لماذا يشعر الأميركيّون بأنّ العالم ينهار؟ 

لماذا يشعر الأميركيّون بأنّ العالم ينهار؟ 
خلال تظاهرة أمام البيت الأبيض(توضيحية - Getty Images)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بموقع "عرب 48"، لمقالة للكاتب ماكس فِشر.


لو نظرنا لمختلف الأرقام الإحصائية -مع استثناء واحد صارخ– سنجد الناس حول العالم أفضل حالًا من أي وقت مضى، فلماذا لا نشعر بأنه ينهار، ولا سيّما في الولايات المتحدة الأميركية؟

هل تعصف التقلبات بالعالم، أم نحن فقط من نشعر بهذا؟

لو رصدنا العناوين الإخبارية الرئيسية، نلتقط شظايا لانكسار ما: الجائحة، وتسارُع الأزمات الناجمة عن التغير المناخي، والنقص العالمي في الحبوب، والحرب الروسية الأوكرانية، والانهيار السياسي والاقتصادي في سريلانكا، واغتيال رئيس وزراء سابق في اليابان. أما على صعيد الولايات المتحدة الأميركية: التضخم، وحوادث إطلاق النار الجماعي، ومحاكمات حادثة اقتحام الكونغرس، وانهيار حقوق الإجهاض.

لكن من الصعب المصالحة بين الشعور الداخلي بالفوضى الدولية، والإحصاءات التي تستند للعديد من المقاييس وتظهر بأن العالم أصبح أفضل بالعموم، مثل ندرة الحروب اليوم مقارنة بالخمسين سنة الماضية، وحتى عند اندلاع أيٍ منها، تكون أقل فتكا مما كان عليه الأمر سابقًا، إلى جانب تضاؤل الإبادات والجرائم الجماعية، وارتفاع متوسط العمر المتوقع، وانخفاض محو الأمية، وارتفاع مستويات المعيشة إلى مقاييس تاريخية، كما انخفضت المجاعات، ووفيات الأطفال، والفقر المدقع في العقود الأخيرة، ليتحرر بذلك مئات الملايين من أخطار هددت أعدادا هائلة من البشرية، وتربعت لعقود على صدورهم. مع ذلك نسأل: ما مصدر هذا الشعور المناقض لكل البيانات والإحصاءات التي بين يدينا؟

(Getty Images)

لهذا التباين الذي نشعر به عدة عِلل، بعضها مطمئن وبعضها مُقلق، ناهيكم المقياس الأهم: حالة الديمقراطية التي فيما أرى لم يتحسن العالم مع انتشارها، إطلاقًا.

مكاسب خفيّة وأزمات جليّة

يتحسن العالم تدريجيًا، باسطا تغيراته عبر عدة أجيال، لا بضربةٍ واحدة.

يعيش مئات الملايين من البشر حياة صحية وآمنة بمستويات أعلى بكثير من آبائهم، إلا أن هذه التغييرات الصغيرة في كثير من الأحيان، ترفع مجتمعات بأكملها في وقت واحد، مما يجعل من الصعب على الأفراد ملاحظة التغيير. والبشر مقارِنون بطبعهم، فيحكمون على حالتهم مقارنة بمن حولهم أو بماضيهم القريب، لا مقارنة بالمعايير والمقاييس العلمية المجردة، أو بسقف زمني أكبر مع الأجيال السابقة مثلًا. كما أن العديد من التغييرات الإيجابية التي شهدها العالم كانت وقائية واستباقية، فلا أحد يلقي بالا للحروب التي لم تندلع، أو أفراد الأسرة الذين لم تصبهم الأمراض، أو صغار السن الذين لم يغتلهم مرض ما في طفولتهم.

لكن حاول زيارة مجتمع تعصف به أزمة ما، على غرار هونغ كونغ وسط زحف الاستبداد، أو لبنان في خضمّ الانهيار الحرّ لاقتصاده، وجرّب أن تخبرهم بأنهم يعيشون في عصر تتزايد فيه الرفاهية وتتقلص المخاطر التي هددت البشرية سابقًا، وراقب ردة فعلهم.

