الغيم والمطر - الرواية الفلسطينية من النكبة الى الانتفاضة

الغيم والمطر - الرواية الفلسطينية من النكبة الى الانتفاضة

صدر في القاهرة «الغيم والمطر» الرواية الفلسطينية من النكبة الى الانتفاضة) للكاتب الصحفي الدكتور مصطفى عبدالغني، ويتناول الكاتب فيه بالنقد والتحليل أعمال عدد من الأسماء الأدبية المعروفة على امتداد الوطن العربي. يتصدر الكتاب مقدمة يستعرض الكاتب من خلالها اسئلة عديدة ومحاولات الاجابة عنها.


وكان أولها تعريف «ثقافة المقاومة» ووصولا لهذا التعريف يستعرض القول السائد بأنها ضرورة انسانية مطلقة لتحقيق الذات الانسانية، وهي مشروعة في مختلف تجلياتها وتفرز حالة من الفعالية الايجابية في مواجهة محاولات الاختراق والتفكك الثقافي في الداخل (أي في داخل الأراضي الفلسطينية) المحتلة،


ولكن بعد المجازر الاسرائيلية والتي بدأت منذ عام 1937 حتى عام 1989 حيث وصلت لما يقرب من تسعين مجزرة، وتزايدت بعد ذلك لتصل إلى أرقام مروعة وأشكال بشعة يفوق ما سبقها من قتل متعمد من الجنود الصهاينة لذا يطالب كاتبنا باعادة النظر والتأمل في تعريف ثقافة المقاومة ويصل الى انها «ثقافة الاستشهاد» وهو التعريف الأدق حيث يقول: أن نعرف كيف نموت هو الطريق الصحيح لنعرف أكثر كيف نعيش،


ويستشهد الكاتب لتأكيد هذا المعنى بزيادة اعداد شهداء أعمارهم في العشرينيات وكذلك بعض الملامح الجديدة مثل ظهور استشهاديات في العشرينيات أو الثلاثينات وربما أقل من ذلك. ويصف الكاتب هذا الجيل بأنه جيل يؤسس لفهم جديد لمعنى (ثقافة الاستشهاد) والتي تدخل بنا الى عصر المطر بعد ان تعددت طبقات الغيم وتراكمت حتى تحول الغيم الى غضب في هذا المطر الأسود. ولتصوير فترات الغيم الطويلة رصد الكاتب بعض تحولاتها خارج الأرض وداخلها من ابنائها،


أمثال: غسان كنفاني وجبرا ابراهيم جبرا وهشام شرابي وسحر خليفة وقد اكتفى الكاتب بأصحاب التجربة من عرب الداخل. أي داخل الأراضي المحتلة حيث أنهم أقرب المحاربين الى المعركة وأكثر خبرة.


ويشير الكاتب الى الصعوبات التي واجهها للحصول على النصوص موضوع دراسته من داخل الأراضي المحتلة. إذ طبعت في الغالب بدار «عربيات» في حيفا ومنشورات البرق واللجنة القومية العربية وجمعية شئون المرأة بنابلس.


ويبدأ القسم الأول من الكتاب تحت عنوان (الغيم) ويشير الكاتب فيه الى مسرحية «الباب» لغسان كنفاني والتي يجسد فيها صراع الأنا والآخر بمعناه المعروف (الآخر الصهيوني والأميركي والانجليزي)، هذا الصراع الذي يسعى الى النيل من الذات العربية ونفس المعنى نراه في قصصه ورواياته ولكن أكثرها وضوحا في مسرحية (الباب)


ونجد نفس المعنى في أعماله الأخرى بأشكال متعددة ومختلفة فنجد قصة (الأفق وراء البوابة) عام 1958، ورواية عائد الى حيفا 1969، وعديد من أعماله الأخرى مثل روايته (أم السعد) والرواية الأكثر أهمية (رجال في الشمس) والتي تعبر بشكل مباشر عن رفض المرارة وعشرات الأسباب التي تدفع الى الاحباط وتحث على الهزيمة منذ نكبة 1948، ثم راح في مسرحية الباب يعيد الواقع بشكل أكثر درامية من روايته السابقة،


ويفسر المؤلف ذلك بأن الكتابة لدى غسان تظل اعادة كتابة للواقع وبمعنى ان الكتابة الأولى هي اعادة كتابة للواقع والكتابة الأخرى هي أيضا اعادة كتابة للكتابة السابقة عليها وان النص الدرامي يظل اختزالا واعيا للنص السابق، فإذا كان في النص الروائي قد صاح لماذا؟ فإنه في النص الدرامي الآخر يحاول الاجابة بطرح سؤال آخر وهو (كيف) بمعنى انه في النص الأول يقول بعنف وقسوة «لماذا ترضون بهذا الواقع السائد المرير»، ويقدم في النص الأخر الخلاص والواقع الأخر.


