نجيب محفوظ بين القصة القصيرة والرواية الملحمية

نجيب محفوظ بين القصة القصيرة والرواية الملحمية

السمة المميزة لعالم نجيب محفوظ الروائي القصصي، كما يراها المؤلف، هي في العكوف على اكتشاف الحاضر اكتشافا فنيا وليس الحاضر هو الواقع الخارجي الماثل هناك في تحدد نهائي، بل هو معاصرة متدفقة متحولة في تلقائية فورية لا تعرف اكتمالا، ويتطلب هذا الحاضر استمرارا في حركته نحو مستقبل لا يعرف تعينا. لا يبدأ الحاضر عنده من كلمة أولى ولا ينتهي بكلمة أخيرة، فهو صيرورة لا تنقطع ولا تسير في خط مستقيم، لأنها متناقضة متعددة الاتجاهات حافلة بامكانات لا تتجسد ومسارات غير متوقعة. وبذلك، تفقد معطيات الواقع طابعها الجاهز في غمرة تدفق الحياة الجارية، وتنقل صورة الشخصية الانسانية الى منطقة الاتصال المباشر والتلامس الحميم مع صيرورة محيّرة. ولن نجد مسافة تراتبية رمزية بين قيم المؤلف وقيم العالم الممثل، بل سنجد لغة المؤلف مختلطة النبرات بلغة الشخصيات.


وفي الروايات والقصص التاريخية القديمة والجديدة لا تقدم الوقائع و الشخصيات التاريخية لذاتها، بل من اجل خلق تجربة انسانية متخيلة تهيئ لها المسافة التاريخية استيعابا دراميا وابرازا لما في نماذجها من دلالة راهنة، فهي تعبر عن حلم حلق فوق حاضر كتابتها.


لقد اسقط محفوظ واقعه على موضوعات الماضي وشخوصه، وكان الحاضر المعاصر هو الذي يقدم وجهة النظر. لذلك، لا توجد هوة فاغرة بين الاعمال التاريخية والاعمال الواقعية، وان وجدت ثغرات بينهما.


فالروايات الواقعية صورت حركة مصر ذات الحرية الشكلية الى مصر الاخرى التي ظلت وعدا لا يتحقق.


وواصل الحاضر تحولاته في الروايات والقصص اللاحقة بعد 1970 الى الانفتاح وانعكاس المسار وظهور اشكال جديدة من الصراع الفكري والسياسي.


وفي تصوير اللحظات الانتقالية تلتقي الدوافع الخاصة بالحاضر المباشر بالدوافع العامة المنتمية الى الاستمرار التاريخي التقاء دراميا زاخرا بالمفارقات، وتكتسب الشخصيات دلالة اكبر من خصوصيتها، وتنطبع الشروط الاساسية للحاضر المعاصر وما يلاحقها من حلقات انتقالية بطابع عام مشترك يجعلها تجاوز أوضاع مصر الى الوضع البشري بعامة، بأشواقه وذكرياته.


تتعدد المفارقات وتؤدي المقدمات المتشابهة الى نتائج متضادة، ولا يؤدي انجاز الاهداف العامة الى سعادة الافراد، بل ربما الى مأزق، فتحقيق غايات الانسانية قد يكون مصحوبا بتضحيات الافراد وجعلهم نهبا للمنفى والغربة والعبث، وقد تدمر الثورات الثوريين ولا يقطف ثمارها الا الانتهازيون، ومع ذلك لا يلغي السرد امكان لحظات تحقق واشباع عميقة في التأمل الصوفي والحب والصحبة، وحتى في التضحية.


وقد ذكر محفوظ في كلمته للاكاديمية السويدية انه يختلف مع تشاؤم كانط الذي يذهب الى ان انتصار الخير لا يتحقق في هذا العالم، بل في العالم الآخر، فسيظل يبحث عن توفيق بين العلم والدين، بين اشباع الحاجات الاساسية للبشر وتطلعهم الى الحرية والتحقق، بين صد العدوان والشوق الى السلام.


وقد جاء في تعليق لجنة نوبل مقارنة بين الحاضر عند محفوظ، بين قاهرته وباريس بلزاك ولندن ديكنز، مما يثير مسألة تقديم التفاصيل الجزئية للواقع ومجالاته وشخوصه، فمحفوظ يشترك مع رواد الواقعية العظام في رفض وضع الفن فوق الحياة أو ضدها باعتباره بديلا شكليا اسمى درجة،


فعنده تثرى الرابطة الحيوية بين الفن والتجربة الانسانية او الاثنين معا. وان سيطر في اعماله الراوي كليّ المعرفة على السرد احيانا، فذلك لان الحاضر عنده لا تستوعبه ظاهرية السطح، بل يقوم التشكيل الفني بابراز منطق التغير والصيرورة مهما كان كامنا، فيؤكد التفاعل والحوار بين الرؤية التشكيلية الخلاقة والعالم متعدد الأوجه والقوى الدفينة.


في هذا الكتاب لم يعتبر الكاتب النوع الادبي (الرواية، القصة القصيرة، الملحمة) مجموعة من الادوات التقنية، او طريقة خاصة في ترابط عناصر لغوية خالصة، بل اعتبره طريقة محددة في تصور وتمثل جزء معين من الوجود الانساني، فالنوع الادبي عند محفوظ شكل متميز للرؤية، اي طريقة كلية لتخيل وتصور جوانب معينة من الواقع الانساني.


القصة القصيرة في اشكالها الاخيرة عند محفوظ تعكس الاحساس بالطابع العابرالمتغير الهش في الوجود اليومي، هي شكل قصير ولكنه مردد للاصداء، وهي تناهض بشكلها الحلمي الموجز التجربة الحديثة لأن يكون الفرد حيا في عالم متوتر سريع الايقاع يدفعه الى الموت في الحياة.


(فاروق خلف - "البيان")