الجانب المظلم لمؤثرّي وسائل التواصل الاجتماعيّ

الجانب المظلم لمؤثرّي وسائل التواصل الاجتماعيّ
(توضيحية - Getty Images)

في ما يلي ترجمة خاصّة بموقع "عرب 48" لمقال مشتَرَك من تأليف كل من: الأستاذ في كلية الحاسبات ونظُم المعلومات في جامعة "ملبورن"، بروفيسور أوفير توريل، والأستاذة بكلية "Lazaridis" للأعمال والاقتصاد في جامعة "Wilfrid Laurier"، بروفيسور فانغ وانغ، والأستاذة المساعدة في كلية "Sprott" للأعمال في جامعة "Carleton"، سميرة فريفار.

ترجمة: أنس سمحان.


هل تتابع المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ؟ هل تتابع منشوراتهم على الدَّوام؟ هل تقضي وقتًا طويلًا في متابعة أحدهم، حدّ الهوس بهِ؟ وتشعر بالانزعاج أو الضيق عند عدم قدرتك على رؤية ما ينشره؟ إذا أجبت بنعم على كل هذه الأسئلة، فقد يكون لديك ما يُعرف بـ"التفاعل الإشكاليّ" مع المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، "والذي يُعرّف على أنه غياب المتابعة الواعية والمُتحكمة لمؤثري التواصل الاجتماعي، بحيث تتطور رابطة تعلّق مرضي بين المُتابعِ والمؤثِّر)[1].

لو رأيت نفسك ضمن هذه الدائرة، فلستَ أنت الملوم، حيث جرفت التأثيرات المبهرة لمؤثري وسائل التواصل الاجتماعي جمعًا كبيرًا من الناس في تيّارها، ويمكن أن يُعزى ذلك إلى العديد من الميزات والتكتيكات التي يستخدمها المؤثرون والتي تساعدهم في الحفاظ على تأثيرهم، مثل البث المباشر واستطلاعات الرأي عبر إنستغرام، (والمحتوى القوي والجذَّاب والحاثّ على التفاعل)[2].

(توضيحية - Getty Images)

نشرنا مؤخرًا بحثًا، بصفتنا خبراء في وسائل التواصل الاجتماعي وسلوك المستخدم، يستكشف التفاعل الإشكالي للمتابعين مع المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، وكانت ورقتنا البحثية من أولى الدراسات التي عُنيت بتناول جوانب تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي قد تؤدي إلى التفاعل الإشكالي لدى المتابعين. وقد ارتأينا دراسة هذا الأمر وسياقه نظرًا لأهميته، ولا سيّما أن حجم وعائدات مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي، تبلغ قيمتها 13.8 مليار دولار أميركي (ويتوقع أن تصل إلى 16.4 مليار دولار في 2022)[3].

قضية المشاركة الإشكالية

يعرف كل واحد منا ويتابع بالحد الأدنى مؤثرًا أو مؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، نظرًا لانتشارهم وتخصصهم الدقيق في التواجد في كل زوايا الإنترنت، ويعرف هؤلاء على أنهم أشخاص لديهم قدر كبير من المتابعين الذي يُحبون متابعتهم. وسواء كنت من محبي الموضة أو ترغب في الحصول على معلومات عن الصحة واللياقة البدنية، فتأكد من وجود مؤثر يجب متابعته في هذا المجال، وغالبًا ما ينجذب المتابعون إليهم بسبب صِدقهم، ولمحتواهم التفاعلي، والقوي، والمُستمر.

(توضيحية - Getty Images)

إلا أن ثمة نقصا يكتنف عالم بحث ودراسة الجانب المظلم لمؤثري وسائل التواصل الاجتماعي. غالبًا ما يُدفع ويُحفَّز المؤثرون (من خلال دعم المنتجات والعلامات التجارية) لزيادة قوتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وصار الكثير منهم أكثر كفاءة في جذب المتابعين وإشراكهم.

وهو ما سهّل بدورهِ تحويل المتابعين إلى أفراد متفاعلين ومرتبطين هوَسيًّا بالمؤثرين، وفي كثير من الأحيان، يصير هذا التفاعل مفرطًا وغير صحيٍّ. وصلنا إلى مرحلة الآن صار فيها التفاعل الإشكاليّ مع المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي أمرًا شائعًا بين المتابعين، ولكنه غير معروف أو غير مفهوم جيدًا لدى الناس.

بحثنا

لقد فحصنا مؤخرًا العوامل والآليات التي تؤدي إلى التفاعل الإشكالي، وركزنا على ثلاث خصائص للمؤثرين: الجاذبية الجسدية والجاذبية الاجتماعية والوجود الذاتي، واثنان من سمات تفاعل المتابعين: شمولية المشاركة وطول فترة المتابعة؛ لاستكشاف آثارها على تطوير حالة التفاعل الإشكالي من خلال تكوين حالة التعلّق لدى المتابعين.

