سريلانكا: أزمة اقتصاديّة واضطهاد للأقليّات

سريلانكا: أزمة اقتصاديّة واضطهاد للأقليّات
متظاهرون مناهضون للحكومة في سريلانكا (Getty Images)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بموقع "عرب 48"، لمقالة تحليلية من موقع The Conversation من كتابة نيرو كانداسامي، المحاضرة في التاريخ في جامعة سيدني، التي تلقي الضوء على تاريخ قمع الحكومات السريلانكية الممنهج للأقليات العرقية في الجزيرة، وأَثَر ذلك على الاحتجاجات الحالية.

نُشرت المقالة في 14 تموز/ يوليو 2022، أي بعد فرار الرئيس السريلانكي، غوتابايا راجاباكسا إلى سنغافورة، حيث أعلنت استقالته من هناك، وبعدها استلم مهام الرئيس رانيل ويكريميسنغه، والذين أعلن حالة الطوارئ "لاستعادة النظام"، وأعلن تعيينه لدينيش جواناواردينا رئيسا للحكومة في يوم الجمعة 22 تموز/ يوليو 2022.


أدت الحرب الروسية- الأوكرانية إلى تغييرات كبيرة في العالم، حيث ارتفعت أسعار المنتجات الاستهلاكية، وتأثرت سلاسل الإمداد العالمية، وارتفعت أسعار الوقود عالميًا، وكانت الدول المُعتمدة في وارداتها على روسيا أو أوكرانيا، هي الأكثر تأثرًا بتبعات الأزمة. وكانت سريلانكا من أكثر الدول تضررًا، حيث أدى ارتفاع أسعار الوقود والغذاء من الحرب إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في سريلانكا، وعلقت الحكومة مدفوعات الديون الخارجية وطلبت المساعدة من صندوق النقد الدولي، وتتنافس كل من الصين والهند الآن لفرض هيمنتها ونفوذها على البلد المثقل بالديون، وطلبت الدولة من روسيا في شهر أيار/ مايو الماضي أن ترسل لها الوقود والفحم والنفط وغيرها، حيث تعاني أسوأ أزمة اقتصادية منذ استقلالها.

وتمر سريلانكا الآن بأزمة اقتصادية وسياسية وإنسانية، حيث تجاهل المحتجون، في استعراض لافتٍ لغضبهم يوم السبت التاسع من تموز/ يوليو 2022، حظر التجول الحكومي والانتشار العسكري والشُرطيّ، واقتحموا القصر الرئاسي ومقر إقامة رئيس الوزراء، مطالبين باستقالتهم، وجاءت هذه الاحتجاجات بعد إيقاف حكومة راجاباكسا بيع الوقود للناس العاديين، وهي أول دولة تفعل ذلك منذ أزمة النفط العالمية في عام 1979.

ويعاني السريلانكيون منذ عدة أشهر من نقص في الغذاء والوقود وغيرها من الإمدادات الحيوية، وذلك بالإضافة إلى إغلاق المدارس لأسابيع وعمل خدمات أخرى بقدرة مخفضة بشكل خطير. وقبل ساعات من الاحتجاجات، فرّ الرئيس، غوتابايا راجاباكسا من البلاد، بدون أن يستقيل، وعيّن في الوقت نفسه رئيس الوزراء، رانيل ويكريمسينغه، من الحزب الوطني المتحد المعارض، رئيسا مؤقتا، في خطوة زادت من حنق وغضب المُحتجين.

ويكريمسينغه (Getty Images)

وأعلن ويكريميسينغه، في أولى قرارته رئيسًا، حالة الطوارئ في جميع أنحاء الجزيرة، وأمر الجيش بـ"القيام بكل ما هو ضروري لاستعادة النظام"، وواجهت الشرطة المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع وإطلاق للجيش لأعيرة نارية حيَّة، إلا أنه هذا لم يثنهم عن الاحتجاجات وواصلوا البقاء في الشوارع وفي مقر إقامة الرئيس ورئيس الوزراء.

من هو رانيل ويكريمسينغه؟

يحظى ويكريمسينغه باحتقار المحتجين العميق له، إذ انتقد العديد منهم علاقته الوثيقة مع عائلة راجاباكسا، ولتاريخه الطويل من التمييز والعسكرة ضد شعب التاميل. وانتخب ويكريمسينغه لأول مرة للبرلمان في عام 1977. وكان رئيسا للوزراء من عام 1993 إلى عام 1996، وشغل مناصب عليا داخل الحزب الوطني المتحد، بما في ذلك فترات أخرى كرئيس للوزراء، منذ ذلك الحين.

وأثار الحزب الوطني المتحد، وهو حزب يمين الوسط، التوترات العرقية، وأشرف على العديد من الهجمات ضد التاميل في أعوام 1977 و1979 و1981 و1983، كما نظم الحزب استعمار شمال وشرق الجزيرة، وتغيير التركيبة العرقية للمنطقة وطرد التاميل قسرا من منازلهم.

