أحدث رواية لنوال السعداوي: رواية الرواية

أحدث رواية لنوال السعداوي: رواية الرواية


حوار محمود الورداني ( أخبار الادب)



























لماذا اخترت 'الرواية' عنوانا لروايتك الجديدة.. أليس عنوانا غريبا؟
انها أول رواية تتناول تقنية الكتابة في علاقتها بالمرأة والسياسة والدين، معظم الابطال كتاب ولديهم مشكلة مع الكتابة تؤرقهم. الرواية اذن هي البطل الذي يؤرق الجميع، ومن أجل هذا البطل ماتت 'كارمن' في المستشفي، وهي تتحدث عن مي زيادة وفرجينيا وولف، وكلتاهما انتحرتا بسبب الكتابة وكذلك 'رستم' أحد شخصيات الرواية، لكنه مختلف فهو عضو مجلس الشوري وكاتب، ونكتشف من خلاله علاقة الكتابة بالسياسة، فاذا كان البعض يدفع حياته في سبيل الكتابة، فان البعض الآخر يستطيع أن يربح منها ويحصل علي أعلي المناصب.
هذه الرواية تحديدا عاشت معي سنين طويلة تلح علي وتغيب احيانا ثم تعود مثل الشبح. وحدث اني دعيت للتدريس في برشلونة، ومنحني اتحاد الكتاب هناك شهرا كاملا تفرغت خلاله بعد انتهاء التدريس للكتابة علي البحر، وبالفعل كتبت القسم الأعظم منها هناك في ابريل الماضي.














لكن هذه الرواية تحديدا تبدو أكثر تورطا والتحاما بالواقع علي عكس اعمال أخري لك؟



كتبت حتي الآن 12 رواية ولكل منها أسلوب مختلف، ولست مع الفكرة القائلة ان لكل كاتب أسلوب يكتب به جميع اعماله، ان الموضوع يفرض أسلوبه، رواية 'سقوط الامام' مثلا فرضت علي هذا السرد والبناء المركب (وبالمناسبة هذه الرواية ليست سهلة سواء علي النقاد أو القراء)، أما هذه الرواية فان اسلوبها يبدو في الظاهر بسيطا..
هل تصدق مثلا ان سقوط الامام كانت أسهل في الكتابة، بينما 'الرواية' كانت أكثر تعقيدا ربما بسبب بساطتها سقوط الامام كانت مستوحاة من حادث المنصة وكتبت الفصل الاول في السجن وكانت تشبه حادث المنصة نفسه.. انفجار.. أما 'الرواية' فهي نابعة من الانغماس الطويل في الواقع المرير في بلادنا، ونتيجة لانغماسي فيه حتي القاع، لذلك فان الشخصيات حقيقية حتي لو كانت منفرة مثل 'جمالات'..














لكن هناك فتاة بلا اسم في الرواية.. لماذا؟



أنها فتاة من القاع، وعلي الرغم من أنها ليست متعلمة الا أن لديها قدرا من الموهبة والاحساس الذي يدفعها لطموح كتابة رواية. لاتملك هذه الفتاة أية أسلحة للمواجهة، ولذلك انغمست في الوحل، ومع ذلك لم تتلوث، فهي مثل النبت الذي يخرج من الطين، وقبل أن تنتهي الرواية سنجد ان اسمها هو 'نورية' وهو نفس اسم امها وابنتها.
هناك اذن ثلاثة اجيال تعيش فترة زمنية واحدة ومشاكل واحدة. والحقيقة انني كنت أريد أن أطلق علي هذه الفتاة اسما، لكنني لم أستطع، فأحيانا تقودك الرواية ولاتقودها أنت، وربما كان غياب الاسم دليلا علي غياب الشخصية..














عندما تنظرين إلي الوراء قبل نصف قرن وتطلين علي عشرات المعارك التي خضتيها.. ماذا ترين؟



أنا فلاحة أحب الارض والزراعة وزرعت في كل مكان حتي في السجن. مرت علي أحداث كثيرة، وكنت قريبة من الموت واقترب من الأهوال، ومع ذلك فان كل ما مضي يبدو الآن مثل الماء علي ظهر البطة! مادمت خرجت سليمة فلا يهم. ان الحادث الذي لايقتلني يضيف إلي قوة.. مثلا منذ عامين حاولوا تطليقي من زوجي.. والآن أصبحت مجرد حكاية لا أتذكرها إلا بصعوبة، كما وضع اسمي علي قوائم المطلوبين للقتل ونسيت الآن.
وعموما أنا من النوع المتفائل والمرح.. هناك ناس يكونون في أمان ومع ذلك يشعرون بالخطر، أما أنا فلا أشعر بالخطر مطلقا بل ان الشجاعة تكاد أن تكون نوعا من الجهل بالعواقب، بل انني أرفض أن أعمل حسابا للعواقب.