(Getty Images)

درسنا، استنادا إلى نظرية التعلّق، نوعين من التعلّق: التعلّق شبه الاجتماعي[4] وعلاقة الشعور بالانتماء[5]، وكلاهما أساسي في عالم مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي، فالعلاقة شبه الاجتماعية تعني تصور المتابعين لعلاقتهم من جانب واحد مع المؤثر. ويشير الشعور بالانتماء إلى الشعور بأنهم جزء لا يتجزأ من مجتمع المؤثر. وعندما أجرينا استطلاعًا عبر الإنترنت على 500 مستخدم في "إنستغرام"، أظهرت النتائج أنه عندما يطور المتابعون تعلقًا بكل من المؤثرين (العلاقة شبه الاجتماعية) ومجتمعهم (الشعور بالانتماء)، فيمكن أن يؤدي ذلك إلى التفاعل الإشكالي.

ووجدنا أن الجاذبية الاجتماعية للمؤثرين لها تأثير أقوى من العوامل الأخرى في بناء روابط المتابعين. وعندما يتعلق الأمر بالتفاعل الإشكالي، خلصنا إلى أن متابعة المزيد من المؤثرين قد تقلل من تأثير التعلّق بالمجتمع (الشعور بالانتماء)، ولكن ليس تأثير التعلق بالمؤثر (التعلق شبه الاجتماعي).

الآثار المترتبة على المؤثرين والمتابعين

تحذر دراستنا من التفاعل الإشكالي وتشرحه لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي. وقالت دراستنا إن هناك إمكانية تعلّق مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بالمؤثرين الذين ينجذبون إليهم ويمكن أن يتعلقوا بهم وأن ينخرطوا في حياتهم بسهولة وإفراط. يحتاج المستخدمون إلى أن يكونوا على دراية بكيفية عمل عقولهم وأن يكونوا أكثر حذرًا في حياتهم، وأن يسعوا للتحكم بتفاعلاتهم مع المؤثرين.

(Getty Images)

على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي شمولية المشاركة، التي تشير إلى أسباب المتابعة ومدى تفاعل المتابعين (مثل المشاهدة، والإعجاب، والتعليق، والمشاركة) إلى تطوير نوع من التعلق لديهم. ويجدر بنا التأكيد على إمكانية إدارة هذا التعلق عبر وعي المتابعين بأنفسهم، وتتمثل إحدى طرق ذلك في الاستفادة من وظائف وأدوات الهاتف مثل وضع حدود زمنية يومية على إنستغرام، أو إيقاف تشغيل إشعارات التطبيقات وغيرها من الأدوات.

ويجب أن يكون المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي على دراية أيضا بالتفاعل الإشكالي لدي المتابعين، وأن يركزوا على إقامة علاقة صحية معهم، على الرغم من أن هذا قد يتعارض مع هدفهم المتمثل في زيادة مشاركة المتابعين. وأحد طرق تطبيق ذلك، على سبيل المثال، أن يتحدث المؤثرون بصراحة عن مشكلة التفاعل الإشكالي وإبداء الاهتمام بصحة متابعيهم، ممّا سيساعد في استدامة العلاقة، لأن الدراسات أظهرت أن مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين يعانون من سلوك إشكالي، يكونون أكثر عرضة للتوقف عن استخدام المنصات بعد فترة.

(Getty Images)

توجد حاجة مُلحة لمزيد من البحث حول باقي الجوانب المظلمة والمؤذية لعالم المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، وندعو إلى إجراء أبحاثٍ مستقبلية تُركِّز على النتائج السلبية الأخرى مثل قلق المتابعين والاكتئاب وتأثير اتباع المؤثرين على صحة المتابعين.


[1] المُترجم.

[2] المُترجم.

[3] المُترجم.

[4] تستند هذه العلاقة في تعريفها إلى نمط العلاقات أو التفاعلات ما وراء الاجتماعية كما صاغها دونالد هورتون وريتشارد هِل عام 1956 لوصف علاقة الجمهور في متابعتهم للفنانين والمشاهير عبر وسائل الإعلام وخاصة التلفاز، بحيث يقضي التعريف أن الناس ينظرون إلى هؤلاء المشاهير على انهم أصدقائهم على الرغم من محدودية التفاعل معهم، ولكن في العصر الحديث، وفي عصر التواصل الاجتماعي، صار التفاعل مع المشاهير موجودًا، مما قد يضفي وهمًا إضافيًا على هذه العلاقة بكونها علاقة تبادلية – المُترجم.

[5] يُحفّز الشعور بالانتماء والقبول إحساسًا بالتعلق الآمن في بيئة آمنة ومتقبلة، ووفقًا لروي بومستر ومارك ليري في دراسة أجورها عام 1995، فإن الإحساس بالانتماء يتكوّن في حالة توفر ظرفين مُهمّين، أولهما الاتصال الإيجابي المواصل مع فرد أو مع جماعة، وثانيهما، تكون خبرات في العلاقة على مدار فترة من الزمن – المُترجم.

بودكاست عرب 48