقة وسطى جديدة صاعدة وواثقة، التحدي الذي طال انتظاره ضد ثقافة الإفلات من العقاب التي ابتليت بها المنطقة لعدة قرون، بدعم من إدارة أوباما، التي قدمت الخبرة القانونية واستخدمت قوتها المالية لتغريم المخالفين أو تجميد أرصدتهم ومصادرتها. وبايدن يعد بطرح النموذج ذاته في أميركا الوسطى في المستقبل القريب.

وترتكز الحكاية بأكملها على التحقيق التاريخي ضد الفساد في البرازيل الذي تم تحت اسم "عملية مغسل السيارات". ولا تكمن مغزى هذه القصة بأنها حققت انتصارات تاريخية في الحرب ضد الفساد التي قوضتها الشعبوية، بل بالأحرى بأن الحملة الكُبرى لمكافحة الفساد ساعدت في إطلاق عنان الغضب الانتقامي الشعبوي الاستبدادي الذي عصف بالمنطقة.

وبفضل العمل الاستقصائي الرائع الذي قام به موقع "إنترسبت"، أصبح لدينا دليل على أن التحقيق كان عبارة عن حملة ذات دوافع سياسية انتهكت الدستور البرازيلي لتحقيق أهدافها، وبمساعدة من وزارة العدل. فقد أفضت إلى إسقاط حكومة الديمقراطيين الاشتراكيين المنتخبة ديمقراطيًا في عام 2016، ومن ثم ضمنت لاحقًا فوز اليميني المتطرف جائير بولسونارو في انتخابات 2018 بسجن لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، والذي كان يقود جميع استطلاعات الرأي بهامش واسع. حتى أن باراك أوباما قارن لولا برئيس "قاعة تاماني" في مذكراته الأخيرة، على الرغم من الأول سن أنيابه في السياسة عبر آلة الفساد للحزب الديمقراطي في شيكاغو. والمفارقة هي أن بولسونارو أوقف التحقيق في كانون الثاني/ يناير الماضي، زاعما أنه "لم يعد هناك فساد في حكومتي".

توفر مكافحة الفساد أيضًا منفذًا "لاسترداد" أو "استعادة" التصور الأسطوري الذاتي لليبرالية الأميركية بعد العار الذي لحق بها في فترة ترامب، والتي اعتُبرت انحرافًا عن الدور النبيل للولايات المتحدة في تعزيز الديمقراطية والتقدم. وبالطبع، يُروج لمكافحة الفساد باعتبارها لقاحًا ضد فيروس الشعبوية لأن "الفساد يمثل مجالًا رئيسيًا لنقا ضعف هؤلاء القادة (الشعبويون)".

الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب (أ ب)

وكما تدعي الرواية عن الحملة ضد الفساد، دُمرت "الحياة الطبيعية" نتيجة لجوء الشعبويين إلى الغش باستخدام الأموال القذرة لإغراء الناخبين من خلال الأخبار المزيفة للفوز بالانتخابات، في حين أن البالغين المسؤولين خسروا لأنهم لعبوا وفقًا للقواعد. إن إلقاء اللوم على الفساد في هزائم الليبرالية، يعفيها من الحديث عن إخفاقاتها السياسية في العقود القليلة الماضية. وبدلاً من تحمل عبء ذلك، يريح الليبراليون أنفسهم بخرافات كالتي تزعم أن شركة الاستشارات السياسية "كامبريدج أناليتيكا" والروس كانوا مسؤولين عن وصول ترامب أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

بهوسهم بالفساد، حقيقيا كان أم متخيلًا، يتغاضى الليبراليون عن التفسيرات الهيكلية للكوارث السياسية، مما يتيح لهم الاستمرار بظنهم بأن النظام لا يزال فعّال. وبالتالي، لا حاجة لإعادة توزيع جذرية للثروة، أو لإصلاح سياسي جاد، عندما يمكن للمؤسسة أن تصب تركيزها على معاقبة "الأشرار" فقط. من حيث الجوهر، فإن سياسات مكافحة الفساد لإدارة بايدن هي النسخة الجيوسياسية من "أوصلني بالمدير".

أثبتت أخلاق النخب الليبرالية، التكنوقراطية، ومعاييرهم المزدوجة الصارخة عندما يصل الأمر إلى معاملاتهم المالية الشخصية، أنها أرض خصبة للشعبوية التي يشجبونها بكل حماسة. الفساد ليس فيروسًا غريبًا يدخل ويعطل النظام، إنه أحد أعراض كل ما هو خطأ في العالم، والذي لا يزال الليبراليون يسعون عبثًا للحفاظ عليه.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص