صندوق النقد الدوليّ: ترياق مفيد أم سمّ زُعاف؟

صندوق النقد الدوليّ: ترياق مفيد أم سمّ زُعاف؟
طابور لركوب سفينة تقدم خدمات صحيّة في السنغال (Getty Images)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بموقع "عرب 48".

ترجمة: أنس سمحان.


أصدر صندوق النقد الدولي مؤخّرا، تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" المحدّث، وحذر من مستقبل اقتصادي قاتمِ ويكتنفه كثير من الغموض، ومن المتوقع أن يصل التضخم في الاقتصادات النامية، وفقا للتقرير، إلى 9.5%، ومن المتوقع أن يظل مرتفعًا لفترة أطول.

تزداد مع مرور الوقت أعباء ديون العالم النامي، والذي سُحِق بفعل جائحة كورونا (كوفيد- 19)، وكذلك بسبب جهود العالم الغني في ترويض التضخم عن طريق رفع أسعار الفائدة. ولا ننسى أن هذا كله يتشكل إلى جانب عددٍ من الأزمات العالمية: أزمة طاقة، وأزمة غذاء، وأزمة مناخ.

كتب الخبير الاقتصادي في صندوق النقد الدولي، بيير أوليفييه غورينشاس، في إحدى المدونات: "يتأرجح العالم على هاوية كساد عالمي قريب"، وسيكون التعاون المتعدد الأطراف أساسيًا في العديد من المجالات، مثل، التحول المناخي والتأهب للجائحات والأمن الغذائي وضائقة الديون.

"يتأرجح العالم على هاوية كساد عالميّ قريب" (Getty Images)

أدّّت الحرب الروسية الأوكرانية إلى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة العالمية بشكل كبير من سريلانكا إلى السلفادور إلى غانا، وفي الوقت الذي أخذت بلدان العالم النامي بالتعافي من جائحة كوفيد-19، تسببت الحرب في تكثيف مشكلة ديون الجنوب العالمي، كما تفاقم الزيادات المتتالية على أسعار الفائدة، المفروضة من نظام الاحتياطي الفدرالي الأميركي، من سوء الوضع، إذ تهدف تلك الزيادات إلى ترويض التضخم في الولايات المتحدة، ولكن أثرها على الدول النامية يشبه أثر رهن عقاري سيئ ومتغير القيمة، وتفرض هذه الزيادات على تلك الدول سداد ديونها المتعثرة بالدّولار.

وقال الأستاذ المشارك في الاقتصاد السياسي الدولي والمقارن في جامعة نورث وسترن، ستيفن نيلسون، إنه "لدى البلدان، التي كانت تاريخيا على هامش النظام المالي العالمي، نقاط ضعف هائلة لاعتمادها على عملات البلدان الأخرى في دفع ديونها، وهذا هو التعريف الأوضح لغياب المساواة العالمية البنيوي والمتأصل بعمق في النظام المالي الدولي".

"تزداد مع مرور الوقت أعباء ديون العالم النامي" (Getty Images)

يمكن لصندوق النقد الدولي، من الناحية النظرية، أن يعمل مثل ممرّضٍ للاقتصادات المُصابة والمتعثرة، ولكنا كلنا نعلم أن ركوب سيارة الإسعاف ليس مجانيًّا!

كيف يعمل إقراض صندوق النقد الدوليّ؟

تأسس صندوق النقد الدولي جنبًا إلى جنب مع البنك الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، استجابة للانهيار الاقتصادي والمالي الدولي في الثلاثينيات، والذي ساهم في تأجيج الصراع بالمقام الأول. وكانت وظيفة البنك الدولي تزويد البلدان بمنح مساعدات إنمائية متوسطة وطويلة الأجل، لتحسين البنية التحتية والطاقة والصرف الصحي، والحصول على المياه النظيفة، بهدف تحفيز التنمية. ويعمل صندوق النقد الدولي، من ناحية أخرى، بوصفهِ هيئة رقابية على النظام المالي الدولي، بحيث يوفر للبلدان خطوط ائتمان قصيرة الأجل، بأسعار فائدة أقل من أسعارها في السوق، حتى تتمكن من الوفاء بالتزامات ديونها الحالية وسداد مستحقات دائنيها، وهي رصاصة في الذراع، ولكن يشار إليها دائمًا على أنها إنقاذ. ولا وجود لقرضٍ مجاني من صندوق النقد الدولي.

ينصح الصندوق البلدان بقوة، للحفاظ على ملاءته المالية وضمان وفاء البلدان بسداد ديونها، باعتماد سياسات معينة لتحسين ميزانياتها العمومية المالية، واستعادة قدرتها على الوصول إلى أسواق رأس المال. وتسمى هذه السياسات، الموجعة غالبًا، بالتدابير التقشفية، بحيث تُحَثّ الحكومات التي تحصل على المساعدة، وأحيانا يطلب منها، على اتخاذ خيارات صارمة مثل خفض مزايا الرعاية الاجتماعية، أو خفض دعم الوقود والمواد الغذائية لدعم السجلات العامة، وهي خطوات يحبها المحاسبون، ويتضرر ويستاء منها الجياع في الشوارع.

عمال في سريلانكا (Getty Images)

صار هذا النوع من التقشف قاسٍ أكثرَ الآن بعد استفحال الأزمة الاقتصادية في كل مكان، وقد طلب صندوق النقد الدولي في أواخر أيار/ مايو من باكستان، اتخاذ "إجراءات سياسية ملموسة"، بما في ذلك "رفع الدعم عن الوقود والطاقة"، لتحقيق أهداف برنامجه وإبقاء صنابير أموال الصندوق متدفقة، وصارت الدولة بحلول نهاية حزيران/ يونيو، تعاني من ضائقة مالية، وألغت المزيد من دعم الوقود لتخفيف عجزها المالي، مما أدى إلى قفزة بنسبة 17% في أسعار الاستهلاك. وأثارت احتجاجات في جميع أنحاء البلاد، وقد نُفِّذ كلا الإجراءين على خلفية النقص المتزايد في الوقود وأزمة الطاقة في باكستان.

ظلّت توصية صندوق النقد الدولي كما هي في الكاميرون، الساعية حاليا للحصول على التسهيل الائتماني الموسع من صندوق النقد الدولي: خفض دعم الوقود، حتى مع احتجاج سائقي سيارات الأجرة على نقص الوقود وتقلّب الأسعار. وتخطط تونس، المعرّضة بشكل خاص لاضطرابات الحبوب وفقا للبنك الدولي، لخفض دعمها الغذائي تدريجيا، مع تزايد الضغط للاتفاق مع صندوق النقد الدولي. (بطبيعة الحال، فإن الكثير من إعانات دعم الوقود والمواد الغذائية في البلدان النامية تفيد بشكل غير متناسب الأغنياء، الذين يستهلكون الكثير من كليهما، بدلا من الفقراء).

هل تكيّف صندوق النقد الدوليّ مع الاحتياجات الاقتصاديّة للجنوب العالميّ؟

ليس تماما، على ما يبدو. ويقول جيروم فيلپس، رئيس قسم المناصرة في منظمة "عدالة الديون (Debt Justice)"، وهي منظمة خيرية تختص بمعالجة قضايا الديون وغياب المساواة العالمية، ومقرها المملكة المتحدة، وتسعى لمعالجة قضايا الديون وقضايا عدم المساواة العالمية: "يدّعي صندوق النقد الدولي أنه لم يعد يتطلب التقشف، لكنني أرفض تصديق ذلك. ما يزال الإقراض الفعلي يتطلب شروطًا مُجحفة وعميقة، تؤثر على أفقر الناس أكثر من غيرهم في وقت كارثي يُتوقَّع فيه ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود".

قدّم الصندوق مساعداته المالية، كجزء من استجابته للإغاثة من جائحة كورونا، إلى 90 بلدا، باستخدام الصندوق الاستئماني لاحتواء الكوارث وتخفيف أعباء الديون، وتسهيلات الإقراض المختلفة، بما في ذلك التسهيل الائتماني السريع والتسهيل الائتماني الممتد. وهدفت البرامج إلى تقديم منح لتخفيف عبء الديون، فضلا عن تقديم مساعدات مالية ميسّرة للبلدان منخفضة الدخل، والتي تضررت بشدة من الجائحة، وبدأ صندوق النقد الدولي في بعض البلدان الإفريقية، مثل سيراليون والسنغال ومدغشقر وموريتانيا وسيشيل، في إدراج "حدٍّ أدنى" للإنفاق الاجتماعي، لضمان دعم ميزانية الدول المتلقية للدعم الاجتماعي والصحة والتعليم، بين الفئات السكانية الأكثر ضعفًا وتأثرًا.

"ما يزال الإقراض الفعلي يتطلب شروطًا مُجحفة تؤثر على أفقر الناس" (Getty Images)

وقال أحد متحدثي صندوق النقد الدولي لمجلة |فورين پوليسي": "قدمنا منذ بدء الجائحة، التمويل الطارئ مع تركيز واسعٍ على الدعم المالي الفوري، ولا توجد شروط لاحقة للتمويل الطارئ. كانت رسالتنا واضحة: أنفِق ما تحتاجه لإنقاذ الأرواح وتحسين سبل العيش. وإلى جانب التمويل الطارئ، فإن جميع البرامج التي يدعمها صندوق النقد الدولي تقريبا والتي تمت الموافقة عليها، أو زيادتها منذ (آذار) مارس 2020، تتضمن شروطا تهدف إلى حماية الإنفاق الاجتماعي".

ومع ذلك، كشف التحليل الذي أجرته منظمة "أوكسفام" أن 84% من قروض صندوق النقد الدولي لكوفيد-19، شجعت، وفي بعض الحالات طالبت، البلدان الفقيرة، التي تكافح بالفعل في ظل الأزمة الصحية العالمية، بتبني المزيد من تدابير التقشف. وكجزء من الحملة العالمية للقضاء على التقشف (#EndAusterity)، دعت أكثر من 500 منظمة وأكاديمي من 87 دولة صندوق النقد الدولي والحكومات الوطنية، إلى وقف سياسات التقشف، وإلى تبني ودعم السياسات التي تعزز العدالة الجندرية والأمن البيئي، وتقلل من فروقات الدخل. المشكلة في ديون صندوق النقد الدولي، هو أنه يتوجب سدادها في مرحلة ما، وتكون الطريقة المباشرة لذلك عبر فرض سياسات تزيد من جاذبية البلدان للمستثمرين الأجانب، ومثال ذلك رفع أسعار الفائدة المحلية، وتشديد السياسات المالية، وكلاهما لا يحظى بشعبية سياسية.

اقرأ/ي أيضًا | كيف غيّرت الحرب الروسيّة على أوكرانيا العالم؟

اقرأ/ي أيضًا | كارثة الغذاء القادمة

كما يشجع الخبراء صندوق النقد الدولي على تخفيف قيود محفظته واستخدام "حقوق السحب الخاصة" بشكل أكبر، لمساعدة البلدان المحتاجة. حقوق السحب الخاصة هي أصل احتياطي دولي أنشأه صندوق النقد الدولي لتكملة الاحتياطيات الرسمية للبلدان الأعضاء فيه. أطلق صندوق النقد الدولي ميزة حقوق السحب الخاصة في عام 2021، في خضم جائحة كوفيد-19، والتي ضخت بعض السيولة التي تشتد الحاجة إليها في الاقتصادات الهشة، والتي كانت احتياطاتها الخاصة فارغة. وفي حين يقول صندوق النقد الدولي إن تخصيص حقوق السحب الخاصة "ليس الدواء الشافي" للصعوبات التي تواجه البلدان النامية، إلا أنه قد يثبِت أنه حيوي للبلدان التي هي في أمسّ الحاجة إليها.

من هنا... إلى أين؟

صندوق النقد الدولي ليس الطريق الوحيد للخلاص بالنسبة للبلدان التي تمرّ بضائقة، وبدأت أعداد متزايدة من الحكومات في الدخول في صفقات ثنائية مع بلدان أخرى ومقرِضين من القطاع الخاصّ لسداد ديونهم السيادية، وتسعى سريلانكا وحدها للحصول على 1.5 مليار دولار من أكبر داعميها الماليين: الهند واليابان والصين. وقد تكون الصين، وهي واحدة من أكبر الدول الدائنة الفردية في العالم، مجرد ورقة رابحة في الجنوب العالمي. وقال أستاذ السياسة في جامعة نيويورك، پيتر روزندورف: "من خلال ما نعرفه، فإن الصين مستعدة لإعادة هيكلة الديون، وإعادة تنظيمها بشروط أكثر مرونة وأسهل نسبيا من صندوق النقد الدولي، أو المقرضين الثنائيين الآخرين، ولكن هناك نقص في الشفافية، يزيد من تعقيده حقيقة أن البلدان تقترض فقط من مثل هذا المصدر المتنوع للدائنين".

(Getty Images)

وممّا زاد الطين بِلّة، رفع نظام الاحتياطي الفدرالي مؤخرا أسعار الفائدة بمقدار الضعف، وأدى ذلك إلى تفاقم أزمة الديون في الجنوب العالمي، ومن شأن زيادة أسعار الفائدة هذه أن تسحب رأس المال، بعيدا عن البلدان النامية والناشئة، وتضع القيمة النسبية للدولار الأميركي أعلى من ذلك، مما يجعل من الصعب على البلدان تخليص ديونها السيادية، والتي غالبا ما تكون بالعملات الصعبة، وخاصة الدولار.

وقالت مدير عامة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيڨا، في بيان، إنه "مع اشتداد الظروف المالية وانخفاض أسعار الصرف، فإن عبء دفع الدين عبء قاس، ويكون بالنسبة لبعض البلدان عبئا لا يُطاق". ووفقا لصندوق النقد الدولي، فإن 60% من البلدان منخفضة الدخل، معرّضة لخطر كبير من ضائقة الديون، أو أنها تعاني بالفعل من ضائقة ديون، ومن غير المرجَّح أن تكون الحلول السريعة هي الحل الدائم لهذه المشكلة، خاصة تلك التي تضرّ أكثر مما تنفع.

(Getty Images)

وقال فيلپس: "كانت معظم قروض صندوق النقد الدولي على مدى عقود عديدة متأخرة وضعيفة، مع إعادة هيكلة ضعيفة الديون. وتستمر البلدان في العودة إلى أزمات الديون نفسها بعد بضع سنوات، وهذا هو السبب في أننا بحاجة إلى إعادة هيكلة كافية للديون الآن، بدلا من انتظار المزيد من البلدان، لينتهي بها المطاف في وضع مروِّع مثل سريلانكا".

بودكاست عرب 48