ويرى كنفاني هذا الواقع الآخر الاختيار الوحيد في الفعل الايجابي حتى لو كان هذا الطريق هو المستحيل، وهو ما يصل بنا الى هذا الباب، ويؤكد كاتبنا ان مسرحية الباب تمثل في السياق السياسي والاجتماعي معلما أساسيا من معالم الشخصية الفلسطينية التي يعبر عنها فوق استعارات اسطورية قديمة غزيرة بجملة واحدة على لسان الأم «انكم تخسرون دائما لأنكم تبدأون دائما من البداية».


وينتقل الكتاب الى روائي اخر بعنوان (اصداء جبرا ابراهيم جبرا) ويقول الكتاب: ربما لا نجد في أدبه وروايته بوجه خاص فلسطين بالشكل المباشر ولكن وكما يصف لنا هذا الكتاب انها ظلت في كافة أعماله الاسم والرمز وحبه القلب، وظلت القضية الأولى ويليها القضايا العربية الأخرى مثل قضية التخلف التي عبر عنها في عمله (صراع في ليل طويل) عام 1955، وقضية الطغيان وضياع الزمن العربي في عمله الشهير (السفينة) عام 1970،


وكذلك البحث عن طريق الثورة أو الخلاص في (البحث عن وليد مسعود 1978) وأخذ يتلمس المصير العربي في (الغرفة الاخرى) عام 1980 ويرى هذا ان «جبرا» لا يضحي بالفن على حساب الايديولوجي حيث يرتبط هذا بقضية مهمة تنسحب على فكر عدد من المثقفين العرب الذين يجربون في الرواية وفي الاجناس الادبية الاخرى من أمثال (حليم بركات) وهي قضية ايثار الفن على حساب الايديولوجي قط ولا يضحى بالفني على حساب الفكرة العربية


وفي نفس الوقت فانه لا يضحي بالفني على حساب الواقع وهمومه، وهذا يعني في السياق الفني ان فلسطين في ادب جبرا تمثل المحور الرئيسي، بل والوحيد الذي تدور في فلكها القضايا العربية والانسانية، فلسطين لدى جبرا الاسم والخارطة والواقع وحبه القلب وهذه حقائق لا خلاف عليها


ورغم ذلك فإن كاتبنا استطاع من خلال النص الاصلي ان يسلك طريق البرهنة وهو طريق يمر بمحورين الموقع والموضوع، بمعنى ان الموقع الذي يشير الى موقع فلسطين لدى الكاتب وهي شاسعة بلا جدال ويتضح ذلك في كتاباته النظرية والنقدية، بوجه خاص وكذلك من فصول لسيرته الذاتية.


ويشير الكاتب انه اضاف الى الصورة البشعة للفقر صورا اخرى للجهل والمرض التي كان يعانيها الشعب الفلسطيني كجزء من الشعب العربي حينئذ والاربعينيات وقت كانت العصابات الصهيونية تحصل على سيل من الاموال من الولايات المتحدة واوروبا فضلا عن الرعاية الصحية لتغذي الدوافع العدوانية لديهم


واخيرا فإن سيرة جبرا الذاتية هي في نفس الوقت سيرة لفلسطين ويحكي فيها كيف قضى السنوات السبع الاولى من عمره داخل فلسطين، وتعلم في مدرسة (بيت لحم الوطنية) واقبل على التعليم اقبالا هائلا، وفي هذه الفترة تحولت بواعث المشاركة في الواقع القومي الى التعرف على كل شيء، تعلم القراءة ونهل منها، ومارس الرسم وجرب فيه حتى عام 1932 ورحل مع عائلته الى القدس فأقام في منطقة (جروة العناب)


ولم يمض وقت طويل حتى كان يتهيأ للرحيل الى انجلترا طالبا العلم ولم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، وعاد بعد سنوات من انجلترا بعد اكمال دراسته في جامعات كمبردج واكسفورد ثم فضل العودة الى موطنه والذي كان يشهد اضطرابات عاصفة بين أهل البلاد والمستعمرين الآتين من الغرب، من الصهاينة وفي سن الرابعة والعشرين عمل في جامعة القدس، وبعد مذابح الصهاينة للعزل من النساء والأطفال اضطر الى الرحيل عن القدس في عام 1948


فأقام في بغداد واصبح العمل الجامعي عمله الرسمي، الى جانب الكتابة بجميع أنواعها واصبح الهاجس الاساسي لديه هو هاجس العودة.


