"شرف قاطع الطريق" / رواية حنا مينة الجديدة

"شرف قاطع الطريق" / رواية حنا مينة الجديدة

"بعد أربعين عاماً سأعرف اسمها الحقيقي، وتأتي المعرفة مصادفة، كأنما كتب، في لوح القدر أن أتألم من أجلها مرتين: أولاهما عندما كنت طفلاً في الخامسة من العمر، وثانيها عندما نيًّفت على الخامسة والأربعين! لقد كانت في المرة الأولى امرأة منبوذة، وكانت في المرة الثانية امرأة شقية، وهي، في الحالين، ضحية مجتمع ذكوريّ ظالم، يبرر للرجل ما لم يبرر، ويعد الأنشوطة للمرأة، التي هي من كل النواحي، محكومة بحرمٍ اقترفه هذا الرجل بالذات، فناب عنه المجتمع بإصدار حكمه الأقسى من الإعدام! أذكر، في ما وعت ذاكرة الطفل الذي كنته، أن والدي قال لوالدتي ذات يوم: لا تدعي هذه المرأة تدخل هذا البيت. قالت الوالدة: وماذ أفعل إذا طرقت علينا الباب؟ أغلقيه في وجهها! وإذا لم يكن لها من بيت تأوي إليه؟ لتذهب إلى جهنم عندما تموت، إذا لم يغفر لها الله، لكنها الأن حية، فماذا تفعل بنفسها؟ وهل أنا مسؤول عنها؟ ألست خالها؟ أنا برئ منها إلى يوم القيامة؟... ورنت صفعة على خدّ الوالدة، خلتها، في خوف الطفل على الأم، أنها رفت على خدّي، فما كان من الوالد إلا أن رفع يده الثانية، فانفجرنا، أخواتي وأنا، بالبكاء، وركضت الوالدة إلى المطبخ فاحتمت بداخله، بينما الشتائم في حقّ "جنس حواء" تتشظّى وترتطم بجدران البيت!..".

تخيم على رواية حنا مينه "شرف قاطع طريق" أجواء العشرينات من القرن العشرين بما تحمله من مفاهيم وبما تموج به من أحداث واكبت الحركة الجهادية للاستقلال من المستعمر الفرنسي الذي كان رابضاً على الأراضي السورية. إلا أن الروائي حمّل روايته الكثير من المعاني التي ساقها ضمن السرديات التي حملت في جزء منها قصة تلك المرأة التي نبذت من مجتمعها الذكوري بسبب عملية اغتصاب تعرضت لها من قبل لصوص اقتحموا بيتها في غيبة زوجها، إلا أن هؤلاء اللصوص حملوها عاراً رافقها إلى نهاية حياتها.

وهنا يقول حنا مينه "الزمن كان إلى جانب الزوج، العشرينات من هذا القرن كانت موبوءة بالجهل، بالتخلف، بالظلم الاجتماعي، وكانت السيادة المطلقة للرجل". إلا أن الروائي أودع روايته معاني ومرامي أُخَر، إذ أن الرواية في جزء آخر منها حملت صورة الرجل الشهم البطل الذي حارب الظلم والقهر في مجتمعه على الرغم من كونه قاطع طريق. رسم فيه ملامح تلك الشخصية في خاله، ومن خلال صنعة روائية ارتقى الكاتب بقصته إلى منحىً استغل من خلاله شخصياته لوصف تلك الفئة من قطاع الطرق الذين كانت لهم مساهمة مشرفة في الصراع مع العدو الفرنسي في ذاك الحين. لذا يمكن القول بأن "شرف قاطع طريق" هي رواية تحمل في طياتها مشاهد وأحداث حكت عن شخصية الروائي، فجاءت في مصداقيتها وفي أسلوبها المتميز، وفي أحداثها التي تحمل من الواقع ما يقنع القارئ بأنها تدوين موثق لسيرة كاتبها الذاتية.