شهدنا في عصر الإنترنت تعاطيًا رهيبا للأخبار، والعديد منا وإن كانوا بعيدين جسديًا عن الأزمات التي يقرؤون عنها، إلا أنهم أصبحوا اليوم سكان عالم رقمي شاسع من التحديثات المستمرة المرعبة، ولم تعد الأحداث البارزة مثل إطلاق نار جماعي، أو الحرب في أوكرانيا، بعيدة وغائبة عنا، بل حاضرة في حياتنا الخاصة.

(Getty Images)

لو كانت صفحات التواصل الاجتماعي وشاشات التلفاز أمامكم، لا تنضح إلا بتدفق ثابت من الكوارث، فمن الطبيعي أن يغذي ذلك الإحساس الغامر –وإن كان في غير محلّه أحيانًا– بالتهديد والزعزعة، كما لو أن العالم بأسره ينهار أمامكم.

عندما يعبّر الناس عن شعور غامر بأن العالم ينهار من حولهم، فهم بالتأكيد لا يتحدثون عن الإحصاءات طويلة الأمد، مثل ارتفاع متوسط الحياة للبشر عبر عدة أجيال، بل عن شعورٍ بأن البشرية جمعاء تحفها الاضطرابات وحالات الطوارئ المستمرة، بدرجات غير مسبوقة.

لكن هناك فرضية مُطمئِنة، خاصة للاقتصاديين، حول ندرة أزمات اليوم وضعف حدتها، مقارنة بأزمات الماضي القريب. لنأخذ على سبيل المثال منتصف التسعينيات، وهي الفترة الزمنية التي يتذكرها الأميركيون كفترة استقرار وتفاؤل عالمييْن، فإذا كان العالم اليوم حقا محفوفًا بالاضطرابات الاستثنائية، فمن المؤكد أن عالم التسعينيات أفضل بالمقارنة؟

العكس هو الصحيح، إذ شهد منتصف التسعينيات إبادات جماعية في رواندا والبوسنة، وسنوات من الحرب في أوروبا وسط انهيار يوغوسلافيا، ومجاعات مدمرة في السودان والصومال وكوريا الشمالية، بالإضافة إلى حروب أهلية في أكثر من اثني عشر بلدا، إلى جانب حملات القمع والانقلابات العديدة؛ هذه الأزمات كانت في الواقع أكثر شيوعًا في التسعينيات مما هي عليه اليوم، بل العقود السابقة في معظم النواحي إجمالًا أسوأ.

(Getty Images)

لكن لا أحد يتذكر بالتفصيل كارثة عمرها عقود، مثلما يتذكر تفاصيل هجوم إرهابي أو أزمة سياسية تابعناها هذا الأسبوع. لم تُخلصنا الإنجازات الهائلة في تخفيف حدة الأزمات البشرية من المشاكل العالمية، وبالتأكيد لن يهتف أحدهم احتفالًا بمجاعة أقل حدة من أخرى في الماضي، خاصة من يعانون منها حاليًا، ومع وجود احتمالية نشوء مجاعات مستقبلية بسبب أزمات التغيير المناخي وغيرها من المشاكل.

تفاؤل متفاوت

نلفت النظر إلى أن هذا الشعور ليس ظاهرة عالمية، إذ نجده غالبًا لدى سكان الدول الغنية مثل الولايات المتحدة الأميركية. وتؤكد دراسات استقصائية، مرّة تلو أخرى، أن غالبية الأفراد في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل مثل كينيا أو إندونيسيا، يعبّرون عن تفاؤلهم بالمستقبل، سواء بالنسبة لهم كأفراد أو لمجتمعاتهم.

والحال نفسه مع غالبية سكان العالم؛ ليكون التفاؤل بذلك، صدقت أم لم تصدق، هو المزاج العالمي السائد. وعندما نتفحص هذه الدول عن قرب، نجد المكاسب طويلة الأمد التي حققتها البشرية في مجالَي الصحة والرفاه الاجتماعي على أشدها. كما شهدت العديد من هذه المناطق، عقودا من الصراعات الداخلية والاضطرابات خلال الحرب الباردة، عندما عاملتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على أنها ساحات قتال عبر دعم الطغاة والمتمردين.