ويستمر الكاتب في سرد سيرة جبرا ابراهيم جبرا الذاتية حتى يصل الى الموضوع الاساسي وهو اعماله الادبية، من خلال رواية (صراخ في ليل طويل) ونرى ان الاحداث التي تناولها وهو لم يغادر فلسطين بعد في صيف 1946 كانت من فيض الذاكرة والتي راح صاحبها يغترف من عمقها البعيد، محاولا رصد الصراع بين الذاكرة الماضي أو الواقع وبين الحاضر والاختيار وبين المستقبل في ذلك الوقت، وهو مايؤدي الى مجموعة من الدلالات اهمها: البحث عن الخلاص من التخلف الحضاري والفقر يظل أول الاسلحة الواجب استخدامها في وجه المحتل.


ورويدا رويدا نصل الى اقتناع بأنه يتعامل بروح فلسفية تسعى الى تجاوز الارث البالي الى الوعي بما يحدث حولنا، وينتهي الكتاب في وصف هذه الحالة المتشابكة: بأنها ارتباط الوعي الحاضر بصاحبه، وهنا ينتقل الكتاب الى رواية اخرى لجبرا وهي رواية (السفينة) وهي باختصار شديد تدور حول شخصية محورية هي شخصية وديع عساف الفلسطيني الوحيد المسافر على ظهر سفينة ويأخذ في تأمل


وتذكر سنواته الاولى في القدس وماحدث فيها من أحداث وعذاب، وطيلة الرحلة على ظهر السفينة يختلط الماضي بالحلم الحاضر للخلاص ويمثل «وديع» البعد الوطني ويظل حلم الهبوط من الماضي الى الحاضر فالهبوط من أرض التاريخ الى أرض الحاضر هو السبيل الوحيد الذي يؤدي للمستقبل.


ويمتد فيض الذاكرة في رواية (البحث عن وليد مسعود) ومن خلال أحداثه يتضح المزج بين الذاكرة والحلم حتى أننا نجد تشابها بين طفولة وليد مسعود وطفولة جبرا وينتهي لخلاصة مفادها أن العمل الثوري هو الطريق الوحيد للخلاص من النكبة، ويؤكد مؤلف الكتاب ان (صراخ في ليل طويل) أول اعماله الروائية تطرح قضية التخلف الحضاري وتؤكد ان الجغرافيا هي الجغرافيا السياسية (فلسطين) والزمان نكبة 1948، بل وهزائمنا في الاربعينيات والذي يقترب من العربية بعد ذلك في سنوات (1956 ـ 1967).


ويذكر الكاتب ما يؤكد ان الاحداث كانت تجري في القدس ويؤكد كذلك ان (صراخ في ليل طويل) كانت تطرح من خلال رواية رومانسية الواقع الحقيقي في فلسطين كمركز للعروبة وقلب معبر تكمن في دقاته صحة بقية الاطراف.


وينتقل الكاتب لما اسماه (بثنائية سحر خليفة) حيث يشير الى انها وبعد رحلتها بين ثلاث عواصم عربية القاهرة ثم دمشق وتليها عمان وعقب هزيمة 1967 كتبت سحر خليفة ثنائية شهيرة (الصبار وعباد الشمس) وهي فترة امتدت بين عامي 1976 ـ 1980 وراكمت في امتدادها (فائض القيمة التاريخية) لحركة النضال القومي الفلسطيني


والذي ألتقى في نهاية الثمانينيات بتيار الانتفاضة، وفي هذه الفترة التي شهدت البحث عن الطريق والوعد به وصولا الى ارهاصات الوعي الممكن راحت الروائية الفلسطينية تكشف جذور النار المتوارية تحت رماد الحياة اليومية وهو ماسعت اليه الروائية وأخذت تسجل هذا الواقع لتنسج عبر الخطاب الروائي واقعا اخر موازيا له، وكاشفا عن الامكانات الكامنة في الانسان الفلسطيني.