من أين تأتين بهذا التفاؤل يا دكتورة نوال؟



أشعر أن هناك نتيجة لما قمت به، كنت أظن ان الحكومة المصرية نجحت في عزلي عن جمهوري وأن الجيل الذي مازال يعرفني الآن هو القريب مني في السن، لكنني أفاجأ دائما بأن هناك شبابا صغار السن يعرفونني آخر كتبي 'كسر الحدود' اشتراه الكثير من الشباب في العشرينات وارسلوا لي بأرائهم علي الايميل.. اليس هذا شيئا مبهجا؟
لماذا لا أشعر بالتفاؤل اذا كانت الحكومات منذ عام 1970 عندما تولي السادات الحكم تسعي للفصل بيني وبين قرائي وتشويه صورتي وعزلي، ومع ذلك لم ينجحوا مطلقا؟!
أمر آخر لاحظته بعد اصداري لكتاب 'كسر الحدود'.. أغلب من اشتري الكتاب من الذكور.. حتي اشاعة انني أكتب للنساء فقط وأدافع عنهن يثبت الواقع زيفها.














قبل أسابيع قليلة صودرت روايتك 'سقوط الامام'.. أليس غريبا أن يصادر كتاب بعد 17 عاما من صدورة؟



أبدا.. ليس غريبا، بل هناك معني آخر لهذه المصادرة وهو ان الرواية عاشت ولم تمت بعد. انهم يعرفون قيمتها ولذلك صادروها.. هذا شيء ايجابي علي الرغم من أنني لن أستطيع اعادة طبعها شأنها شأن بقية كتبي.
نحن لانتقهقر ونعود للخلف في الحريات فقط بل علي المستوي الاقتصادي والسياسي.. انني أشعر بالمهانة مثلا عندما أقرأ في جريدة مصرية اننا انتصرنا علي اسرائيل لان الكونجرس الامريكي أفشل محاولة اسرائيل في تحويل المعونة العسكرية إلي معونة اقتصادية.. كيف تعتبر صحافتنا مثل هذا القرار انتصار؟
نتقهقر ونعود للخلف في كل شيء.. نشرت اعلانا صغيرا في الصحف أطلب أحدا يساعدني في الاعمال المنزلية.. هل تعلم ان من جاءني شباب خريجي طب وهندسة، وبعضهم يعمل جرسونات في المطاعم والمحلات بلا أجر ويعتمدون علي البقشيش فقط.. أليست مصيبة أن آلاف الشباب يذهبون إلي اسرائيل بحثا عن عمل..
يكفي أن تلقي نظرة علي كورنيش النيل المجاور لبيتي في الليل ستجد عشرات الفتيات اللائي يرتدين ملابس ضيقة.
ويرقصن ويعشن حياتهن وكل ما في الأمر أنهن يضعن حجابا خفيفا يغطي الرأس!!
الزيف طال الكثير من مظاهر حياتنا نتيجة اعلامنا الزائف والتابع للاعلام الامريكي..














حضرت عدة محاكمات شعبية دولية وكان آخرها التي عقدت في بروكسل في هذا العام.. ما هي أخبارها ونتائجها؟