لكن هذه الدراسات الاستقصائية نفسها، تكشف لنا أن سكان الدول الغنية يعبّرون عن تشاؤم بشأن المستقبل، وعلة هذا؛ التغيرات الاقتصادية، لا للعنوانين الإخبارية، إذ إن سكان الدول منخفضة الدخل يؤمنون بأن الغد أفضل ماليًا، على النقيض من دول الدخل المرتفع، ممن يرون بأن القادم أصعب، والتشاؤم الشخصي يتحول بسهولة لتشاؤم حول العالم.

(Getty Images)

وجدت استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة أن الأشخاص ممن لا يتوقعون زيادة المكاسب المالية الشخصية يشعرون أيضا بأن البلاد ككل تزداد سوءا، ولا يوافقون على توجهات القادة السياسيين، بل يُعزى صعود الشعبوية العنيفة في الغرب إلى تآكل وظائف الطبقة العاملة، و"فرار" مشاريع التصنيع إلى الخارج، وذبول النقابات العمالية.

من زاوية النظر هذه، لا عجب رؤية الأميركيين للتسعينيات على أنها فترة سلام وازدهار عالميين، حتى لو كان هذا في الغالب مجرد سلام وازدهار للأميركيين وحدهم. ولكن مع ذلك، لا يُعزى تشاؤم الدول الغنية للاضطرابات الاقتصادية وحدها، فعلى الرغم من كل المقاييس التي تظهِر تحسنا مطّردا في العالم، هناك مقياس يواجه فيه العالم حقًّا، تآكلا دراماتيكيا ومزعزعا للاستقرار: مقياس الديمقراطية.

عصر من التقهقر الديمقراطيّ

ازداد على مدى العقود السبعة الماضية، عدد البلدان المُصنفة كدول ديمقراطية، كما أن متوسط نوعية هذه الديمقراطيات –مثل نزاهة الانتخابات وسيادة القانون وما شابه ذلك- تحسَّن أيضا تحسنا تصاعديًا. لكن تباطَأ هذا الارتفاع منذ نحو 20 عاما، واكتشف الباحثون أن عدد الديمقراطيات في العالم قد تقلص في الخمس أو الست سنوات الماضية، لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية.

(Getty Images)

كما أصبحت الديمقراطيات القائمة أقل ديمقراطية، مع تفشي الاستقطاب، وحدّة الاختلال الوظيفي السياسي، أو الانهيار الصريح، ولنتأمل هنا صعود حكم الرجل القوي في المجر أو الفلبين أو روسيا، والهجمات على المحاكم في بولندا، والتطرف الهندوسي في الهند، والمخاوف من الاستيلاء على السلطة في البرازيل.

قد تكون هذه حالات راديكالية خاصة، لكنها طليعية لاتجاه عالمي، والحالة ذاتها مع الولايات المتحدة، التي يصفها مراقبو الديمقراطية بأنها تعاني من تآكل مستمر، ولأن البلدان الثرية من المرجح أن تكون ديمقراطية، فمن المرجح أن تتأثر بهذا الاتجاه، مما قد يعلل تزايد التشاؤم في تلك الدول.

وقد يوضح لنا هذا الأسباب وراء شعور الأميركيين بانهيار وتفكك العالم، فمَن قضوا معظم حياتهم في مجتمع آمن ومستقر، ستزعزِع الأزمات السياسية المتوالية استقرارهم، وبالتالي سيشعرون بخليط من القلق والتوتر الجارح، لتصبح مع هذا الأزمات البعيدة مرعبة وقريبة.

الناس بطبعهم يبحثون عن ظواهر وأنماط متكررة يفهمون العالم من خلالها، فمن عاش صدمة ما في حياته سيراها في كل مكان. وبالنسبة للأميركيين الذين انخرطوا فجأة في دوامات التهديدات الداخلية بسرقة الانتخابات أو الاضطرابات المدنية مثل المظاهرات العارمة، فلا جُرم إذن أن الأحداث العالمية المشابهة ستظهر لهم كأنها داخلية.

(Getty Images)

وتتراكم هذه الأزمات الواحدة تلو الأخرى، لتصبح بعض الأزمات المتفرقة حول العالم، والتي ربما لم يلتفت لها الأميركيون قبل 30 عامًا؛ مترابطة، بل ودليلا مباشرا على انهيار العالم.

بودكاست عرب 48