ويعود الكاتب لاعمالها الادبية ويختار احد اهم اعمالها (الصبار وعباد الشمس) وتكشف هذه الرواية عن أدق التفاصيل في داخل الارض المحتلة بعد هزيمة 1967 وكيف ان أهلنا رغم كل اشكال التعسف مازالوا يمضغون طعم الصبار ويكبر اطفالهم تحت زهرة عباد الشمس


وقد ترجمت سحر خليفة هذا كله في حالة جماعية لمواجهة القوة الغاشمة، وكان هذا الموقف الجماعي الرافض ونجد أحداث الجزء الاول ـ الصبار لا تشير صراحة الى دلالة العنوان ولكن نستطيع فهمه مع توالي لوحات القص وتوضح الواقع الاليم الذي يفرضه الاحتلال على أهلنا، وهو الذي سيحولهم في الاراضي المحتلة الى شئ أشبه بالصبار حيث صمود هذا النبات وقدرته الفائقة على الاستمرار في مناخ مغاير لرغبته في الاستمرار.


وتجيء قضية المرأة لتضيف بجانب بطولات الرجل بطولات المرأة، وتتحول فجأة لتحتل مساحة شاسعة في رواية (عباد الشمس) وبالاضافة لأهميتها في أي مجتمع فهي في المجتمع الفلسطيني تقوم بدور نابع من الوعي بضرورة عيش المرحلة حيث يعيش الاثنان ـ الرجل والمرأة ـ في مجتمع شرقي يبحث عن التحرر والتمرد معا. حتى يصبحا وعيا واحدا يتحرك للتحرير.


«استطاعت سحر خليفة ان ترصد لبدايات هذه الثورة والتي اسميت (بالانتفاضة)» ويؤكد الكاتب ذلك حينما نقرأ في النص السردي فنلحظ عدة ارهاصات تشبه النبوءة لما سوف يكون ويمكن القول ان الروائية استطاعت تحديد الخطوط الاولى لما سوف يكون في نهاية الثمانينينيات بينما النص الروائي كتب قبل 1973 ويستشهد الكاتب بفقرات من النص الأصلي الصادر فيقول:


الحجارة أحسن استغلالها.. والأولاد استمروا في قذف المزيد من الحجارة بينما يقف الجنود الاسرائيليون وفي يدهم مكبرات الصوت لتهديد الاطفال بالغازات السامة والقنابل العنقودية، وتتم المواجهة بمفردات الانتفاضة: زيادة الحرائق وتدمير إطارات السيارات واغلاق المحلات، ورفض الذهاب خلف الخط الاخضر للعمل في مزارع العدو، واصبح الشارع (جبهة).


ويستمر الكاتب في تناوله لسحر خليفة ولكن من زاوية جديدة وأبعاد مختلفة حيث يؤكد انها قدمت مفهوما نسويا خاصا حين تخبرنا في روايتها واعمالها بان قضية تحرير المرأة مما تعانيه من قهر، هي القضية الوحيدة في ارض الانتفاضة وبما يعني اننا يجب ان نصدقها حينما ترى ان قهر المرأة هو اكثر القضايا أهمية وترفض تلك الثنائية (تحرير المرأة أو تحرير الوطن).


ويؤكد الكاتب ان نصوص سحر خليفة تعتقد ان قيمة المرأة في العمل النضالي لا تظل من اهم قيم الانتفاضة. ويشير الى دورها في الانتفاضة والذي يتعدى دور ست البيت أو المثقفة الصامتة وانما يتجاوز ذلك كله بالنضال الذاتي اليومي.


وبقيت صورتان من خارج النص لابد من الاشارة اليهما، والصورتان هما وحسب مصادر عسكرية في تل أبيب:


فلسطينية في الخامسة عشر هاجمت شرطيا اسرائيليا والاخرى في الثالثة والعشرين تقوم بعمليات عسكرية ساخنة ضد القيادة الاسرائيلية.


ويتساءل الكاتب بسخرية: هل نحن في حاجة لطرح السؤال القديم تحرير المرأة.. أو تحرير الوطن.


وينتقل الكاتب الى عنوان اخر (المستحيل أولا) ويتناول قضية السياسية والأدب ويصف الكاتب تلك المساحة ويطلق عليها المنطقة الرمادية ويرى ان عددا كبيرا من مناضلي الانتفاضة بعضهم اختار دوره في السياسة والاخر اختار الأدب في حين ان الاتجاه الثالث وهو مايهم، عرف تقاليد السياسة لكن اختار التعبير الأدبي.

الكتاب: الغيم والمطر


الناشر: مكتبة الاسرة ـ القاهرة 2003


الصفحات: 193 صفحة من القطع الكبير

(ياسر المراغي- عن "البيان")

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018