كنت قاضية شعبية في المحكمة الأولي التي انعقدت ضد جورج بوش الأب بعد حرب الخليج عام 1992 وحاكمناه علي جرائمه في حرب 1991، والمحكمة الثانية عقدت في بورتو البحري عام 2001، حيث تم اختياري ضمن سبع قضاة عالميين لمحاكمة سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، واستمعنا لشهود من جميع انحاء العالم عن نتائج هذه السياسات ضد العالم الثالث وتدهور أحوال شعوبه الاقتصادية وترديها.
أما المحكمة الثالثة التي عقدت في بروكسل فكانت ضد كل من جورج بوش الابن وبلير وأزنار وشارون بسبب ما ارتكبوه في العراق وفلسطين..
بالطبع كل هذه المحاكمات شعبية وأسحلتها هي أسلحة الشعب ومواردنا بسيطة.. كنا ننزل في أفقر الفنادق وكل من يستطيع أن يتحمل نفقاته الشخصية يفعل ذلك..
وعلي الرغم من أننا لم نمنع الحرب مثلا أو نسجن رئيس إلا أن المستقبل ملك لهذه الحركات الشعبية، ربما تكون هذه الحركات ليست معروفة جيدا في البلدان العربية، الا انها مؤثرة جدا في الخارج.
وأنتهز هذه الفرصة لادعو لقيام المنتدي الاجتماعي المصري ليصبح جزء من المنتدي الاجتماعي العالمي حتي يصبح للشعوب قوة فعالة. وتستطيع أخبار الادب أن تلعب دورا خطيرا في الدعوة لتأسيس المنتدي المصري الذي بدأنا بالفعل في تحريكه أنا وزوجي شريف حتاتة ومجموعة من الاشخاص.














أشكرك يادكتورة نوال علي سعة صدرك.. هل هناك ما تحبين أن تضيفيه؟



أنت لم تسألني عن النقد. ان الحركة النقدية عندنا بالغة الضعف والتخلف، ومعظم النقاد عندنا مجرد موظفين في الدولة لذلك يتجاهلون أي عمل جديد ومتمرد، وهذا هو السبب فيما تعرضت له رواية سقوط الامام. لقد تجاهلها البعض، والبعض الآخر هاجمها ليبريء نفسه منها. لذلك فهي حركة نقدية مذعورة وغير أمينة.














بالمناسبة دكتورة.. هل تقرأين الكتابات الجديدة؟



أنني اعتبر نفسي كاتبة شابة، كتاباتي متجددة، وكل رواية لي ذات أسلوب جديد، لذلك لايتابع النقاد هذا التجديد لأنهم يعيشون داخل قوالبهم، ولا أظن أن هناك روايات تم تشويهها أو تجاهلها مثلما حدث في رواياتي.
أما الكتابات الجديدة فأنني أعثر عليها بالمصادفة، فأنا لا أملك سلطة ثقافية أو أكتب في جريدة أو لدي عمود في احدي المجلات، بالمصادفة مثلا تعرفت علي مي التلمساني وقابلتها في أحد المؤتمرات، وعندما قرأت احدي رواياتها لم أحبها، أنها كاتبة مبتدئة، وربما كانت نورا أمين أفضل منها.
وما يحدث مع الكاتبات الجديدات سبق أن حدث في جيلي. هناك كاتبات يسعين وراء النقاد، لذلك تبرز أسماء وتتردد لأسباب غير فنية. مثلا قرأت اسم ميرال الطحاوي الذي يتردد كثيرا، وعوامل شهرتها ترجع لمهارتها في العلاقات العامة، بينما ابنتي مني حلمي تتعرض للتجاهل التام بسبب انها ابنتي. ان مني حلمي لديها 8 كتب ولم يكتب عنها حرف واحد.. هل تصدق؟
أخبار الادب يقع عليها عبء القيام بهذا الدور وكشف هذه القيم الرديئة. انني أدعو أخبار الادب التي تتبني أحيانا الاسماء التي تظهر علي السطح ويطنطن لها كبار النقاد أدعوها لكسر هذا الحصار والبحث عن الاسماء الجديدة التي لاتجيد العلاقات العامة.


* * *


صفحات من " الرواية "



نوال السعدوي أثرت حياتنا الفكرية والثقافية والسياسية بنحو 40 كتابا طبع أغلبها عشرات الطبعات وترجمت الي مختلف لغات العالم..

واذا كانت روايتها سقوط الأمام قد صودرت في اعتداء سافر علي حرية التعبير، إلا أن نوال السعداوي قادرة علي المواجهة دائما مثلما دخلت في عشرات المواجهات والمعارك السابقة.
والحقيقة ان روايتها الجديدة التي ننشر منها الصفحات التالية هي أحد الأشكال المثلي للمواجهة ورد الاعتداء، بدأتها في برشلونة علي البحر في ابريل الماضي بعد ان الحت عليها سنوات عديدة، ثم استكملتها بعد ان عادت، وسوف تصدر في اكتوبر القادم في روايات الهلال.

نوال السعداوي اسم نحبه ونحترمه في أخبار الأدب، نستضيفها في البستان فهو يليق بها وتليق به.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018