خلال تظاهرة ضد ويكريمسينغه (Getty Images)

ومثل راجاباكسا، يتمتع ويكريمسينغه بعلاقات وثيقة مع الجيش، ويشمل ذلك رئيسه الحالي، شافندرا سيلفا، الذي مُنع من دخول الولايات المتحدة بسبب دوره في مذبحة التاميل في عام 2009، ورفض ويكريمسينغه تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة الذي حدد الفظائع التي ارتكبتها الحكومة السريلانكية ضد التاميل.

وبصفته رئيسا للوزراء خلال تفجيرات عيد الفصح عام 2019، اعترف ويكريمسينغه بأنه وحكومته، فشلا في التصرف بناء على المعلومات الاستخباراتية التي أبلغتهم بها الهند، وأسفر هذا الفشل عن مقتل أكثر من 250 شخصا في انفجارات في جميع أنحاء الجزيرة، وقال: "أعطتنا الهند المعلومات الاستخباراتية، ولكننا فشلنا في التصرف بناء عليها".

الأضرار الناجمة عن القومية البوذية السنهالية

وصل السياسيون من أمثال ويكريمسينغه وراجاباكسا إلى مواقع السلطة السياسية عبر الغالبية السنهاليية وبسبب أيديولوجيتهم القومية السنهالية البوذية، مما أدى إلى تاريخ طويل من التمييز وأعمال الشغب ضد الأقليات في الجزيرة، وقد سمح موقعهم بالسلطة لهم بتنمية ثرواتهم الشخصية، في حين أساءوا إدارة الاقتصاد وأفلسوا البلاد في نهاية المطاف.

ويُستبعد ضمن الأيديولوجية السنهالية البوذية، كل من ليس من السنهاليين البوذيين، ومنذ انتهاء الحرب الأهلية الطويلة في البلاد، رفضت جميع الأطراف السريلانكية الرئيسة الانتقادات الموجهة للدولة السريلانكية، بما في ذلك الدعوات الدولية لإجراء تحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب المرتكبة ضد التاميل.

(Getty Images)

ويأتي رفض راجاباكسا الاستقالة، على الرغم من الاحتجاجات الجماهيرية، كتجريم لسلطته الاستبدادية، والتي يمكن ردَّها أيضا إلى القومية السنهالية البوذية، حيث يمنح الدستور السريلانكي البوذية السلطة في المقام الأول، ما يمهد الطريق للتمييز المستمر ضد الفئات المهمشة، وبدأ هذا التمييز في عام 1956، عندما نفذت رئيسة الوزراء سيريما راتواتي دياس باندرانايكا قانون اللغة السنهالية فقط، مما جعل السنهالية اللغة الرسمية للجزيرة وأجبرت التاميل على الخروج من العديد من قطاعات العمل الحيوية في الدولة.

وكما يشرح الخبير السياسي، نيل ديفوتا، عن طريق سريلانكا إلى الخراب السياسي: "مكّنت القومية تحويل البلاد من الميريتوقراطية[1] إلى الإثنوقراطية[2]، والتي أدت بمرور الوقت إلى تاكاكستقراطية[3]، أو حكم أسوأ مواطني الدولة".

(Getty Images)

مستقبل مجهول

وسيواصل المتظاهرون المناهضون للحكومة التعبير عن غضبهم في الشوارع، ولكن إذا كانوا سيضغطون من أجل تغيير سياسي عميق، فيجب أن تكون مطالبهم ممثلة للجميع في الجزيرة، وخاصة أولئك الذين همَّشتهم الحكومات السريلانكية المتعاقبة على مرّ العقود الماضية.

(Getty Images)

وخرج متظاهر شاب من التاميل بنداء احتجاجي حماسيّ يَحثُّ فيه المجتمع السنهالي ذي الأغلبية على الانتباه إلى أنماط القمع الماضية: "وصل هؤلاء الحكام إلى مناصب السلطة من خلال العنصرية، وبمجرد حل هذه المشاكل [الاقتصادية]، فسيعودون للتفرقة ضد المسلمين والتاميل مرة أخرى، أنتم شباب يافعون، لا تدعوهم يفعلون ذلك. نرجو منكم أن تدعمونا كما ندعمكم".


[1] حكم الجدارة أو حكم الأخيار، وهو نظام سياسي قائم على إسناد مناصب السلطة السياسية للأفراد على أساس الكفاءة والجهد والإنجازات المتحققة.

[2] نظام سياسي تُسند فيه السلطة السياسية لعرق مُعين مُهمين ويتحكم بكل أجهزة الدولة لتعزيز مصالحه وسلطته وموارده.

[3] شكل من أشكال الحكم، حيث تكون سلطة الدولة بيد الأسوأ، الغير مؤهلين، والمجردين من المبادئ من المواطنين.

بودكاست عرب 48